ستحل في الثامن عشر من شهر نيسان/ أبريل المقبل ذكرى وفاة شيخ المؤرخين العرب
الراحل
قسطنطين زريق (1909-2000م)، والرجل وإن رحل عن دار الدنيا قبل ربع قرن من
الزمن، فقد ترك رصيدا مهما من الإنتاج
الفكري والعلمي، رفع اسمه عاليا في سجل
البحث التاريخي العربي، الموسوم بالدقة والموضوعية والعقلانية وبُعد النظر. وبما
أن للذكرى شجونا، فقد سنحت لي الفرصة بالتعرف عليه محاضرا في مؤسسة عبد الحميد
شومان في العاصمة الأردنية عمان في خريف 1995، بعدما كنت قد تعرفت عليه فكريا عبر
كتاباته منذ سنوات، بل إن بعض مؤلفاته، مثل "نحن والتاريخ"، و"مطالب
المستقبل العربي"، و"في معركة الحضارة"، و"معنى النكبة"،
و"معنى النكبة مجددا"، كانت قد فتحت أعين أبناء جيلي، ممن ولدوا مع
فوران الاستقلال الوطني، على دقة التحديات التي تنتصب أمامهم في اكتساب ناصية
التقدم، والحداثة والحرية.. فكانت حقا زادا معرفيا أنار لنا عتمة السبيل إلى فهم
مظان العطل في ذاتنا الجماعية، وأرشدنا إلى مصادر الاستفاقة والتجاوز.
فخلال الاستماع للمحاضرة المشار إليها أعلاه، وكانت حول البحث
العلمي في
الجامعات العربية، وجدت الرجلَ، وقد تجاوز الخمس والثمانين سنة من عمره، واضحَ
التفكير كعادته، بليغَ التعبير والتواصل، مُفحِما في الإقناع، منفتحا على
المستقبل، جريئا في نقد الذات، متواضعا تواضع العلماء، شديدَ التأكيد على قيمة
الحرية في تنمية البحث وتكريس مكانة العقل. وكما كان أنيقا في علمه، كان أكثر
أناقة في مظهره وخُلُقه.. إنه المؤرخ الذي اكتملت في شخصه مقومات الرفعة والتألق.
المستقبل لا يُصنع بالرغبة، على أهميتها، بل بالعقل الذي يرسم الخطط، ويضع الاستراتيجيات، ويوجه الجميع نحو الوجهة السليمة والمُنتِجة
يستوجب استحضار ذكرى الراحل قسطنطين زريق الإشارة إلى الإشكاليات التي ميزت
فكره، وجعلت منه حقا مرجعا أساسيا في فهم الواقع العربي، وسبل استنهاضه، وهي فيما
نظن ما زالت إشكاليات حاضرة فينا بكل ثقلها السياسي والحضاري. فمن أولى هذه
الإشكاليات الفكرية، انشغاله بالمستقبل إلى حد القلق، وقد تضاعف هذا الشعور لديه،
وهو يرى التخلف يتعمق ويستشري في الجسم العربي، والاستيطان الصهيوني يتمدد دونما
توقف، والأمة تبتعد كثيرا عن الدنو من الركب الحضاري الإنساني. لذلك، كان رأيه في
أن "مستقبلنا رهين بقدر ما نستجمع من قدرتنا الذاتية"، التي "لا
تتحقق على النحو المرجو إلا إذا كانت قومية النطاق، كي تأخذ مفهومها الصحيح في
البناء، وتؤدي غرضها المتوخى في التحرير والتنمية والإبداع..".
بيد أن المستقبل لا يُصنع بالرغبة، على أهميتها، بل بالعقل الذي يرسم
الخطط، ويضع الاستراتيجيات، ويوجه الجميع نحو الوجهة السليمة والمُنتِجة. ويمكن
القول، دون تردد، إن إشكالية العقل ظلت حاضرة على امتداد المسيرة العلمية لشيخ
المؤرخين العرب الراحل قسطنطين زريق. ففي إحدى مقاطع كتاباته، ربط بين ولوج
المستقبل عبر العقل بقوله: "السبيل هو قيام دولة العقل، لأن العقل هو في
جوهره كيان منتظم، يعرف إمكاناته وحدوده، ويضبط نوازعه، ويحكم سبله وأساليبه،
ويسبغ قدراته على الأفراد والمؤسسات والمجتمعات التي تهتدي بهديه، وتستمد سلطتها
من سلطته..".
