إيران.. وتوازن القوى في الشرق الأوسط

إيمان الجارحي
"تبدو إيران أكثر من مجرد دولة متمردة أو مشروع إقليمي صاعد"- الأناضول
"تبدو إيران أكثر من مجرد دولة متمردة أو مشروع إقليمي صاعد"- الأناضول
شارك الخبر
إن إيران ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط، ولا مجرد خصم لإسرائيل أو حليف لروسيا والصين، بل نظام تحت مسمى "الولي الفقيه" تطور عبر العقود الأخيرة إلى ما يشبه "رمانة الميزان" في معادلة التوازن الإقليمي والدولي. فوجودها بهذا الشكل، ليس قويا إلى حد الانتصار الكامل ولا ضعيفا إلى حد السقوط، أصبح جزءا من بنية التوازن نفسها؛ توازن يمنع الهيمنة المطلقة، ويمنع أيضا الانفجار الكامل.

ولهذا لم تعد القضية مرتبطة فقط بالبرنامج النووي الإيراني أو نفوذ طهران في المنطقة، بل بموقع إيران داخل شبكة أعقد من المصالح الدولية؛ حيث تلتقي حسابات الطاقة، والممرات البحرية، والتجارة العالمية، وتوازنات الشرق والغرب. فإيران بالنسبة لروسيا والصين ليست مجرد حليف، بل نقطة استنزاف وضغط على النفوذ الأمريكي، وبالنسبة للولايات المتحدة ليست مجرد عدو، بل أيضا عنصر ضمن معادلة أكبر تضبط إيقاع المنطقة وحدود الفوضى فيها.

ومن هنا يمكن فهم كثير من تناقضات المشهد الحالي؛ إذ تبدو المنطقة وكأنها تتحرك دائما على حافة الانفجار دون الوصول إلى الانفجار الكامل؛ لأن المسألة لم تعد مجرد صراع بين دول، بل صراع على شكل النظام الإقليمي نفسه: من يقوده؟ ومن يعيد تعريف توازناته؟ ومن يملك القدرة على تحويل الجغرافيا والطاقة والاقتصاد إلى أدوات قوة تتجاوز حدود الحرب التقليدية؟

تبدو المنطقة وكأنها تتحرك دائما على حافة الانفجار دون الوصول إلى الانفجار الكامل؛ لأن المسألة لم تعد مجرد صراع بين دول، بل صراع على شكل النظام الإقليمي نفسه

يمثل النظام الإيراني إحدى أهم ركائز توازن القوى في الشرق الأوسط، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل أيضا في معادلة التوازن بين القوى الكبرى: روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة وأوروبا من جهة أخرى؛ أي بين الشرق والغرب بصورة أشمل.

وكون الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الأكثر هيمنة عالميا لا يعني اختفاء مفهوم التوازن، فالتوازن ليس مصلحة للدول الصغيرة فقط، بل هو ضرورة للدول الكبرى نفسها، لأن أي اختلال كامل في موازين القوى يفتح الباب أمام فوضى قد تتجاوز قدرة الجميع على التحكم فيها.

ولفترة طويلة، تعاملت الولايات المتحدة مع ما تُسمى بدولة إسرائيل باعتبارها جزءا من منظومة التوازنات الغربية في المنطقة؛ ليس فقط كحليف استراتيجي، بل أيضا كأداة ردع وضبط داخل بيئة إقليمية شديدة التعقيد. لكن هذا الدعم لم يكن يعني دائما إطلاق يد إسرائيل بصورة كاملة، بقدر ما كان جزءا من إدارة أمريكية أوسع لتوازنات المنطقة؛ حيث ظل المطلوب هو الحفاظ على تفوق إسرائيل من جهة، ومنع الانفجار الإقليمي الشامل من جهة أخرى.

السابع من أكتوبر وإعادة فتح سؤال التوازنات:

لكن مع الوقت بدأت إسرائيل ترى أن استمرار هذا التوازن لم يعد يضمن أمنها كما كان في السابق، بل يمنح إيران مساحة أكبر لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية تدريجيا عبر النفوذ، والشبكات المسلحة، وتوسيع حضورها السياسي والأمني داخل المنطقة.

