الشرق الأوسط تحت المجهر: "الثالوث الحيوي" ومشروع الهيمنة الأمريكي الإسرائيلي

ماجدة رفاعة
"صراع على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط"- جيتي
"صراع على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط"- جيتي
شارك الخبر
لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة صراع محلية أو توتر حول برنامج نووي؛ بل أصبح هدفا استراتيجيا لمشروع أوسع تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بالشراكة مع إسرائيل، لإعادة رسم خريطة المنطقة بأكملها بما يضمن السيطرة الكاملة عليها.

قد تكون إيران رأس الحربة في هذا الصراع، لكنها ليست الهدف الوحيد، فالحقيقة أن هذا العدوان يستهدف الشرق الأوسط بكل مكوناته: الدول العربية، وتركيا، وإيران، في محاولة لفرض نفوذ كامل على مصادر الطاقة، وخطوط الإمداد، ومراكز النفوذ الإقليمي. إن السيطرة على المنطقة تعني امتلاك ورقة القوة الأهم في العالم، بما يمنح القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك مراكز قوة كبرى مثل الصين.

أما إسرائيل، فتنظر إلى إيران كتهديد وجودي، ليس فقط لوجودها العسكري، بل لأنها تحدّ من تفوقها في المنطقة ومن قدرتها على فرض نفوذ استراتيجي شامل، يسمح لها بتنفيذ مشروعها التوسعي في المنطقة من النيل إلى الفرات.

يقف هذا الثالوث الحيوي أمام لحظة تاريخية فارقة: إما أن يستمر كمساحة مفتوحة لإعادة الهندسة الجيوسياسية من قبل القوى الكبرى، أو أن تتشكل داخله إرادة إقليمية قادرة على إعادة تعريف موقعه في النظام الدولي كقوة دولية مؤثرة

بين مشروع الهيمنة الأمريكي/الإسرائيلي، ومشروع التحدي الإيراني لإعادة التوازن، تتحول المنطقة إلى ساحة صراع طويل الأمد، تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والسياسية. وهو صراع لا يقتصر على الأرض الإيرانية وحدها، بل يشمل كل دول المنطقة، حيث يسعى المعتدون إلى إعادة ترتيب النفوذ، وإعادة كتابة قواعد اللعبة الإقليمية لصالحهم.

بهذا المعنى، لا يمكن فهم الصراع الدائر بوصفه نزاعا حول التسلح أو النفوذ فحسب، بل باعتباره صراعا على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط: إعادة توزيع القوة، وإعادة تعريف مراكز التأثير، وخلق واقع جيوسياسي جديد يُدار من خلاله الإقليم بما يخدم مصالح القوى المهيمنة.

ولمواجهة ذلك، يقتضي الأمر إدراك طبيعة ما يمكن تسميته بـ"الثالوث الحيوي"، الذي يضم البلاد العربية وتركيا وإيران، بوصفه فضاء مترابطا تشكله محددات الجغرافيا، وتدعمه امتدادات التاريخ، وتؤطره الانتماءات الدينية المشتركة (إسلامية-مسيحية) ووشائج ثقافية وحضارية متداخلة. وعلى الرغم من التباينات السياسية والخلافات البينية بين مكونات هذا الثالوث، فإن درجة التشابك في المصالح الاستراتيجية تظل أعلى من عوامل التنافر، بما يعكس نمطا من الاعتماد المتبادل الذي لا يمكن تجاهله.

ضمن هذا السياق، تتقاطع التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه أطراف هذا الفضاء، بحيث يصعب عزل تأثير الأزمات في دولة واحدة عن بقية الأطراف، نظرا لطبيعة الترابط البنيوي بينها. وعليه، فإن استقرار أي طرف يظل مشروطا بدرجات متفاوتة باستقرار الأطراف الأخرى، ما يعزز فكرة "المصير المشترك" كإطار تحليلي لفهم ديناميات المنطقة.

إن إدراك هذه الحقيقة يفسر، في جانب منه، استمرار محاولات تفكيك هذا الثالوث عبر تغذية الانقسامات، وإدامة الصراعات البينية، ومنع تشكّل أي إطار إقليمي قادر على تحقيق قدر من الاستقلال الاستراتيجي. فبقاء المنطقة في حالة تشرذم ليس نتيجة عرضية، بل شرط أساسي لاستمرار الهيمنة عليها.

المحصلة، يقف هذا الثالوث الحيوي أمام لحظة تاريخية فارقة: إما أن يستمر كمساحة مفتوحة لإعادة الهندسة الجيوسياسية من قبل القوى الكبرى، أو أن تتشكل داخله إرادة إقليمية قادرة على إعادة تعريف موقعه في النظام الدولي كقوة دولية مؤثرة. وحتى ذلك الحين، ستظل شعوب المنطقة تدفع كلفة صراع لا ترسم حدوده من داخلها، بل يعاد رسمها من خارجها..


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)