الجمود المقنّع: كيف تتحوّل الحركة إلى تعطيل للتاريخ

إيمان الجارحي
"ليست القضية في كثرة الإجابات، بل في كيفية طرح السؤال، وفي الشجاعة على خوض التجربة وتصحيحها"- جيتي
"ليست القضية في كثرة الإجابات، بل في كيفية طرح السؤال، وفي الشجاعة على خوض التجربة وتصحيحها"- جيتي
شارك الخبر
لم يكن الخلل في العالم الإسلامي محصورا في هزيمة عسكرية أو تأخر تقني، بل في تعطّل الحيّز الذي تُنتج فيه الأمم معناها، وتختبر قدرتها على تحويل القيم إلى مؤسسات، والهوية إلى قوة فاعلة في التاريخ. في اللحظة التي فقد فيها المسلمون القدرة على إنتاج رؤية متكاملة للإصلاح، انكسر هذا الحيّز من الداخل، وبات كل استيراد من الخارج فعل استعاضة لا فعل تفاعل، ومحاولة سدّ فراغ لا بناء قدرة.

فالهوية -كما يلخّص عبد الوهاب المسيري- ليست معطى جاهزا ولا إرثا ساكنا، بل "هوية شعبٍ ما تتشكل عبر مئات السنين من خلال تفاعله مع الطبيعة وبيئته الجغرافية ومع بني جلدته ومع الشعوب الأخرى.. فهي ليست مجرد انعكاس بسيط لبيئته". وحين تعطّلت القدرة على التوحيد، لم تعد الدولة إطارا جامعا، بل صارت شكلا سياسيا هشا، يتبدّل دون أن يحمل مشروعا حضاريا متماسكا. فالدولة ليست مجرد سلطة تُدار، بل تعبير عن رؤية كلية للإنسان والعمران والغاية، وحين يغيب هذا المعنى تتحول المؤسسات إلى هياكل صلبة خاوية، قادرة على التوسع الجغرافي، لكنها عاجزة عن غرس القيم أو إنتاج الهوية، فيغدو الاستقرار غاية في ذاته لا وسيلة للحياة.

السؤال الجوهري الذي لا غنى عنه، خاصة أمام الحركات والجماعات: أين أقف؟ أين أقف معرفيا من فهم اللحظة؟ وأين أقف سياسيا من تشابكات الإقليم والدول؟ وأين أقف استراتيجيا من ميزان القوى الحقيقي لا المتخيّل؟

في المقابل، لم يكن تفوق الغرب نابعا من استقرار دائم أو أخلاقي، بل من إبقائه هذا الحيّز مفتوحا. عرف الغرب صراعات دامية، وانقلابات فكرية، وحروبا مدمرة، لكنه امتلك القدرة على إدارة الصراع داخل بنيته، وتحويله إلى أداة تجدد لا إلى سبب انهيار. ولهذا لم يتوقف التعاقب داخل الحضارة الغربية، بل انتقل مركز الثقل من دولة إلى أخرى داخل الإطار الحضاري نفسه. وهذا يُعبّر عنه علي عزت بيجوفيتش بأن التاريخ لا يتحرّك في خط مستقيم، بل عبر صراع دائم بين القيم والواقع، وأن محاولة إلغاء هذا الصراع باسم الاستقرار إنما تلغي التاريخ ذاته.

أما في التجربة الإسلامية، فقد جرى العكس؛ جرى تقديس الشكل خوفا من الفوضى، وتقديس المؤسسة خوفا من الانقسام، وتقديس الأفراد خوفا من الفراغ، ومع الوقت تحوّل هذا الحرص إلى جمود، والجمود إلى تعطيل للتاريخ. لم يُدر الصراع بوصفه ضرورة حضارية، بل قُمِع حتى انفجر في صور غير متكافئة، تُخاض باسم الرمز لا باسم الاستراتيجية، وباسم النقاء لا باسم الميزان. هنا تتجلّى السنن لا بوصفها عقابا، بل قوانين حاكمة لحركة الاجتماع الإنساني: "الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرا ۚ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحج: 40).

