لم
يُطرح اسم رئيس
الحكومة العراقيّة الجديد علي الزيدي نهائيّا في أيّ اجتماعات
سابقة للإطار التنسيقيّ الشيعيّ الحاكم، وبعدها، وبلا مقدّمات، رُشّح الزيدي
لرئاسة الحكومة.
ويبدو
أنّ اختيار الزيدي، والتصويت الجزئيّ على حكومته الخميس، جاء نتيجة أنّ أوضاع
العراق اليوم تشبه تقريبا مرحلة ما قبل العام 2003، حيث كانت الغاية من اجتماعات المعارضة
العراقيّة مع واشنطن لترتيب مرحلة خالية من "التفرّد بالحكم ومليئة
بالديمقراطيّة وحقوق الإنسان"، واليوم، بعد 23 عاما، يُراد من حكومة الزيدي،
وفقا للبيت الأبيض، أن تكون حكومته "خالية من الإرهاب، وقادرة على بناء
مستقبل مشرق للعراق".
وأكّد
الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، الذي هاتف الزيدي بعد تكليفه بتشكيل الحكومة، أنّ "هذه
بداية فصل جديد بين العراق والولايات المتحدة يَزْخُر بالازدهار والاستقرار"!
وتداولت بعض الوكالات المحلّيّة تسريبات
عن المكالمة بين ترامب والزيدي يوم 30 نيسان/ أبريل 2026، التي وُصِفَت بـ"القنبلة
السياسيّة"، والتي ضَرَبت الإطار الشيعيّ بالصميم، وبالذات مع إصرار الإدارة
الأمريكيّة على "تفكيك الحشد الشعبيّ، والخروج من العباءة الإيرانيّة"، وهذه
الشروط الأمريكيّة قادت لانسحاب فريق التيار الصدريّ التنسيقي وآخرين بشكل مفاجئ
من الاجتماعات التفاوضيّة للإطار!
اختيار
رجال الجيل الأوّل من الإطار الشيعيّ للزيدي قد يَنْتهي بضربهم، وذلك بعد أن رفضت
واشنطن القبول بأيّ شخصيّة لرئاسة الوزارة من الفصائل والإطار!
وللمرّة
المليون نتساءل: أين السيادة مع التحكُّم الأمريكيّ، وكذلك حديث صحيفة "وول
ستريت جورنال" الأمريكيّة الاثنين الماضي، عن معسكر "إسرائيليّ" في
صحراء النجف خلال المعارك الأخيرة مع إيران، وتغليس حكومة محمد شياع السوداني السابقة
عن هذه القضيّة السياديّة؟
مهمّة
الزيدي دفعته للقاء رؤساء الأحزاب والكيانات الفاعلة، وكانت زيارته لأربيل من
المحطّات المفصليّة لضمان تأييد الكرد، وَحَلْحَلة القضايا العالقة ومنها معضلة
رواتب الموظفين وغيرها! والغريب
أنّ زيارة الزيدي لأربيل كانت برفقة وفد كبير من الإطار، وأبرزهم رئيس الحشد فالح
الفياض، وهذه النقطة قد تُثير واشنطن، وربّما ستُرسل رسائل داخليّة وخارجيّة بأنّ
الزيدي لن يضرب الفصائل المسلّحة!
أما
المطبات التي تعترض طريق الزيدي فهي مطبات سياسيّة وأمنيّة وقانونيّة ومجتمعيّة
واقتصاديّة، وأهمّها:
-
مطب المليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، وكيف سيتخلّص من عباءة مَنْ رشّحوه ويطبّق
عليهم قانون حصر السلاح، وهل ستكون الفصائل القشّة التي ستقصم ظهر حكومة الزيدي
كما حصل مع حكومة السوداني السابقة التي أجهضتها الفصائل؟ ثمّ كيف سيتّفق الدعم
الأمريكيّ للزيدي مع منهاجه الحكوميّ الغريب الذي قدّمه نهاية الأسبوع الماضي
لرئيس مجلس النوّاب هيبت الحلبوسي لدراسته وتقييمه؟
وقد
ورد في المحور الأوّل المتعلّق بتعزيز سيادة الدولة والأمن وتحديدا الفقرة (3):
"تطوير إمكانات الحشد الشعبيّ بما يُعزّز قدراته القتاليّة وتحديد دوره في
المنظومة العسكريّة والأمنيّة"!
