كانت
حرب الـ40 يوما بين "إسرائيل" وأمريكا وإيران، التي توقّفت فجر الأربعاء
8 نيسان/ أبريل 2026، واحدة من الأدوات الضاغطة على دول الخليج العربيّ والأردنّ سياسيّا
وأمنيا واقتصاديّا، والكاشفة لقدراتها
الدفاعية لاعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ
القادمة من الطرف الآخر.
والعراق،
الذي أُدْخِل للحرب بعد مشاركة الجماعات المسلّحة بقدراتها المتوسّطة، وربّما،
البسيطة باستهداف المصالح الأمريكيّة داخل
العراق، والهجمات على بعض دول الخليج
العربيّ والأردنّ وإقليم كردستان العراق، ظَهَرَ بموقف دفاعيّ جوّيّ هشّ وبدرجة مُفاجئة!
فأين
الخلل الذي جعل سماء العراق تنقلب لساحة مواجهات بين أطراف الصراع: العراقيّة
الفصائليّة، والأمريكيّة الدفاعيّة والهجوميّة، "والإسرائيليّة"
والإيرانيّة الهجوميّة؟
عراقيّا،
وبموجب المادّة (78) من دستور العام 2005 فإنّ رئيس مجلس الوزراء هو القائد العامّ
للقوّات المسلّحة، ومن واجباته وفقا للمادّة (110) ثانيّا من الدستور: "وضع
سياسة الأمن الوطنيّ وتنفيذها، وانشاء قوّات مسلّحة وإدارتها لتأمين حماية وضمان أمن
حدود العراق، والدفاع عنه".
أين كانت الحكومة من تطوير قُدرات الدفاع الجوّيّ قبل هذه المرحلة الخطيرة والحسّاسة، وبالذات ونحن بموجب موقعنا الجغرافيّ صرنا وسط مخاطر حقيقيّة وأمواج صاروخيّة متلاطمة؟! ولماذا لا تعترف الحكومة بعجزها وفشلها بمهمّة حماية العراق وسيادته وشعبه؟
ومع إقْحَام
العراق بالحرب كانت حصيلة الضربات "الإسرائيليّة" والأمريكيّة من
العراقيّين مقتل نحو 80 فردا من الحشد الشعبي، عدا المدنيّين العزّل الذين قُتِلوا
بالأسلّحة الأجنبيّة وهجمات الحشد المُرْتبكة، وكذلك جرح 270 من الحشد وعشرات
المدنيّين!
واقعيّا
يمتلك العراق نحو 1.5 مليون فرد في وزارة الدفاع والأمن والحشد، وجميع هذه الصنوف يُفترض
بها المساهمة في حماية حدود الوطن وأمن الناس! وَتُعتبر "قيادة الدفاع الجوّيّ"،
التي أُسّست بداية شباط/ فبراير 1993، من أبرز تشكيلات الدفاع؛ "لحماية أجواء
العراق من أيّ اعتداء جوّيّ خارجيّ"!
وهنا
نتساءل: أين إمكانيّات الدفاع الجوّيّ؟ ولماذا لم نرَها خلال لَعِب الطائرات
والصواريخ "الإسرائيليّة" والأمريكيّة والإيرانيّة وغيرها بأجواء
العراق؟
ولهذا
حاولْتُ جمع موازنات وزارة الدفاع منذ العام 2004 وحتّى العام 2026، فكانت الحصيلة
مرعبة، كونها أكثر من 150 مليار دولار، عدا بقيّة الوزارات الأمنيّة! فأين تبخّرت
تلك المليارات، ولماذا لم تُطوّر بها الدفاعات الجوّيّة؟!
ونوجز
هنا القدرات الدفاعيّة الجوّيّة بعد العام 2003، وأبرزها النظام الأمريكيّ "AN/TPS-77"،
ويصل مداه لغاية 470 كيلومترا، ويمتاز "بقدرة ثلاثيّة الأبعاد تشمل: قياس
الارتفاع والاتّجاه والمسافة". ويمتلك العراق منظومتين منها: إحداهما في قاعدة
التاجي ببغداد، والأخرى في محافظة ذي قار الجنوبيّة، وقيمتهما نحو 50 مليار دولار،
ومنظومة التاجي دمّرتها مسيّرة تابعة للفصائل المسلّحة يوم 24 حزيران/ يونيو 2025!
وأيضا
هنالك منظومة "GM403" الفرنسيّة، ويمتلك العراق منها أربعة
رادارات، ومداها مُشابه للمنظومة الأمريكيّة! وأخيرا هنالك منظومة "GM200"
الفرنسيّة، وتمتاز بقدرتها على الإنذار المبكّر لمخاطر الطائرات والصواريخ
والمسيّرات!
