مَن يقود مَن: المشروع أم الدولة؟.. قراءة في سلوك الإقليم

إيمان الجارحي
"الدولة التي تضبط مشروعها تستطيع أن تتحرك دون أن تُستنزف. أما الدولة التي لا تملك إطارا حاكما، فلا تبقى خارج الصراع، بل تدخل فيه من موقع لا تختاره"- جيتي
"الدولة التي تضبط مشروعها تستطيع أن تتحرك دون أن تُستنزف. أما الدولة التي لا تملك إطارا حاكما، فلا تبقى خارج الصراع، بل تدخل فيه من موقع لا تختاره"- جيتي
شارك الخبر
مقدمة

ليست المشكلة في الشرق الأوسط أن الدول ضعيفة، بل إن كثيرا منها لا يعرف لماذا يتحرك أصلا. في الإقليم، لا تتحدد حركة الدول بميزان القوة وحده، بل بوجود ما يحكم هذه الحركة: مشروع يحدد الاتجاه، أو غيابه بما يترك الدولة بلا مرجعية.

لهذا، لا يكون السؤال الحقيقي ماذا تفعل الدولة، بل: مَن يحكم مَن؟ هل الدولة هي التي تنتج مشروعها وتضبطه؟ أم أن المشروع هو الذي يعيد تشكيل الدولة ويحدد حدود حركتها؟ في سياق لم تكتمل فيه عملية تشكّل الدولة، حيث نشأت داخل بنية مفروضة وقابلة للاختراق، لا يعود هذا السؤال نظريا، بل يصبح مفتاحا لفهم كل ما يبدو متناقضا في سلوك الإقليم.

إيران: المشروع حين يسبق الدولة
في حالة إيران، لا تتحرك الدولة بوصفها فاعلا مستقلا، بل كأداة داخل مشروع سبقها وحدد وظيفتها

في حالة إيران، لا تتحرك الدولة بوصفها فاعلا مستقلا، بل كأداة داخل مشروع سبقها وحدد وظيفتها.

الثورة الإيرانية لم تُنشئ نظام حكم فقط، بل أسست تصورا حاكما للدولة نفسها.  في طرح آية الله روح الله الخميني في كتاب الحكومة الإسلامية (1970)، لا تكون الدولة غاية، بل وسيلة لتنفيذ مشروع ديني-سياسي يتجاوزها. هذا التحول انتقل من مستوى النظرية إلى البنية القانونية، حيث ينص الدستور على دور عابر للحدود يتجاوز الإطار الوطني. ولا يقتصر الأمر على النصوص، بل يظهر بوضوح في شكل الدولة نفسها. هناك مركز قرار يتموضع فوق المؤسسات التنفيذية، يملك سلطة حاسمة على الحكومة والبرلمان والمؤسسة العسكرية، إلى جانب جهاز موازٍ مثل الحرس الثوري الإيراني، الذي لم يُنشأ لحماية الدولة، بل لحماية الثورة، ويعمل بقدرات عسكرية واقتصادية وخارجية خارج البنية التقليدية.

هذا البناء ينعكس مباشرة في السلوك الخارجي، حيث لا تتحرك إيران عبر أدوات الدولة وحدها، بل عبر شبكة ممتدة من الفواعل، ما يجعل نفوذها يتشكل خارج الإطار الدولتي التقليدي. كما أن الاستعداد لتحمّل كلفة اقتصادية مرتفعة، دون تغيير جوهري في المسار، يعكس أن القرار لا يُبنى على مصلحة الدولة بمعناها الضيق، بل على استمرارية المشروع الذي يمنحها اتجاهها.

في هذا السياق، لا تُفهم إيران كدولة تسعى فقط إلى تأمين موقعها داخل النظام الإقليمي، بل كفاعل يعمل على إعادة تشكيله. الدولة هنا لا تقود المشروع.. بل تتحرك داخله.

إسرائيل: المشروع حين يُعاد تشكيله داخل الدولة

في حالة إسرائيل، لا يمكن إنكار أن المشروع كان سابقا على الدولة، لكنه لم يبقَ الحاكم المطلق بعد تشكّلها.

المشروع الصهيوني وفّر الإطار التأسيسي، لكنه تحوّل مع قيام الدولة إلى عنصر داخل منظومة مؤسسية قادرة على ضبطه وإعادة تعريفه. فالدولة هنا لم تُبنَ كامتداد مباشر للفكرة، بل كإطار يعيد صياغتها وفق ما تسمح به القدرة والواقع.