- مُعضلة التوافق السياسيّ، وترضية القوى غير المشاركة في الحكومة،
وأبرزها التيّار الصدري، وهل سينجح الزيدي في حَسْمها وإنهاء سياسة فوضى الإدارة؟ وهل
سيُعاد هندسة بناء الدولة لبناء دولة خالية من المجرمين والفاسدين والخارجين على
القانون؟
-
وهل سيسعى لتعديل الفقرات العجيبة من الدستور، ومنها أنّ رئيس الحكومة يتسنّم منصب
القائد العامّ للقوّات المسلّحة التي يفترض قيادتها من قبل ضبّاط حقيقيّين؟!
-
وهل سيتمكّن الزيدي من إعادة العراق لمحيطه العربيّ، ومعالجة ملفّات المهجّرين،
وأحكام الإعدام المحاطة بالشبهات، ومعالجة الهدر الماليّ، والتوظيف العشوائيّ، والخدمات
السقيمة وغيرها!
- وهل سيكون الزيدي، رجل الأعمال المليونير، حصان طروادة بالنسبة
للعراقيّين، وهل سينجح في تجاوز المطبّات الضخمة التي تنتظره؟
مهمّة الزيدي خطيرة، وأكبر من قُدراته وربّما وُرِّط الرجل في رئاسة الحكومة، وقد لا تَستمرّ حكومته لعام واحد، وبالذات إن لم يُناصره الجيل الأوّل من الإطار التنسيقيّ الحاكم والتيار الصدريّ
وأخيرا،
كيف سيتعامل الزيدي مع دعوة مقتدى الصدر، يوم 8 أيّار/ مايو 2026، التي حدّدها بستّة
شروط أمام الزيدي لنيل "رضا الشعب"، والذي يقصد به جماهير تيّاره، وأبرزها
تحويل الفصائل المسلّحة إلى "تشكيلات تحت سلطة الدولة"، واستبعاد أيّ
جهة تَملك "جناحا مسلّحا من التشكيلة الحكوميّة"، وحدّد الصدر مهلة
"أقصاها 90 يوما للقضاء على الفساد"! فهل
سيرضي الزيدي واشنطن، أمّ الصدر؟
ورغم
هذه الأمنيات الخالصة يبدو أنّ المقدّمات الظاهرة تَدلّ على النتائج المتوقّعة، والتي
تؤشّر إلى عدم قدرة الزيدي على مُواجهة الذين أوصلوه لهذا المنصب الكبير والعملاق!
وقد
ذكرت في
مقالي السابق بصحيفة "
عربي21" الغرّاء أنّ قادة الإطار الشيعيّ
ربّما "أخذوا على الزيدي تعهّدات مكتوبة بألّا يَخرج عن خطوطهم
العريضة"! وبعد المقال بيومين بدأ الحديث عن تَعهّدات أُخِذَت من الزيدي،
وأبرزها جعل الإطار مرجعيّته قبل اتّخاذ أيّ قرار، وعدم تشكيل أيّ حزب سياسيّ،
وعدم المشاركة في الانتخابات القادمة!
وبهذا
أرى أنّ الزيدي مُجرّد
واجهة سياسيّة أمام العالم، والإدارة الحقيقيّة بيد الإطار، وبدليل أنّ برنامجه
الحكوميّ المليء بالألغاز والمطبّات يَخْتَلف عن شَكْل حكومته، وكأنّه يلعب بالبيضة
والحجر بين واشنطن والإطار التنسيقيّ، والأيّام مرآة ما نَجهله اليوم.
مهمّة الزيدي خطيرة، وأكبر من قُدراته وربّما
وُرِّط الرجل في رئاسة الحكومة، وقد لا تَستمرّ حكومته لعام واحد، وبالذات إن لم يُناصره
الجيل الأوّل من الإطار التنسيقيّ الحاكم والتيار الصدريّ!
x.com/dr_jasemj67
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.