إذا كان
المقال السابق قد وضعنا أمام سؤال السيادة على عقولنا، فإن هذا التساؤل يقودنا
بالضرورة إلى البحث في الكيفية التي تحول بها التواصل البشري من كونه أداة لتبادل
الحقيقة إلى وسيلة لإعادة التوجيه
العقلي. تاريخيا، كان الإقناع يعتمد على ميثاق
أخلاقي مضمر، حيث يطرح الطرف الأول حجته مستندا إلى المنطق والبرهان، ويقوم الطرف
الثاني بفحصها وقبولها أو رفضها بناء على قناعته الذاتية؛ وكان هذا هو الأساس الذي
دعت به الأديان السماوية، والقرآن الكريم حث بقوة على إعمال العقل والتفكر والتدبر
من خلال آيات عديدة تدعو لـ"أولي الألباب" والتفكر في خلق السماوات
والأرض، واستخدام العقل لتمييز الحق والهدى، والآيات كثيرة منها قول الله تعالى: "أَفَلَا
تَعْقِلُونَ"، "لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"، "إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"، "أَفَلَمْ
يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا"، وربط
بين الإيمان واتباع الأحسن عقلا: "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ".
بيد أننا
هنا يجب أن نفرق بين مفهومين متناقضين تماما لإعمال العقل؛ فالعقل في المنظور
العلماني المجرد هو عقل أداتي يحسب الأرباح والخسائر والمنافع المادية فقط، مما
يجعله فريسة سهلة للمهندس الذي يتلاعب بمحفزات المنفعة والألم. أما إعمال العقل
بمفهومه الإسلامي القرآني، فهو عملية تتجاوز مجرد العمليات الذهنية الباردة؛ إنه
عقل مرتبط بالفؤاد، عقل يبحث عن الحق لا عن المنفعة فحسب، ويستند إلى بصيرة داخلية
تميز بين الهدى والضلال. الآيات التي تدعو للتفكر مثل: "أَفَلَا تَعْقِلُونَ"
و"أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ
بِهَا"، لا تطلب من الإنسان أن يكون آلة حاسبة، بل تطلب منه أن يربط فكره
بقيم الوحي وموازين الأخلاق الثابتة.
في النموذج الرباني، يظل العقل هو الحكم والسيادة تظل للمتلقي لأنه عقل حر من قيود الهوى والشهوة. لكن ما يحدث في مختبرات الرأي العام العلمانية المعاصرة هو انقلاب جذري على هذا الميثاق
في
النموذج الرباني، يظل العقل هو الحكم والسيادة تظل للمتلقي لأنه عقل حر من قيود
الهوى والشهوة. لكن ما يحدث في مختبرات الرأي العام العلمانية المعاصرة هو انقلاب
جذري على هذا الميثاق؛ فالمهندس لا يسعى لإقناعك، بل يسعى لإعادة بناء المسارات
الذهنية التي تسلكها، مستغلا تحويل العقل إلى أداة حسابية مجردة ليس لها مرجعية
قيمية، مما يسهل إعادة توجيهك عبر مخاطبة المحركات الغريزية التي تسبق
التفكير
المنطقي.
إن مأساة
هندسة الوعي المعاصرة لا تبدأ بمحاولة تغيير فكرة بعينها، بل تبدأ بما هو أخطر:
عملية التنميط الصناعي للمجتمع. يدرك المهندس في مختبرات الرأي العام العلمانية أن
العقل الفردي الحر، المرتبط بمرجعيته القيمية والقرآنية، هو حصن عصيٌّ على
الاختراق؛ لذا تقتضي استراتيجية السيطرة تحويل المجتمع أولا إلى كتلة جمعية صماء
تسير على غرار خطوط الإنتاج في المصانع الكبرى. في هذه العملية، لا يُنظر إلى
الإنسان كذات متفردة تمتلك حق التدبر، بل كوحدة استهلاكية أو ترس في ماكينة واحدة
ضخمة، يجب أن تتشابه مواصفاته الفكرية والنفسية مع بقية التروس لضمان عمل المنظومة
دون احتكاك.