وكان السابع من أكتوبر هو اللحظة الكاشفة لهذه التخوفات باعتباره لحظة ارتباك داخل التوازن نفسه؛ إذ لم يعد يُنظر إليه فقط كمحاولة تحرر أو صرخة ألم من واقع يزداد قسوة، بل كحدث أعاد فتح سؤال التوازنات وحدود القوة في المنطقة كلها.

فما بعد السابع من أكتوبر شكّل تحولا نوعيا، إذ بدا بنيامين نتنياهو وكأنه تحول إلى "وحش كاسر"، مدفوعا بقناعاته أن إيران تمددت إقليميا وتجاوزت الحدود المسموح بها، حتى لو لم تكن هذه العملية قد تمت بتنسيق مباشر مع إيران أو بموافقتها.

فالتوازنات لا تُدار بالريموت كنترول، ولا تتحرك وفق رغبة طرف واحد مهما امتلك من قوة، بل تتشكل عبر قدرة الدول على إحداث التحول، ثم قدرتها الأخطر على استثمار نتائجه وإعادة التموضع داخل الخرائط الجديدة التي تنتج عنه. ولهذا قد تبدو بعض الأحداث في لحظتها الأولى انتصارا أو انفجارا إيجابيا، بينما تقود لاحقا إلى نتائج أكثر تعقيدا داخل بنية التوازنات نفسها.

وبدأت أحلام نتنياهو تتضخم، ليتطلع إلى دور أكبر من الدور الوظيفي التقليدي لإسرائيل؛ ليس باعتبارها مجرد أداة أو ذراع ضمن المشروع الغربي، بل باعتبارها "قائد المنطقة" وصاحبة القرار المركزي فيها. ليبدأ ظهور الخلاف داخل المعسكر الغربي نفسه: هل تظل إسرائيل أداة داخل التوازن، أم تتحول إلى مركز يعيد تعريفه بالكامل؟

ورغم أن جو بايدن أكثر صهيونية من دونالد ترامب -قولا وفعلا- فإن إدارة بايدن، رغم استمرار حرب الإبادة خلالها لفترة أطول، كانت تدرك خطورة الاقتراب المفرط من كسر قواعد التوازن الإقليمي والدولي. فهناك فارق بين دعم إسرائيل، وبين السماح بانفجار شامل قد يعيد تشكيل المنطقة بصورة غير قابلة للسيطرة.

وربما لهذا السبب خسر الديمقراطيون جزءا مهما من رصيدهم السياسي؛ لأن استمرار الحرب كشف تناقضا بين الخطاب الأمريكي التقليدي وبين الواقع الدموي على الأرض.

أما ترامب، فيبدو بالنسبة لنتنياهو "الاختيار المثالي" مرحليا؛ فطموحه الشخصي، ورؤيته السياسية كرجل أبيض مسيحي -حتى وإن لم يكن متدينا- تتقاطع بدرجة كبيرة مع رؤية نتنياهو، وإن ظل هذا التقاطع مرحليا وسطحيا أكثر منه تحالفا استراتيجيا عميقا. فالهدف لم يعد فقط إدارة الصراع، بل إعادة إنتاج الشرق الأوسط بصورة مختلفة؛ سياسيا، واقتصاديا، وحتى نفسيا.

ومن هنا يمكن فهم "الإبراهيمية" باعتبارها جزءا من محاولة بناء نظام إقليمي جديد، بعد تراجع صلاحية النظام القديم الذي تأسس على توازنات ما بعد الحرب الباردة، وعلى إدارة الصراع العربي الإسرائيلي.

لكن من المفارقات أن فكرة "الإبراهيمية" يبدو ترامب أكثر حماسا لها من نتنياهو نفسه؛ لأن الإبراهيمية ليست مجرد نسخة جديدة من كامب ديفيد، بل مشروع مختلف في الجوهر؛ مشروع يقوم على إعادة تشكيل المنطقة تدريجيا عبر "التنقيط البطيء"، أي عبر تفكيك الحواجز النفسية والسياسية والثقافية خطوة خطوة.

فالمسألة لم تعد مجرد حرب عسكرية، بل محاولة لإعادة تشكيل المنطقة سياسيا ونفسيا في آن واحد، أي أن الصراع انتقل من حدود الجغرافيا إلى إعادة تشكيل الوعي نفسه.

