في الحاجة إلى المصالحة مع مفهوم الدولة

امحمد مالكي
"من الخطأ القاتل النظر إلى فكرة الدولة، والتفاعل معها بمنطق التماهي أو المماثلة مع الحكومة"- CC0
"من الخطأ القاتل النظر إلى فكرة الدولة، والتفاعل معها بمنطق التماهي أو المماثلة مع الحكومة"- CC0
شارك الخبر
مَن منا لا يتذكرُ الدولة، ويلمسُ جدواها، ويتلقى تأثيرَها في حياته كل يوم، فهي بيت الجميع، ومؤسسةُ المؤسسات، ومُربيةُ المربين. ومع ذلك، ظلت الدولة مفهوما عصيا على التمثل، ملتبسا على الفهم، بعيدا عن القبول الطوعي والإرادي. فكثير منا يستعديها على خلفية الشعور بخيبة الأمل في سياساتها، أو يرفضها بسبب ترجيحه الولاء لقبيلته، أو عشيرته، أو عائلته على ولائه لها، وبعضنا لا يعترف بها واقعا سياسيا ومدنيا، وينحاز إلى غيرها من الوسائط والتنظيمات. لذلك، بقيت الدولة في مجالنا السياسي العربي، وإن بدرجات مختلفة، كائنا متغربا، غير مندمج في الأطر الاجتماعية والثقافية الناظمة لوعينا العام.

سمحت لي مدرسةُ الحياة وتجربةُ أكثر من أربعة عقود من الممارسة في حقل التعليم الجامعي أن ألمس هذا الشعور في سلوكيات أبناء بلدي وردود أفعالهم، وإن كان المغرب الأقصى من البلدان العربية القليلة التي ترسخت الدولة في نسيجها المجتمعي، واكتمل واستقام عودُها، فهي اليوم تجر خلفها أكثر من ثلاثة عشر قرنا من التراكم والخبرة.. ومع ذلك، أجد على الدوام صعوبة في حواراتي العلمية مع الطلاب، بغية إقناعهم بضرورة التمييز بين الدولة، باعتبارها إطارا للعيش المشترك، وبين الحكومة، أو ما يقترب منها من المؤسسات، بحسبها جهازا مؤقتا لصياغة السياسات العمومية وتدبير الشؤون اليومية للناس.

يتطلب الانتقال من الولاءات الأولية إلى الدولة، إعادة صياغة وعينا الجمعي بشكل تتنزل الدولة في معماريته المنزلة المفصلية التي لا تعلو أو تسمو عليها مصادر أخرى من الولاء، مهما كانت قيمتها التاريخية والاجتماعية والثقافية

وحيث إن السياسة فعل بشري عاقِل، موسوم بالصواب والخطأ، والتقطع وعدم الانتظام، فإن الدولة، خلافا لذلك، تتميز عن الحكومة، أو عن سواها من الهيئات، بالديمومة، والاستمرارية، والميل إلى الخلود. لذلك، سيكون من الخطأ القاتل النظر إلى فكرة الدولة، والتفاعل معها بمنطق التماهي أو المماثلة مع الحكومة، أو مع غيرها من المؤسسات. إن التمييز بين الدولة وعيرها من الأجهزة المندرجة في إطارها، أو المُعضدة لعملها، أمر في غاية الأهمية، لفهم مضمون الدولة وتمثلها من جهة، ولترشيد الفعل السياسي والمدني من جهة أخرى. فحين يصبح هذا التمييز منغرسا في وعينا الجمعي، ومنبثا في ثقافتنا السياسية، نستطيع ترتيب ولاءاتنا بشكل عقلاني وسليم، حيث تنتصب الدولة في المقام الأول، وتتصدر غيرها من الوسائط، وهي كثيرة في منطقتنا العربية. بيد أن عملية من هذه الطبيعة والحجم تحتاج إلى مجهود فكري وثقافي كبير، كما تستلزم إرادة سياسية قوية من طرف النخب المتنفذة في الحياة السياسية لبلداننا.

يتطلب الانتقال من الولاءات الأولية إلى الدولة، إعادة صياغة وعينا الجمعي بشكل تتنزل الدولة في معماريته المنزلة المفصلية التي لا تعلو أو تسمو عليها مصادر أخرى من الولاء، مهما كانت قيمتها التاريخية والاجتماعية والثقافية. فبغية إدراك مثل هذا المقصد الاستراتيجي، يقتضي الأمر النظر في المصادر التي أعاقت تفكيرنا في الدولة، وحالت دون صيرورتها أولوية الأولويات، وبيتا مشتركا للجميع يتعايش الناس ويتنافسون في كنفه، من دون الوصول إلى حدﱢ تقويضه أو الضرر به. إنها مهمة العلماء والمفكرين وصناع القرار في التكاتف من أجل توفير شروط إنجاز هذا الانتقال الضروري واللازم لفتح أفق جديد للتطور في بلادنا العربية.