هذا
التنميط يعتمد على صبّ الجماهير في قوالب ذهنية موحدة عبر أدوات التكرار القهري
والتوحيد القسري للاهتمامات؛ حيث تتم تغذية الملايين بنفس المعلومة، في نفس
اللحظة، وبنفس الشحنة العاطفية. والهدف من ذلك هو إلغاء المسافات البينية بين
الأفراد، وتحويل الأنا المسؤولة إلى نحن منقادة، تسكن فيما يسمى غرف الصدى. في هذه
الغرف، لا يسمع الفرد إلا صوته مكررا بآلاف الأفواه، مما يخلق وهْما بأن الإجماع
الجمعي هو بالضرورة الحقيقة المطلقة. إن هذا النموذج الصناعي للبشر يسمح للمهندس
بتوجيه المجتمع بضغطة زر واحدة؛ لأنه لم يعد بحاجة لإقناع كل فرد على حِدَة، بل
يكفي أن يرسل إشارة محددة (مثير) لتستجيب لها الكتلة المنمطة بردة فعل موحدة
(استجابة مبرمجة)، تماما كما تستجيب الآلات في المصنع لبرمجتها المركزية.
وعندما
يتم تنميط المجتمع صناعيا، تسقط القدرة على التدبر الذي حث عليه القرآن، لأن
التدبر فعل فردي يتطلب خروجا عن المسار الآلي وتوقفا نقديا أمام المعلومة. في
المقابل، يمنح التنميط الصناعي الفرد شعورا زائفا بالأمان والراحة الكيميائية
(الدوبامين) الناتج عن الانتماء للأغلبية، حتى لو كانت هذه الأغلبية تسير نحو
حتفها الفكري. وهكذا، تتحول المجتمعات من أولي ألباب مأمورين بتمييز الحق، إلى عقل
جمعي يسهل ارتهانه وتوجيهه في مختبرات الرأي العام، ليصبح التنميط هو القيد غير
المرئي الذي يسبق عملية السيطرة الفعلية.
لنتأمل
مثالا سياسيا مجردا: حين تريد سلطة ما تمرير مشروع قانون يمس خصوصية الأفراد،
فإنها تستهدف العقل العلماني المجرد عبر إغرائه بمنفعة الأمان المطلق مقابل
التنازل عن القيمة، بينما العقل القرآني يقف متدبرا في المآلات والقيم والعدل، فلا
يسهل جره عبر ربط القانون دائما بصور الإرهاب أو التهديدات الأمنية في الأذهان.
المهندس هنا يستخدم الأزمات المفتعلة كأجراس بافلوفية تثير في العقل المجرد ردود
فعل مبرمجة سلفا، وهو ما تأصّل علميا في تجارب إيفان بافلوف حول الاستجابة الشَرطية
(تجربة أُجريت على محفزات اللعاب عند الكلاب).
ويتجاوز
التوجيه حدود العاطفة ليصل إلى التلاعب بآليات اتخاذ القرار عبر ما يعرف بتأثير
المرسى أو الارتكاز. تخيل نظاما يريد رفع الضرائب بنسبة 10 في المئة؛ المهندس يبدأ
بتسريب أخبار عن رفع الضرائب بنسبة 40 في المئة لإنقاذ البلاد. هنا، العقل الحسابي
يرى أن الـ10 في المئة مكسب مقارنة بالـ40 في المئة فيقبلها (منطق المنفعة)، بينما
العقل بمفهومه القرآني يحلل مبدأ العدل والحقيقة وراء هذه القرارات ولا ينخدع
بالمقارنات المفتعلة. وتدعم هذا التكتيك تجربة دان آريلي حول الخيار الوهمي؛ حيث
أثبت أن إضافة خيار ثالث رديء يوجه الناس نحو الخيار الذي يريده المهندس، ليس
اقتناعا بجودته، بل لأن العقل المجرد اختار الأقل ضررا دون الرجوع إلى معيار الحق
والباطل.
وعندما
نغوص أعمق، نجد أن المهندس يستهدف غريزة الانتماء لتعطيل النقد عبر تأثير الهالة.