فالمدافعة ليست تمجيدا للعنف، بل آلية لحفظ المعنى ومنع الاستبداد، وضمانا لبقاء المجال القيمي حيا، لكنها لا تعني الاندفاع ولا الصدام غير المحسوب، بل تعني إدارة دقيقة للتوازن بين القوة والمعنى، وبين القدرة والغاية. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا غنى عنه، خاصة أمام الحركات والجماعات: أين أقف؟ أين أقف معرفيا من فهم اللحظة؟ وأين أقف سياسيا من تشابكات الإقليم والدول؟ وأين أقف استراتيجيا من ميزان القوى الحقيقي لا المتخيّل؟ فالحركات التي لا تُحدّد موقعها بدقة تتحول -دون أن تدري- إلى قطع شطرنج داخل خطط أكبر منها، تتحرك حين يُسمح لها بالحركة، وتُستهدف حين تُصبح عبئا على السيناريو.

فالمشكلة -كما أصبح واضحا- لم تعد في صدق النوايا ولا في حرارة الشعارات، بل في سلامة القراءة؛ قراءة الواقع كما هو، لا كما نريده أن يكون. ليس الهدوء نقيض الفعل، كما أن التوقف المؤقت ليس انسحابا من التاريخ. الخطر الحقيقي لا يكمن في التريث، بل في الخلط بين الحركة والفعل، وبين السرعة والجدوى. وكما ينبه طه عبد الرحمن: "ليس كل حركة فعلا، ولا كل فعل حركة؛ فقد تكثر الحركة ويقلّ الفعل، إذا انفصل العمل عن المعنى، وانقطعت الوسيلة عن الغاية". فثمة حركات تتحرك بلا بوصلة، فتكون حركتها هي شكل الجمود الأخطر؛ جمود مقنّع بالحركة، تُستهلك فيه الطاقة دون أن تُبنى القدرة، وتُستنزف المعاني قبل أن تُختبر المؤسسات.

إعادة التفكير هنا ليست إعادة تموضع شكلي، ولا تبديل شعارات أو أدوات، بل مراجعة جذرية للمنهج: كيف نقرأ الواقع؟ وبأي أدوات؟ وبأي وعي بالسنن؟ لأن القفزات غير المؤسسة -مهما بدت بطولية- غالبا ما تُنتج تراجعات أعمق من الهزيمة الظاهرة. ولهذا يؤكّد طه عبد الرحمن أن فساد المنهج لا يُنتج إلا نجاحا زائفا سرعان ما ينقلب على صاحبه.

الأمم لا تنهض بحسن المقاصد وحده، ولا تسقط بسوء النيات فقط، بل تنهض حين تُحسن بناء الإنسان، وتُحسن إدارة الصراع، وتدرك أن المنهج هو ما يصنع التاريخ.. لا الحماسة العابرة ولا الشعارات الكبيرة

في هذا السياق، تبدو استعادة فكرة بناء القدرة شرطا سابقا على أي مواجهة. فقد لخّص حسن البنا هذه القاعدة حين قال: "يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدها قوة الساعد والسلاح"، كما نبّه إلى أن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال يحتاج إلى زمن طويل.

وحذّر سيد قطب بدوره من استعجال الثمرة قبل نضجها، مؤكدا أن هذا الدين لا يتحقق في واقع الحياة إلا بمنهج واقعي طويل النفس، لا يستعجل النتائج ولا يقفز على المراحل. ويعمل في عمق هذا كله قانون التداول الحضاري: "فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" (البقرة: 251).

فالتداول لا يتوقف لأن أمة ضعفت، بل يتوقف حين تفقد الأمة شروط الفعل، وتكتفي باستجداء القدرة بدل بنائها، وباستدعاء الماضي بدل تفكيكه وتجاوزه. إعادة بناء الفرد والمنظومة لا تتم بالتلقين، بل بتعليم كيفية التفكير. ليست القضية في كثرة الإجابات، بل في كيفية طرح السؤال، وفي الشجاعة على خوض التجربة وتصحيحها. نعم، نؤمن بشمولية الإسلام، لكن هذه الشمولية كثيرا ما تبقى خطابا عاما لا ينعكس على بناء الفرد داخل أسرته، أو عمله، أو مجاله المهني، فيذوب الطبيب والمهندس والمعلم في قالب واحد، لا في المنهج فقط، بل في طريقة التفكير، فتُلغى الخبرات بدل أن تتحول إلى قوة تنوع داخل المشروع.

وهنا نتلمس طريق الحل، فالأمم لا تنهض بحسن المقاصد وحده، ولا تسقط بسوء النيات فقط، بل تنهض حين تُحسن بناء الإنسان، وتُحسن إدارة الصراع، وتدرك أن المنهج هو ما يصنع التاريخ.. لا الحماسة العابرة ولا الشعارات الكبيرة.
التعليقات (0)

خبر عاجل