هذا يظهر في بنية اتخاذ القرار:

- مؤسسات أمنية وعسكرية تعمل ضمن تقدير كلفة.

- ارتباط وثيق بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا.

- قدرة على تعديل السلوك دون المساس بوجود الدولة.

في هذا السياق، لا تتحرك الدولة بدافع أيديولوجي صرف، بل ضمن معادلة تحكمها: الاستدامة، والقدرة، وتوازنات القوة. حتى في لحظات التصعيد، يظل هناك سقف واضح، لا يُسمح بتجاوزه إذا كان يهدد استقرار الدولة نفسها. وهذا ما يجعل الصراع، مهما بلغت حدته، خاضعا لإدارة، لا مفتوحا بلا حدود.

المشروع هنا لا يختفي، لكنه يفقد موقعه كمرجعية عليا، ويصبح جزءا من منظومة تُعيد تشكيله. ولهذا، لا تُفهم إسرائيل فقط كدولة تحمل مشروعا، بل كدولة نجحت في تحويل المشروع إلى أداة داخلها، لا قوة تتحكم بها.

الدولة العربية: حين يغيب المشروع وتبقى البنية

في نمط ثالث، لا يظهر صراع بين الدولة والمشروع، بل غيابه أصلا. الدولة هنا لا تتحرك داخل مشروع، ولا تضبطه، بل تعمل في فراغ مفاهيمي، حيث لا يوجد تصور حاكم يحدد الغاية أو الاتجاه. وهذا لا يعني غياب الدولة، بل يعني تحولها إلى جهاز يعمل وفق أولوية واحدة: البقاء.

الأدبيات تشير إلى أن الدولة في هذا السياق لا تُبنى حول وظيفة إنتاج السياسة، بل حول وظيفة الحفاظ على النظام، وهو ما ينعكس في توزيع غير متوازن للقدرة: تضخم في أدوات السيطرة، وضعف في إنتاج القرار الاستراتيجي.

السيادة لا تُنتزع دفعة واحدة، بل تُفرَّغ حين تتوقف الدولة عن إنتاج اتجاهها، وتكتفي بإدارة ما يُفرض عليها. ولهذا، لا يكون السؤال من يربح ومن يخسر، بل: من يملك القدرة على تحديد اتجاهاته واتخاذ قراراته قبل أن يُحدَّد له؟

وهذا النمط لا يعكس ضعفا مطلقا، بل بنية غير مكتملة، نشأت داخل سياق قابل للاختراق، وظلت مرتبطة بتوازنات خارجية تحدد حدود حركتها.

في هذا الإطار، القرار لا يُنتج من داخل الدولة، بل يُدار، والأولويات لا تُحدد استراتيجيا، بل تُفرض ظرفيا، والدولة لا تعرّف موقعها، بل يتم تعريفه لها.

وهنا تفقد الدولة قدرتها على إنتاج اتجاه، وتتحول إلى ساحة تتحرك فيها المشاريع لا فاعلا يحددها. كما أن غياب إطار قيمي حاكم لا يترك فراغا محايدا، بل يفتح المجال لإعادة توظيف الدولة داخل ترتيبات لا تصنعها. هنا، لا الدولة تحكم.. ولا المشروع موجود.

خاتمة

في النهاية، لا يُحسم موقع الدولة بميزان القوة وحده، بل بقدرتها على إنتاج "إطار قيمي" يحكم حركتها. الدولة التي يقودها مشروع تدخل الصراع من موقع تعرفه، حتى لو دفعت كلفة مرتفعة، والدولة التي تضبط مشروعها تستطيع أن تتحرك دون أن تُستنزف. أما الدولة التي لا تملك إطارا حاكما، فلا تبقى خارج الصراع، بل تدخل فيه من موقع لا تختاره.

هنا لا يكون فقدان السيادة نتيجة هزيمة، بل نتيجة عجز عن تعريف الدور. فالسيادة لا تُنتزع دفعة واحدة، بل تُفرَّغ حين تتوقف الدولة عن إنتاج اتجاهها، وتكتفي بإدارة ما يُفرض عليها. ولهذا، لا يكون السؤال من يربح ومن يخسر، بل: من يملك القدرة على تحديد اتجاهاته واتخاذ قراراته قبل أن يُحدَّد له؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)