حين يُصدّر شخص كرمز تاريخي او سياسي.. الخ، أو خبير أوحد، يميل العقل المجرد
لاتباعه تلقائيا، وهو ما أكدته تجارب ستانلي ميلغرام حول الطاعة، حيث أظهرت أن
الناس مستعدون لتنفيذ أفعال تتنافى مع قيمهم لمجرد أن الآمر يوحي بالسلطة. العقل
القرآني هنا هو الحصن؛ لأنه عقل مأمور بألا يتبع ما ليس له به علم، وألا يقدّس سوى
الحق، مما يفكك هالة البشر ويخضعها للفحص والتمحيص.
إن أخطر
ما في إعادة التوجيه هو تحويلك إلى حارس لأفكار المهندس عبر الانحياز التأكيدي
وظاهرة التنافر المعرفي لليون فيستنجر. فالإنسان حين يواجه حقيقة تضرب قناعته
المُهندسة، يشعر بألم نفسي، وللتخلص منه، يقوم بتكذيب الحقيقة (المرجع الهوى)،
بينما العقل القرآني المربي على اتباع الأحسن والاعتراف بالحق حتى على النفس،
يمتلك المرونة الكافية للاعتراف بالخطأ والعودة للصواب.
وهنا سؤال
يطرح نفسه، ألا يستحق الاستقرار والتنمية بعض التضحيات؟
قد يخرج
علينا من يدافع عن مختبرات الرأي العام وآليات التنميط الجمعي بحجة تبدو في ظاهرها
منطقية، وهي أن هذا التوجيه ضروري للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ومنع الفوضى،
وضمان كفاءة حركة المجتمع نحو أهداف التنمية والرفاهية؛ حيث يزعمون أن برمجة الوعي
هي نوع من التنظيم الضروري لعالم معقد لا يمتلك فيه الفرد العادي القدرة على
استيعاب كافة أبعاده.
بيد أن
هذه الحجة تتهافت أمام أول اختبار أخلاقي ومعرفي؛ فهي تنطلق من رؤية مادية قاصرة
تختزل الإنسان في كونه وسيلة لخدمة النظام، لا غاية في حد ذاته. إن الاستقرار الذي
يقوم على تعطيل العقل وتغييب البصيرة ليس استقرارا، بل هو سكون الموتى أو انضباط
الآلات في خطوط الإنتاج؛ فالنموذج الرباني يعلمنا أن كرامة الإنسان تكمن في حرية
الاختيار القائمة على الوعي، حتى لو كان ثمن هذه الحرية هو التدافع والاختلاف.
إن الخصم
هنا يخلط بين النظام وبين القطيعية؛ فبينما يبني المنهج القرآني نظاما قوامه أفراد
أحرار يتبعون الحق عن قناعة وتدبر (يستمعون القول فيتبعون أحسنَه)، يسعى المهندس
العلماني لصناعة قطيع يتبع الإشارة عن برمجة غريزية. إن دحض هذه الحجة يكمن في
إدراك أن أي رفاهية أو أمان يُقدمان مقابل التنازل عن سيادة العقل هما في الحقيقة
عبودية ناعمة؛ فالإنسان الذي يُقاد بالخوف والغرائز المنمطة هو إنسان فَقَدَ أمانة
الاستخلاف التي كلفه الله بها، وتحول إلى رقم في معادلة المهندس، وهو ما يتناقض
جذريا مع التكريم الإلهي الذي جعل العقل والمسؤولية الفردية هما مناط الثواب
والعقاب.