ولهذا قد يأتي وقت تبدو فيه اتفاقية كامب ديفيد -مقارنة بما يحدث اليوم- نموذجا أكثر تحفظا وحفاظا على الحد الأدنى من مركزية القضية الفلسطينية؛ لأنها كانت أقرب إلى "صلح" بين دولتين متحاربتين بينهما حدود مباشرة، لا إلى مشروع إعادة تشكيل شامل للمنطق، لنجد أنفسنا دخلنا إلى معنى أعمق للتطبيع؛ إذ لم يعد مجرد علاقات دبلوماسية، بل محاولة لإعادة تعريف الوعي السياسي والتحالفات والهويات داخل المنطقة نفسها. فالتطبيع هنا لا يتعلق بالعلاقات الرسمية فقط، بل بتحويل وجود إسرائيل من قضية صراع إلى جزء طبيعي من بنية المنطقة، ليأتي أخطر ما في اتفاقيات أبراهام؛ فهي تنزع "ورقة التوت" عن كثير من الأنظمة العربية، وهذا قد يمنح إسرائيل مكاسب واضحة على المدى القصير، لكنه يحمل أيضا مخاطر بعيدة المدى قد تكون أكثر خطورة عليها.

وربما لهذا يبدو نتنياهو نفسه متخوفا من بعض مآلات هذا المسار، لأنه يفهم طبيعة المجتمعات الإسلامية، وخاصة العربية، وحدود ما يمكن أن تتقبله أو تنفجر ضده لاحقا، لأن الخطر الحقيقي بالنسبة لإسرائيل ليس الأنظمة فقط.. بل لحظة اصطدام هذا المسار بالوعي الشعبي لاحقا.

من الردع العسكري إلى الردع الاقتصادي:

وهنا نصل إلى واحدة من أهم نتائج ما بعد السابع من أكتوبر؛ إذ لم تجرِ الأحداث بصورة هادئة أو تقليدية، بل جاءت كسلسلة انفجارات كشفت وقائع جديدة وفرضت تحولات أعمق في شكل الصراع نفسه، خاصة مع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية وما نتج عنها من تغيرات إقليمية ودولية.

فالتحولات الجارية لا تعيد تعريف السياسة فقط، بل تعيد تعريف القوة نفسها. فإعادة تشكيل الوعي السياسي في المنطقة تسير بالتوازي مع إعادة تشكيل مفهوم القوة عالميا؛ حيث لم تعد أدوات النفوذ محصورة في الجيوش والتحالفات العسكرية فقط، بل امتدت إلى الاقتصاد، والطاقة، والقدرة على التأثير في استقرار النظام العالمي نفسه.

وفي الوقت نفسه، يُعاد تعريف مفهوم الردع؛ فلم يعد قائما فقط على التوازن العسكري التقليدي، بل على القدرة على إحداث صدمة اقتصادية داخل النظام العالمي. وهنا تتحول الجغرافيا -وخاصة ممرات الطاقة- إلى أداة قوة مركزية تسمح للفاعلين الإقليميين بالتأثير في معادلات دولية أوسع.

وعندما تضيق الأرض بما رحبت في مضيق هرمز، يتكشف المعنى الجديد للقوة؛ حيث تصبح بضعة أميال بحرية قادرة على إرباك اقتصاد عالمي كامل، وتعطيل حسابات الجيوش والأسواق والدول الكبرى في آن واحد. فالمنطقة لم تعد تُدار فقط بمنطق الجيوش، بل بمنطق الاقتصاد والطاقة والتحكم في شرايين التجارة العالمية.

وبذلك يصبح الردع الجديد قائما على تلاقي الجغرافيا مع الاقتصاد؛ حيث تتحول القدرة على تعطيل تدفقات الطاقة والتجارة إلى عامل حاسم في تشكيل مسار الصراع ومآلاته. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضا بالموانئ، والمضائق، وحركة التجارة الدولية، وأسعار الطاقة، وقدرة الاقتصاد العالمي على الاحتمال.

وهنا يخرج التنين الصيني من صمته، لنجد أن بكين ربما تكون الطرف الأكثر فهما لهذا التحول. فالصين لا تتحرك باعتبارها مجرد قوة اقتصادية تبحث عن الأسواق، بل باعتبارها قوة شاملة تجمع بين الاقتصاد، والتكنولوجيا، والقدرة النووية، والتغلغل الهادئ داخل الأعصاب الدقيقة للاقتصاد العالمي.

