من
الصعب مُغادرة الواقع حينما يُراد تشخيص حالة بلد ما؛ لأنّ الواقع، غالبا، هو المُخْبِر
الأمين الذي يُثبت نجاح أو فشل أيّ حكومة بعيدا عن التلميع الإعلاميّ والتزييف.
ومنذ
بداية العمليّة السياسيّة العراقيّة في العام 2003، والتي رَسَم معالمها الاحتلال
الأمريكيّ، قُسِّم
العراق إلى سُنّة وشيعة وكرد وتركمان ومسيحيّين
وغيرهم.
وقد
استغلّ غالبيّة الزعماء "
الشيعة" الأوضاع الجديدة، وحاولوا التفرّد
بالحكم والقرار العامّ، والاستحواذ على غالبيّة مفاصل الدولة، وخصوصا الأمنيّة منها،
كجزء من سياسة التغلُّب والتحكُّم حتّى بشركاء الوطن، رغم الكلام عن "سياسة
التوافق" التي غَزَت العراق حينها.
وهذا "التوافق السياسيّ" كان ضعيفا وهشّا، وبدليل
أنّ أكثريّة "الزعامات السنّيّة" القديمة بين عامي 2003-2014 قد غابوا بطرق
شتى، وأهمّهم نائب رئيس الجمهوريّة الأسبق طارق الهاشمي، المقيم في الخارج،
والمَحْكُوم عليه بسبعة إعدامات غيابيا، والراحل عدنان الدليمي الذي تُوفّي في الغربة.
إنّ محاولات إقصاء "سنّة العراق" خطوة سقيمة ستُبقي حالة اللا دولة، ولا تبني دولة المواطنة، كون "سنّة العراق" يُمثّلون نحو نصف الشعب!
وهنالك مَنْ غابوا، أو هُمّشوا بإرادتهم أو رغما عنهم،
وأبرزهم نائب رئيس الوزراء الأسبق صالح المطلك، ورؤساء مجلس النوّاب السابقين: محمود
المشهداني، وأسامة النجيفي، وإياد السامرائي، وسليم الجبوري، والسياسيّ خلف
العليان وغيرهم العشرات! فأين الشراكة السياسيّة والتوافق السياسيّ المزعوم؟!
واليوم صرنا أمام "قيادات سنّيّة" برزت قبل نحو عشر
سنوات، وأبرزهم رئيس مجلس النوّاب الأسبق محمد الحلبوسي، والسياسيّان خميس الخنجر ومثنى
السامرائي وغيرهم! ولكن أين هي حقوق سنّة العراق واقعيّا؟
إنّ محاولات إقصاء "سنّة العراق" خطوة سقيمة ستُبقي
حالة اللا دولة، ولا تبني دولة المواطنة، كون "سنّة العراق" يُمثّلون
نحو نصف الشعب!
أما الأحزاب الكرديّة فهي بالعموم مُتماسكة رغم صُعود الجيل
الثاني، وبالذات في "الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ" بقيادة مسعود
برزاني، فَهُم يَتصرّفون ككيان واحد رغم محاولات القوى الشيعيّة المؤثّرة والمتحالفين
معها عَزْل حزب البرزاني عبر تمرير مرشّح رئاسة الجمهوريّة من الاتّحاد الوطني
الكردستانيّ دون حضور نوّاب البرزاني، وهذه خطوة هزيلة، وذلك لصعوبة إقصاء "البرزانيّين"؛
لثقلهم السياسيّ داخل العراق وخارجه!
أما الأحزاب التركمانيّة فحافظت على قياداتها التقليديّة،
وإن تراجع بعضهم لأسباب إنسانيّة وحزبيّة، وهكذا حال بعض الأحزاب المسيحيّة!
أما الكيانات الشيعيّة، ورغم أنّها اليوم ضمن "الإطار
التنسيقيّ الشيعيّ" الحاكم، إلا أنّ هذا الكيان منقسم على نفسه، وقادته مُتناحرون
بسبب اختلافهم على المناصب الكبيرة، وبموازاة ذلك هُم مُتردّدون بأن يكون رئيس
الحكومة المقبلة من الجيل الثاني لأنّ هذه الفرضيّة تعني نهاية الجيل الأوّل
الماسك للسلطة.