وهنا نطرح
سؤالا آخر: هل هذه المختبرات بدعة حديثة؟ وهل هي حكر على الغرب؟
المعركة اليوم ليست بين شرق وغرب أو متدين وعلماني بالمعنى السطحي، بل هي معركة أزلية متجددة بين "منهج الاستخلاف الرباني" الذي يريد للإنسان أن يكون عقلا حرا يبحث عن الحق، وبين "منهج التدجين" الذي يسعى، عبر التاريخ وبمختلف المسميات، لتحويل المجتمعات إلى عقول جمعية منمطة يسهل سوقها في خطوط الإنتاج السياسي والاجتماعي
الإجابة
هي لا لكلا السؤالين، فيجب ألا يغيب عن ذهن القارئ المتدبر أن الحديث عن مختبرات
الرأي العام العلمانية لا يعني بحالٍ من الأحوال إنكار وجود مفكرين علمانيين نادوا
بحرية الرأي وقدسية التفكير المستقل، كما لا يعني أن هذه الممارسات هي حكرٌ على
الجغرافيا الغربية وحدها. بل إن الحقيقة الأكثر مرارة تكمن في أن هذه الأدوات
الهندسيّة باتت سلاحا عابرا للأيديولوجيات؛ فثمة أنظمة وتيارات سياسية تدّعي
المرجعية الإسلامية وتتلفع بعباءة الدين، لكنها في واقع الأمر تستخدم ذات
المختبرات العلمانية وذات أدوات التنميط الصناعي والبرمجة الجمعية لإخضاع شعوبها.
إن العلمانية هنا لا تشير إلى التفسير المشهور بأنها "فصل الدين عن الدولة"
فحسب، بل تشير إلى الحقيقة الكامنة داخل العلمانية بأنها "فصل الوعي عن
المرجعية الأخلاقية والقيمية"، وتحويل الإنسان إلى مادة خام قابلة للتشكيل،
سواء تم ذلك باسم الرفاهية أو باسم المقدس.
إن هذه
النسخة الحالية من هندسة الوعي، وإن كانت قد استفادت من الطفرة التكنولوجية
الهائلة والقدرة على مخاطبة الملايين في أجزاء من الثانية، إلا أنها ليست ابنة
الصدفة ولا هي وليدة العصر الحديث فحسب؛ بل هي نتاج تراكم معرفي وتاريخي لآلاف
السنين في فنون حكم المجتمعات والسيطرة عليها. فمنذ أقدم الحضارات، كانت الأنظمة
الاستبدادية تمارس هندسة الوعي عبر الأساطير، والرموز، وصناعة الهالات، وتخويف
الشعوب بالخطر الخارجي (المرسى)، وربط الانقياد بالرزق (المكافأة).
إن التقدم
العلمي المعاصر لم يخلق التلاعب من العدم، بل قام بـ"تقنينه وتحويله إلى علم
تجريبي"؛ حيث استخلص المهندس المعاصر أصول السيطرة التاريخية من بطون التجارب
البشرية في كل أنحاء العالم، وصهرها في بوتقة التكنولوجيا الحديثة. لذا، فإن
المعركة اليوم ليست بين شرق وغرب أو متدين وعلماني بالمعنى السطحي، بل هي معركة
أزلية متجددة بين "منهج الاستخلاف الرباني" الذي يريد للإنسان أن يكون
عقلا حرا يبحث عن الحق، وبين "منهج التدجين" الذي يسعى، عبر التاريخ
وبمختلف المسميات، لتحويل المجتمعات إلى عقول جمعية منمطة يسهل سوقها في خطوط
الإنتاج السياسي والاجتماعي.
إن الخروج
من دائرة إعادة التوجيه العقلي يتطلب استعادة المرجعية الأخلاقية والقيمية كأداة
حماية أخيرة. التحرر يبدأ بالعودة إلى المنهج القرآني في التدبر الذي يربط العقل
بالتقوى؛ فالأخلاق ليست مجرد عواطف، بل هي بوصلة موضوعية تكشف زيف الإطارات
والمراسي المفتعلة. إن الفرق بين العقل بمفهومه القرآني والعقل بمفهومه العلماني
هو الفرق بين البصيرة وبين الحساب الآلي؛ فبينما يبحث الأول عن الحق ممتثلا لأمر "أَفَلَا
تَعْقِلُونَ"، يظل الثاني عرضة للبرمجة في مختبرات الرأي العام التي تحول
الإنسان إلى صدى لصوت المهندس، بعيدا عن كرامة العقل التي أرادها الله له.