فقوة بكين لا تقوم فقط على الاكتفاء الذاتي أو ضخامة الإنتاج، بل أيضا على قدرتها على التوغل في التفاصيل التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي نفسه؛ في الصناعات الثقيلة، والصناعات الوسيطة، والتقنيات الدقيقة، والأجزاء التي تقوم عليها الصناعات الكبرى. ولهذا لم تعد الصين مجرد "مصنع للعالم"، بل تحولت تدريجيا إلى جزء من البنية التي يقوم عليها العالم الصناعي نفسه.

كما أن تمددها داخل الشرق الأوسط يتميز بخصوصية مختلفة؛ إذ لا تحمل الصين الإرث الأيديولوجي أو السياسي الذي تحمله القوى الغربية، سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي، ما يمنحها قدرة أكبر على التغلغل الاقتصادي الهادئ دون إثارة القدر نفسه من الحساسية أو الرفض.

ويصبح شعار "صنع في الصين" ليس مجرد علامة تجارية، بل الوجه الآخر للعولمة نفسها؛ العولمة التي ساهمت الولايات المتحدة في صناعتها، قبل أن تكتشف تدريجيا أن أحد أكبر المستفيدين منها قد يتحول إلى أحد أبرز القيود على هيمنتها المطلقة.

ورغم الحديث المتكرر عن محور روسي-صيني-إيراني، فإن ما يُفرق هذه القوى في العمق ربما يفوق ما يجمعها؛ سواء أيديولوجيا، أو دينيا، أو حتى جيوسياسيا. فالصين لا تتحرك بعقلية الثورة الأيديولوجية الإيرانية، وروسيا لا تنظر  إلى الشرق الأوسط بالمنطق نفسه الذي تنظر به طهران إلى المجال الإقليمي أو العقائدي. كما أن لكل دولة أولوياتها الخاصة، ومخاوفها، وحدود مشروعها المختلفة.

لكن ما يجمع هذه القوى -رغم اختلافاتها- هو تقاطع مصالحها في مواجهة الهيمنة الغربية ومحاولة منع تشكل نظام دولي أحادي القطبية بصورة كاملة. ولهذا يبدو هذا المحور أقرب إلى "شراكة اضطرار ومصالح" منه إلى تحالف أيديولوجي متجانس.

وفي المقابل، فرغم ما يظهر داخل المحور الغربي -الأمريكي الأوروبي- من انقسامات وخلافات وصراعات مصالح، فإن ما يجمع هذا المحور ما يزال، حتى الآن، أعمق بكثير مما يفرقه.

فالعلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا لا تقوم فقط على المصالح السياسية الآنية، بل على بنية تاريخية وحضارية ومؤسسية وأمنية ممتدة منذ عقود؛ بداية من الاقتصاد، والتحالفات العسكرية، والنظام المالي العالمي، وصولا إلى الرؤية العامة لشكل النظام الدولي نفسه.

ولهذا تبدو الخلافات داخل المعسكر الغربي -رغم حدّتها أحيانا- أقرب إلى صراعات داخل البيت الواحد، لا إلى تناقضات وجودية كتلك التي يمكن أن تظهر داخل المحور الروسي-الصيني-الإيراني، الذي تحكمه المصالح المشتركة أكثر مما تحكمه وحدة الرؤية أو الهوية.

وربما لهذا لم تعد الصين وإيران تُنظر إليهما فقط باعتبارهما دولتين تسعيان إلى توسيع نفوذهما، بل باعتبارهما -بالنسبة لكثير من المجتمعات الخارجة من الهيمنة الاستعمارية- نموذجين لإمكانية بناء مسار خارج الهيمنة الغربية المباشرة.

تبدو إيران، في لحظة التحولات الكبرى هذه، أكثر من مجرد دولة أو مشروع إقليمي؛ بل نموذج يكشف كيف يمكن للجغرافيا، والأيديولوجيا، والبراغماتية، واستثمار الفوضى الدولية، أن تجتمع معا لصناعة موقع يتجاوز بكثير حدود القوة التقليدية

صحيح أن لكلٍ من بكين وطهران تجربتها المختلفة؛ فالصين بنت مشروعها عبر الاقتصاد والإنتاج والتكنولوجيا، بينما بنت إيران جزءا كبيرا من حضورها عبر الأيديولوجيا والشبكات الإقليمية والصراع الجيوسياسي، لكن ما يجمع النموذجين في الوعي السياسي لكثير من المجتمعات الخارجة من الهيمنة الاستعمارية هو أنهما لم ينشآ بوصفهما امتدادا مباشرا للمركز الغربي أو نتاجا خالصا له.