والحقيقة أن العقل حاضر في كل كتاباته، فمنهجه مطبوع بالعقل ودعوة مزمنة
إلى العقلانية، لذلك اعتمد على الدوام المنهج الاستدلالي الديكارتي في مقارباته
للإشكاليات التي شغلته عدة عقود. ومن هنا ظل السؤال الأساس لديه هو "كيف
يمكننا أن نقلب المجتمع العربي جذريا وبشكل ناجع وفعال، من مجتمع انفعالي توهمي
ميثولوجي شعري إلى مجتمع فعلي تحقيقي عقلاني علمي؟ كيف يمكننا أن نحدث فيه الثورة
التي تضمن له السلامة والقدرة والكرامة في العالم الحديث؟". بيد أن العقل
يحتاج إلى بيئة تحتضِنه، وتصونه، وترعى كرامته، والحال أنها أولا وقبل كل شيء لن
تكون سوى الحرية بمعناها الشامل. لذلك، مثلت الحرية إشكالية مركزية في تفكير زريق
وكتاباته، فالحرية لا تعيد للعقل اعتباره ومكانته فحسب، بل تسمح بالاجتهاد في رؤية
المستقبل ورسم معالمه، واجتراح الوسائل الكفيلة بالولوج إليه.
تتكامل مع الإشكاليات الثلاث أعلاه جملة من القضايا الفكرية التي حظيت
بدورها بمكانة مميزة في السجل الفكري لقسطنطين زريق، من قبيل العلمانية، والوحدة،
والديمقراطية، والمعرفة والعلم، وهي كل واحد، وإن توزعت إجرائيا على ثنايا مؤلفاته
الكثيرة والمتنوعة. فهكذا، شدد على أهمية تأسيس الدولة التواقة إلى ولوج المستقبل،
على أساس العلمانية، أي استبعاد الطائفية أسلوبا في الحكم والتشريع، واستبعاد
الروح الطائفية من الدخول إلى مضامين المؤسسات المجتمعية العامة والخاصة.
شدد على أهمية تأسيس الدولة التواقة إلى ولوج المستقبل، على أساس العلمانية، أي استبعاد الطائفية أسلوبا في الحكم والتشريع، واستبعاد الروح الطائفية من الدخول إلى مضامين المؤسسات المجتمعية العامة والخاصة
وفي باب الديمقراطية، لم يتردد في نقد المجال السياسي العربي الموسوم بنقص
الديمقراطية، وانتشار الجور والفساد وحكم الغلبة، وهيمنة الروح القبلية والزبائنية
على مقاييس الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص. أما الوحدة العربية، فقد رأى أنها "ضرورة
للعرب من أجل توسيع الآفاق والأسواق، ومن أجل الإفادة من التنوعات البشرية
والمواردية..". بيد أنه يرى في الشكل الاتحادي إمكانية ملائمة للعرب، شريطة
أن يقتصر على أمور السياسة والاقتصاد والدفاع.
وتبقى الإشارة إلى أن لزريق علاقة خاصة مع الدفاع عن المعرفة والعلم في
استنهاض الواقع العربي وإسعافه في ولوج المستقبل. فحتى قبل أن يصبح لـ"براديغم"
المعرفة هذه الهالة التي جعلته مبتدأ ومنتهى التنمية، أي تحديدا مع مستهل العشرية
الأخيرة من القرن الماضي، نبه إلى خطورة عدم الأخذ بناصية العلم والمعرفة في
استدامة واقع التأخر في البلاد العربية وتوسيع دائرة تأثيراته السلبية.
ففي الخلاصة، نحن أمام مفكر تنطبق عليه بحق مقولة عالم الاجتماع الفرنسي
جاك بيرك الذي أحب الإسلام والمسلمين وقضى سنوات من عمره في ترجمة القرآن الكريم،
القاضية بأن "قيمة الإنسان لا تكمن فيما فعل، ولكن فيما ترك ليُفعل".
فزريق فعل الكثير، وأفاض واستفاض بغزارة إنتاجه، وفي الوقت ذاته ترك الكثير مما
سيُفعل.. ومن الكلمات التي شدتني إليه، وهو يتحدث عن الأمل والمستقبل، قوله في
إحدى الحوارات: "بصفتي معلما، وجهت نصائح كثيرة إلى طلابي وإلى أبناء جيلي
الحاضر وإلى الجيل القادم. ولعلي قد غلوت في هذا.. وإنما أجمل نصائحي لأبناء
الأجيال القادمة بأن يبذلوا جهدهم ليكونوا مخلصين للنضال المطلوب، وليكونوا مستعدين
لدفع ثمنه مهما يرتفع وينقص.. فليتأهلوا، وليقاضوا أنفسهم في كل برهة وفي كل مجال،
وبكل يقظة وصرامة، ليكونوا فعلا من أبناء هذا العصر ومن الأمة التي ينتسبون إليها،
وليستحقوا هم وأمتهم نعمة الحياة وعزة التاريخ..".