ثمة مستويان من الإعاقة لتفسير عسر انغراس فكرة الدولة في وعينا الجمعي؛ يتعلق الأول بالمسار التاريخي والثقافي لبلادنا العربية، حيث بقينا ردحا طويلا من الزمن منشدين إلى الرؤية القاضية بـ"اصطناعية" الدولة، وعدم استقلاليتها كمفهوم وفكرة، ومن ثم اعتبارها مجرد وسيلة وأداة لخدمة الوجدان الفردي، إما بخدمته إيجابيا فتكون دولة شرعية ومعقولة، أو بإفساده فتكون دولة غير شرعية وفاسدة.

هكذا، تحولت الدولة، بحسب هذه الرؤية، إلى مجرد وسيلة، ولم يكن في النتيجة ممكنا الحديث عن كيان مستقل اسمه الدولة، لأن المخاطَب في متن هذه النظرة هو الفرد ووجدانه وليس الدولة، فالأخلاق المطلوبة هنا أخلاق الفرد وليس أخلاق الدولة، الأمر الذي أسهم بشكل مركزي في ضعف، إن لم نقل انعدام، التفكير النظري والتأصيلي لفكرة الدولة. وقد بقينا على هذا الحال إلى أن أيقظنا الاستعمار من سباتنا لنتساءل عن الدولة القوية القادرة على تحريرنا من قبضته، والحال أن الدولة كانت الفريضة الغائبة.

فهكذا، وبعد خضوع عموم البلاد العربية للاحتلال، وإن بدرجات متفاوتة من حيث المدة الزمنية وعمق التأثير، وحصولها على الاستقلال بشكل متتابع ما بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، واستردادها لسياداتها الوطنية، تعالت نغمة إعادة بناء الدولة على امتداد المنطقة العربية. وقد علقت الشعوب آمالا جمة على خطابات النخب القائدة، وراهنت على وعودها في فتح سجل جديد في مضمار التحديث والتقدم. غير أن محصلة ما يفوق نصف القرن على استعادة السيادة، لم يُقنِع فئة وشرائح واسعة من المجتمعات العربية بحصول قدر معقول وملموس من الوعود التي تم الالتزام بها،
الأمر لا يتعلق بالدولة كمفهوم وفكرة، بقدر ما يرتبط بسياسات الحكومات وخياراتها؛ التي تعتبر أولا، وقبل كل شيء، أعمالا بشرية موسومة بالنسبية، وقابلة للنقد والاعتراض
مما ولد ما يمكن تسميته "خيبة الأمل الوطنية" (Désenchantement National) لدى عموم الناس، وأعاد ترسيخ ضعف الدولة وعدم فعاليتها في حياتهم. والحال أن الأمر لا يتعلق بالدولة كمفهوم وفكرة، بقدر ما يرتبط بسياسات الحكومات وخياراتها؛ التي تعتبر أولا، وقبل كل شيء، أعمالا بشرية موسومة بالنسبية، وقابلة للنقد والاعتراض.

نعتبر مصادر الإعاقة أعلاه قابلة للتجاوز بالتدريج والمراكمة الفعلية، إذا توفرت سلسلة من الشروط المساعدة والميسرة لها، وفي مقدمتها حصول مصالحة مزدوِجة: مصالحة المجتمع (أفرادا وجماعات) مع الدولة على أنها بيت للجميع، ومصالحة الدولة مع المجتمع باعتباره محور الدولة وقطب رحاها.

بيد أن المصالحة، وإن بدت لفظا وكلمة بسيطة، فإنها تنطوي على عناصر التعقيد والممانعة، في صدارة ذلك أنها سيرورة متدرجة في الزمن، لها صلة مباشرة وحميمة بالذهنيات والثقافات والرمزيات، وهي في مجملها من الأمور التي تتطلب الصبر والتسامح وتحمل العناء. ثم إنها تشترط أول ما يشترط قبول الاختلاف، وإجادة تدبيره بالحوار، والتنازل المشترك، وقبول التسويات المُرضية للأطراف المتشابكة في عملية المصالحة، وهو ما نراه محدودا في فضائنا السياسي العربي، غير أن ذلك لا يمنع من الشروع في بنائه، فكما قال الصينيون القدامى "رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة"، وهم يجنون ثماره قولهم اليوم، فهل العرب أقل منهم تفكيرا وعقلا وإعقالا؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)