ويمتلك
العراق أيضا منظومة الدفاع الأمريكيّة "أفنجر" القصير المدى، ومنظومة "بانتسير-
إس 1"، وصواريخ "إيغلا- أس" (أرض – جو) الروسيّة المحمولة على
الكتف!
وأكثريّة
هذه الأسلحة لم تُستخدم لصدّ الهجمات، وعجزت عن حماية سماء العراق رغم شراءها بنحو
10 مليار دولار! والمحيّر أنّ غالبيّة المعدّات الدفاعيّة أُدخلت للخدمة منتصف
العام 2022!
وتعاني
المنظومة الدفاعيّة الجوّيّة العراقيّة من العجز عن سدّ الفجوة الحدوديّة الممتدّة
لنحو 3600 كيلومتر في بيئات تضاريسيّة متنوّعة ومعقّدة، وكذلك صعوبة التّصدّي
للأهداف المنخفضة الارتفاع، وفجوة التكامل والربط مع منظومات الدفاع الجوّيّ!
والأغرب
أنّ رئيس الحكومة والقائد العامّ للقوّات المسلّحة، محمد شياع السوداني وجّه، يوم
5 نيسان/ أبريل 2026، "بتطوير وتحديث منظومات الدفاع الجوّيّ، ورفع مستويات
الاستعداد والتدريب، بما ينسجم مع التطوّرات الإقليميّة، ويعزّز أمن الأجواء
العراقيّة"!
مع هذا الواقع المتهالك نلاحظ أنّ صراع السياسيّين على الكراسي يَطغى على بناء العراق! وعليه: ما مصير الوطن والسيادة والناس أمام هذه القدرات المتقدّمة، وكيف نؤمّنهم من مُخطّطات الغرباء والمتربّصين؟!
فأين كانت الحكومة من تطوير قُدرات
الدفاع الجوّيّ قبل هذه المرحلة الخطيرة والحسّاسة، وبالذات ونحن بموجب موقعنا
الجغرافيّ صرنا وسط مخاطر حقيقيّة وأمواج صاروخيّة متلاطمة؟! ولماذا لا تعترف
الحكومة بعجزها وفشلها بمهمّة حماية العراق وسيادته وشعبه؟
والمدهش
أنّ نوري المالكي، وحينما كان نائبا لرئيس الجمهوريّة، أكّد يوم 31 أيّار/ مايو 2015
أنّ "جميع السياسيّين وعلى رأسهم أنا فشلوا فشلا ذريعا، ويجب عدم إعطائهم أيّ
دور بالعمليّة السياسيّة"! ولكنّه اليوم أشدّ المتمسّكين برئاسة الحكومة
المقبلة، وَيُقال بأنّه "قد يتراجع غدا السبت"!
إنّ
الحكومات الحكيمة الناجحة تُحصّن قدراتها وفقا للمخاطر المتوقّعة والتطوّرات
العسكريّة والعلميّة، ولا تنتظر وقوع الكارثة ثمّ تُطالب بتحديث القدرات الدفاعيّة،
وهذا دليل على قصورها في مواكبة التطوّرات العلميّة والفنّيّة العسكريّة، وبالمحصّلة
تكون الدولة عُرضة لضربات الغرباء!
واللافت
أنّنا، ومع هذه المخاطر المهلكة والتكنولوجيا الهائلة، ما زلنا نعتمد على سياسة
ردود الفعل الآنيّة والأسلحة التقليديّة المستوردة، مع انعدام القدرات التصنيعيّة
الوطنيّة! وخصوصا وأنّ أغلب النزاعات الراهنة والمستقبليّة تَعتمد على الحروب
الذكيّة والسيبرانيّة والتكنلوجيّا المتقدّمة، والذكاء الاصطناعيّ، والأنظمة
القتاليّة ذاتيّة القرار (روبوتات)، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة،
والأسلحة فرط صوتيّة وغيرها من أدوات الرُّعب والربكة للخصوم، وجميع هذه الأسلحة
الفتّاكة والمتطوّرة تتطلّب قُدرات دفاعيّة هائلة لمواجهتها وحماية الوطن والناس!
ومع هذا الواقع المتهالك نلاحظ أنّ صراع
السياسيّين على الكراسي يَطغى على بناء العراق! وعليه: ما مصير الوطن والسيادة
والناس أمام هذه القدرات المتقدّمة، وكيف نؤمّنهم من مُخطّطات الغرباء والمتربّصين؟!
x.com/dr_jasemj67
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.