إنّ زعماء الجيل الأوّل "الشيعة"، المتحكّمين
بالدولة منذ العام 2003، يرفضون فرضيّة إدارة الأمور من وراء الستار لأنّ تجاربهم
الماضية، وخصوصا تجربة ترشيحهم لرئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، عضو
حزب الدعوة الإسلاميّة بزعامة نوري المالكي، أثبتت أنّ مَن يَصِل للمنصب يَتفلّت
من القيادة السابقة المرشّحة له ويبني كيانه الخاصّ، وبهذا فَهُم حذرون من تكرار التجربة!
الواقع
الذي وصل إليه العراق من تفكّك غالبيّة التوافقات السياسيّة سواء أكانت بين السنّة
والشيعة والكرد، أو بين المكونات الشيعيّة ستكون له -يقينا- تداعياته الخطيرة على
الحاضر والمستقبل، وأبرزها التحكّم الأمريكيّ بالقرار السياسيّ وبالواردات
النفطيّة!
ولهذا
ينبغي على العقلاء الدعوة الحثيثة للكفّ عن السياسات الاقصائيّة والمزاجيّة
بالتعاملات السياسيّة والإعلاميّة والمجتمعيّة مع شركاء الوطن؛ لأنّ الأمر وَصَل
لدركات مُهلكة، والقادم مجهول، وفقا للتحذيرات المتكرّرة للسياسيّ
"الشيعيّ" عزت الشاهبندر، وآخرها يوم 21 نيسان/ أبريل 2026: "اُقسم
أنّ القادمَ قاتِمٌ، وأصبح وشيكا، وأكبر بكثير ممّا تتوقّعونه"!
التحذيرات
الداخليّة والخارجيّة، وآخرها ما ذكرته فضائيّة "AVA
Media" العراقيّة الكرديّة؛ من أنّ إدارة الرئيس ترامب خيّرت
العراق يوم 26 نيسان/ أبريل 2026 بين "إنهاء هجمات الفصائل، أو مواجهة
الإفلاس التامّ". تلك التحذيرات أحرجت زُعماء "الشيعة"، واضطرتهم
للقبول بأقلّ الأضرار؛ حفاظا على المكاسب العملاقة التي جَنَوْها!
بعيدا عن شَكْل الحكومة القادمة، فإنّ مشكلة العراق الكبرى تَكمُن في نَهج الإدارة القائم على إقصاء الشركاء، وتوليد الأزمات معهم، وتجاهل المعارضة، الداخليّة والخارجيّة، وكأنّ العراق لمكوّن واحد فقط
ولكن،
ورغم اضطرار قادة "الشيعة"، الاثنين الماضي، لتقديم علي الزيدي كمرشّح
جديد لرئاسة الوزراء، وهو من خارج الإطار التنسيقيّ، لكنّ الأمر يبدو إمّا لكسب
الوقت حتّى لا يَدْخلوا في الفراغ الدستوريّ للمرّة الثانية، وربّما لن يُمرّر
بالتصويت البرلمانيّ، أو أنّهم أخذوا على الزيدي تعهّدات مكتوبة بألّا يَخرج عن
خطوطهم العريضة!
وبمعزل
عن الأهداف الخفيّة لترشيح الزيدي، والصراعات السياسيّة فإنّ العراقيّين ليسوا
مادّة مختبريّة جاهزة لإجراء التجارب عليهم عبر مسؤول جديد يَتسنّم السلطة
التنفيذيّة!
وبعيدا
عن شَكْل الحكومة القادمة، فإنّ مشكلة العراق الكبرى تَكمُن في نَهج الإدارة
القائم على إقصاء الشركاء، وتوليد الأزمات معهم، وتجاهل المعارضة، الداخليّة
والخارجيّة، وكأنّ العراق لمكوّن واحد فقط! فأين الحكمة في السياسات الطائفيّة
التي أوصلت العراق لهذا المنحدر المخيف؟ ولماذا يُسْمح للغرباء بالتحكّم بالمناصب
الحسّاسة؟!
صدقا،
لم يَعُد هنالك أيّ عُذر لمُعتذر، فجميع أدوات نجاح الحكم متوفّرة ورغم ذلك عجزوا
عن إيصال العراق للضفة الآمنة!
اتركوا
سياسات التغوّل والتفرّد، وَسَلِّموا زمام الأمور لمَن يستحقّها من العراقيّين دون
النظر لدينه وقوميّته، وإلا فلن يُكتب للعراق التعافي، وسنواصل الدوران في طواحين
الأزمات القاتلة للوطن والناس!
x.com/dr_jasemj67
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.