وهذا الأمر يجعلنا نفهم جانبا من التحولات الفكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة العربية بعد خروج الاستعمار الإنجليزي والفرنسي؛ إذ لم يكن صعود اليسار والاشتراكية في كثير من البلدان العربية مرتبطا فقط بالشعارات الاجتماعية أو الاقتصادية، بل أيضا بالبحث عن نموذج تحرر وطني مستقل عن الهيمنة الغربية، لأن القضية بالنسبة لقطاعات واسعة من شعوب المنطقة لم تكن مجرد اختيار بين الرأسمالية والاشتراكية، بقدر ما كانت محاولة للبحث عن طريق يخرجها من التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية للمركز الغربي.

ولم تكن جاذبية بعض النماذج الشرقية نابعة فقط من قوتها، بل من كونها بدت -ولو نظريا- أكثر قدرة على تمثيل فكرة "الاستقلال عن الغرب"، حتى وإن اختلفت التجارب نفسها أو انتهت لاحقا إلى أزمات وتناقضات معقدة.

وفي النهاية، تبدو إيران هنا أكثر من مجرد دولة متمردة أو مشروع إقليمي صاعد؛ فهي تحولت إلى عقدة مركزية داخل معادلة دولية تتغير بصورة أعمق مما يبدو على السطح.

فإذا كانت إسرائيل تحاول كسر التوازن بالقوة، وإذا كانت الصين تستخدم أدوات العولمة لإعادة تشكيل النفوذ العالمي بهدوء، وإذا كانت الولايات المتحدة تكتشف تدريجيا حدود قدرتها على فرض الهيمنة المطلقة، فإن إيران تبقى واحدة من أهم النقاط التي يتقاطع عندها صراع النظام العالمي الجديد. العالم الذي ساهمت أمريكا في صناعته عبر العولمة، قد يكون هو نفسه العالم الذي يضع اليوم حدودا جديدة لقدرتها على السيطرة المنفردة.

ومن هنا تتكشف خصوصية التجربة الإيرانية بصورة أعمق؛ فربما لا تكمن فقط في امتلاك أدوات القوة أو القدرة على الصمود، بل في نجاحها في التحرك داخل التناقضات الدولية والإقليمية دون أن تذوب بالكامل داخل أي محور، أو تتحول إلى تابع خالص له.

فقد نجحت إيران، بدرجات متفاوتة من النجاح والإخفاق، في بناء أشكال من التعاون الاستراتيجي العسكري والسياسي مع قوى كبرى، دون الانغماس الكامل داخل أيديولوجياتها أو الارتهان المطلق لمصالحها، وهو ما منحها قدرة خاصة على الحركة وإعادة التموضع داخل خرائط متغيرة باستمرار.

ولذلك يبرز سؤال أعمق، يتجاوز إيران نفسها إلى طبيعة الفعل السياسي والحضاري في المنطقة: هل صنعت إيران هذا الموقع بسبب الأيديولوجيا؟ أم بسبب طريقة تفكير قادرة على الخروج من الصندوق التقليدي للدولة الإقليمية؟ أم بسبب قدرتها المستمرة على استغلال التحولات والأحداث، وإعادة التموضع داخل كل مرحلة تاريخية بما يسمح لها بالبقاء والتمدد في آن واحد؟

وربما لهذا تبدو إيران، في لحظة التحولات الكبرى هذه، أكثر من مجرد دولة أو مشروع إقليمي؛ بل نموذج يكشف كيف يمكن للجغرافيا، والأيديولوجيا، والبراغماتية، واستثمار الفوضى الدولية، أن تجتمع معا لصناعة موقع يتجاوز بكثير حدود القوة التقليدية. وأيضا لم تعد إيران، في نظر كثير من القوى الدولية، مجرد دولة يمكن إسقاطها أو احتواؤها بسهولة، بل "رمانة ميزان" داخل توازن شديد الهشاشة؛ توازن يمنع الهيمنة المطلقة ويؤجل في الوقت نفسه الانفجار الكامل.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل