هل يُفقد التمويل الخارجي المجتمع المدني استقلاليته؟

امحمد مالكي
"التمويل شهد تبدلا في الأشكال والوسائل"- الأناضول
"التمويل شهد تبدلا في الأشكال والوسائل"- الأناضول
شارك الخبر
تعتبر الاستقلالية شرطا لا مندوحة عنه لانبثاق المجتمع المدني واستمراره، ومن دونها يصعب الحديث عن المجتمع المدني بالمعنى المتداول منذ عقود في الأوطان الأصلية لميلاده. والحقيقة أن الاستقلال إزاء الدولة والسلطة، وحيال غيرهما من الجهات والدوائر، بما فيها المصادر الأجنبية، تقوي حركة المجتمع المدني، وتسمح لها بالتحول التدريجي إلى قوة اقتراحية فاعلة ومؤثرة في بناء السياسات العامة، والمشاركة في استراتيجياتها التنفيذية.

والحال أن الاستقلالية المقصودة في هذا المقام، تتعلق بدرجة أساسية بالشق المالي، نظرا إلى ثقل ضغطه وتحكمه في المفاصل الأخرى من حركية المجتمع المدني ومناشطه. وحيث إن الاستقلالية المالية تيسر لقطاعات المجتمع المدني ظروف التفكير والاجتهاد في بناء الاستراتيجيات وصياغة البرامج، وتوفر لأعضائه مناخ تطبيقها بسلاسة ويسر وعقلانية، فإنها تشكل عُقدة تحليل واقع المجتمع المدني العربي والتفكير في إمكانيات تطوره لما هو أفضل في المستقبل. غير أنه قبل ذلك كله، يجدر التأكيد بأن ثمة عائقين بنيويين يحولان دون تحقق الاستقلالية الكاملة للمجتمع المدني في البلاد العربية؛ فمن جهة، تتميز النظم السياسية العربية في عمومها بقدرتها العالية على اختراق نسيج المجتمع المدني وإلحاقه بسلطتها عبر بوابة التمويل، ومنافذه وأساليبه المتنوعة، ولكونها تحتكر القدرة التوزيعية المادية والرمزية، جهدت الدول العربية في مراقبة المجتمعات المدنية، وإبقائها مرتهنة بما تقدم لها من مساعدات ومعونات مالية.

اتساع دائرة التمويل الخارجي، وامتدادها إلى مجمل مفاصل المجتمع المدني المصري، ونفاذها إلى تفاصيل وجزئيات حياته الداخلية، أسهم بدور مركزي في إفساده وإفساد المشتغلين في قطاعاته ومؤسساته، ونظن أن مع غياب قوانين زجرية صارمة في مجال شفافية التمويل، وآليات مراقبة صرف مقدراته، تعمقت نزعة الفساد والإفساد

ثم إن المنظمات الدولية والمصالح الممثلة للدول في البلاد العربية (المراكز والمعاهد الثقافية واللغوية، والسفارات) نحت المنحى نفسه بخصوص اختراق المجتمع المدني واستمالته من خلال آلية التمويل، إما ليكون جزءا من أجندتها، أي مندرجا ضمن أولوياتها وبرامجها، أو بغية التأثير عليه والدفع به إلى الانحياز لمواقف دون الآخر، ودعم المواقف الموالية لمصالحها في البلد المعني. وفي هذا الصدد يمكننا التدليل على هذا الواقع مما يوجه من ملاحظات ونقد واعتراض على ممارسات حركات المجتمع المدني وقطاعاته في مجمل البلاد العربية، بدرجة أساسية في المشرق العربي، وبمستوى أقل نسبيا في بلاد المغرب. فلو أخذنا الواقع المصري، على سبيل المثال، نلاحظ أن ثمة نقاشا متزايدا وحادا في بعض الأحيان حول ظاهرة التمويل الخارجي لأنشطة جمعيات المجتمع المدني ومؤسساته، إذ هناك من يعمل لمصلحة دول أجنبية غربية في الغالب، بل ذهبت بعض التحليلات إلى أن هناك من يعمل لمصلحة إسرائيل تحت مسميات مختلفة.

والواقع أن التمويل شهد بدوره تبدلا في الأشكال والوسائل، حيث إضافة إلى صورته التقليدية، أي تقديم عمولة مقابل عمل شيء أو خدمة، شمل التمويل أشكالا أخرى جديدة، مثل دعم المراكز البحثية، والصحف والإعلام، والجمعيات ذات الصلة بالموضوعات المندرجة ضمن أولويات مصادر التمويل الخارجي، من قبيل قضية المرأة والنوع، والأقليات الإثنية والمذهبية، واللغات الفرعية، وتنقيح القوانين ذات المرجعية الإسلامية.

تجدر الإشارة إلى أن اتساع دائرة التمويل الخارجي، وامتدادها إلى مجمل مفاصل المجتمع المدني المصري، ونفاذها إلى تفاصيل وجزئيات حياته الداخلية، أسهم بدور مركزي في إفساده وإفساد المشتغلين في قطاعاته ومؤسساته، ونظن أن مع غياب قوانين زجرية صارمة في مجال شفافية التمويل، وآليات مراقبة صرف مقدراته، تعمقت نزعة الفساد والإفساد. ونعتبر، في هذه النقطة بالذات، أن للدولة نصيبا ودورا في مآل المجتمع المدني نحو الفساد. لذلك، لم تتردد العديد من الجمعيات في القول جهرا إن من حقها الاستفادة من التمويل الخارجي، ما دامت الدولة تستفيد منذ سنوات من المعونات والمساعدات الخارجية.

يصعب طبعا قبول المقارنة أعلاه بين الدولة وجمعيات المجتمع المدني، لتبرير فتح الباب دون رقابة أمام الاستفادة من التمويل الخارجي. فالدولة مؤسسة المؤسسات، والوعاء السياسي الذي ينظُم حياة الناس ويؤطر نشاطاتهم، وهي بحكم الدستور والقوانين ذات الصلة، المؤهلة بممارسة وظيفة الضبط والمراقبة والتنظيم، وفي أولويات ذلك التمويلات الوافدة من الخارج، وفحص مدى شرعية    صرفها واستثمارها في القضايا غير المنافية أو المضرة بالأمن الداخلي والقومي للبلاد العربية.

التمويل الخارجي لا يقدمه مانحوه على طبق من ذهب، أو يهبونه حبا في الجهات المستهدفة، بل يعد أولا وأخيرا مندرجا ضمن استراتيجيات وبرامج وخطط، وفي أفق تحقيق مصالح

ثم إن الموضوعية، تستلزم النظر إلى خطورة التمويل الخارجي في مسؤولية المسؤولين عنها. وفي هذا الصدد، يمكننا القول بأن أعضاء المجتمع المدني، وقياداته على وجه التخصيص، تحتاج في عمومها إلى قدر كبير من التنشئة السياسية التي تجنبها آفة الإغراء والاختراق، والانزلاق نحو مسارب الفساد المالي ومجالاته، وهو ما يستدعي، إضافة إلى القوة الزجرية للقانون، ميثاق شرف تلتزم به كل مكونات المجتمع المدني، وتعتمده مرجعية محددة لنشاطها وسلوك أفرادها. فمن باب المقارنة العمودية، تعلمنا تجارب المجتمع المدني الناجحة والمتأصلة في أكثر من بلد في العالم، كيف ارتقت في وعيها الجماعي إلى تمثل وظيفتها التعبوية والاقتراحية، وابتعدت عن مظان الشك والتشكيك في صدقيتها واستقامتها، وكيف تحولت في النتيجة، إلى قوة فاعلة ومؤثرة في السياسات العليا للدول التي تنتمي إليها، أي أوطانها الأصلية.

التمويل الخارجي لا يقدمه مانحوه على طبق من ذهب، أو يهبونه حبا في الجهات المستهدفة، بل يعد أولا وأخيرا مندرجا ضمن استراتيجيات وبرامج وخطط، وفي أفق تحقيق مصالح. ومن هنا على الجهات المستفيدة منه، أي المجتمع المدني العربي، أن يحدد مصالحه، ويحسن استثمار التمويل وصرفه بشفافية وفعالية، والأكثر يقدم الحساب عنه لأعضائه ولمؤسسات الدولة ذات الصلة بالرقابة والتدقيق.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)