هندسة الوعي (6): صناعة العقول المستهلكة

مصطفى خضري
"يوهمونك بحرية الاختيار بين مئات السلع والعلامات التجارية، بينما هم في الواقع يضيقون الخيارات عليك في مساحة واحدة: مساحة الاستهلاك"- جيتي
"يوهمونك بحرية الاختيار بين مئات السلع والعلامات التجارية، بينما هم في الواقع يضيقون الخيارات عليك في مساحة واحدة: مساحة الاستهلاك"- جيتي
شارك الخبر
بعد أن فككنا في المقال السابق خدعة الديمقراطية في الدولة الحداثية، وكيف يتم تدجين الشعوب في مختبرات الرأي العام السياسي، وتحويلهم إلى مجرد أوراق في صناديق الاقتراع؛ ننتقل الآن إلى المختبر الأشد فتكا ونعومة. إنه مختبر الرأسمالية الاستهلاكية، ذلك المختبر الذي لا ينظر إلى الفرد بصفته إنسان؛ بل بصفته أداة لتوليد المال، فإذا كان مهندس السياسة يحتاج وعيك في مواسم التأييد والحشد ليحقق أهدافه، فإن مهندس الرأسمالية الاستهلاكية يحتاج حياتك كلها، بكل لحظاتها وتفاصيلها، وإذا كان مهندس السياسة هدفه طاعة الدجاج في حظيرة الديمقراطية؛ فإن هدف مهندس الرأسمالية الاستهلاكية هو بيضات هذا الدجاج الطائع.

تخيل معي نماذج تتكرر في كل عاصمة حول العالم: أشخاص يقفون في طابور طويل أمام متجر زجاجي لامع، ينتظرون منذ الفجر، وربما قضوا ليلتهم متسكعين على الأرصفة، فقط ليكونوا أول من يحصل على النسخة الأحدث من هاتف ذكي. هؤلاء قد يكون بينهم طالب يعاني من الديون الدراسية، أو زوجة تستنزف أموال زوجها، أو موظف يتقاضى راتبا لا يكفي حاجياته الأساسية، يتقاتلون للحصول على قطعة معدنية لا تختلف في جوهر وظيفتها عن النسخة التي في جيوبهم. لكنهم في تلك اللحظة، لا يرون أنفسهم يشترون أداة اتصال، بل يشترون كيانا، وجدارة اجتماعية، وصورة ذهنية صممها لهم مهندس الوعي الاستهلاكي بعناية فائقة.

في مختبرات الرأسمالية الاستهلاكية، يتم دائما وضع العربة أمام الحصان، فلم يعد الهدف هو إنتاج ما يحتاجه الإنسان، بل هندسة وعي الإنسان ليحتاج ما يتم إنتاجه. هنا تبدأ أولى مراحل الهندسة الرأسمالية الاستهلاكية

ومثل هذا يفعل الملايين؛ يهرعون خلف الماركات العالمية، ويقترضون من البنوك ليسافروا إلى أماكن لا يعرفونها، فقط ليلتقطوا صورا يثبتون بها للقطيع أنهم يعيشون الحياة المثالية. فهل هذا السلوك هو نتاج اختيار حر لإنسان عاقل يبحث عن منفعته؟ أم أننا أمام عملية تهكير بيولوجي ونفسي، تم فيها استبدال الهوية الإنسانية الفطرية بهوية استهلاكية مصطنعة؟

في مختبرات الرأسمالية الاستهلاكية، يتم دائما وضع العربة أمام الحصان، فلم يعد الهدف هو إنتاج ما يحتاجه الإنسان، بل هندسة وعي الإنسان ليحتاج ما يتم إنتاجه. هنا تبدأ أولى مراحل الهندسة الرأسمالية الاستهلاكية: تجفيف الرضا الداخلي، حيث يعمل مهندس الوعي الاستهلاكي عبر ترسانة إعلامية ضخمة على إشعارك الدائم بالنقص، وبأنك لست جميلا بما يكفي، أو ناجحا بما يكفي، أو سعيدا بما يكفي، إلا إذا امتلكت هذا المنتج أو ذاك.

ولأن الرضا قيمة مركزية في بناء الإنسان المقاوم للتدجين؛ فلم يغب عن الخطاب القرآني، إذ جعله الله من الصفات الجوهرية التي تُرجى في الذرية، كما جاء على لسان نبيه زكريا عليه السلام حين دعا ربه أن يرزقه غلاما رضيا، في قوله تعالى: "فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا".

فتمتُع الفرد بقدر من الرضا الداخلي يمنح النفس السكينة والثبات، ويقي الوعي من ألاعيب مختبرات الرأسمالية الاستهلاكية، أو يضعف فاعليتها على الأقل.

ومن الملاحظ أن أهم أهداف مهندسي الوعي الاستهلاكي؛ أن يبيعوك الدواء مقدما لمرض هم من اخترعه في وعيك أولا، وذلك المرض هو الشعور بالنقص، الذي يجعلك دائما في حالة من اللهاث والقلق من عدم القدرة على اللحاق بركب الحداثة.

والرضا المقصود هنا، ليس استسلاما للواقع أو قعودا عن السعي، بل هو طمأنينة القلب لتدبير الخالق بعد استنفار طاقة الجوارح في العمل؛ فهو حالة من السيادة النفسية، تجعل الفرد يتحرك نحو أهدافه بدافع الإنجاز لا بدافع النقص، وبمنطق الرسالية لا بمنطق اللهاث الاستهلاكي.

وهذا ليس معناه بتاتا الكسل، الذي هو هزيمة داخلية وغيبوبة عن المسؤولية تلبس ثوب الرضا زورا لتبرر العجز. فالراضي يتحرك بإرادة حرة وعين شبعة لا تكسرها ألاعيب المهندسين، بينما الكسول متوقف بإرادة مسلوبة. الرضا هو الثبات في قلب المعركة، بينما الاستسلام هو الانسحاب منها؛ أحدهما وقاية للوعي، والآخر موت له.

ودائما ما يسعى مهندسو الرأسمالية الاستهلاكية لتطوير أساليبهم وتكييفها حسب الظروف والأوقات المختلفة؛ فهم يوهمونك بحرية الاختيار بين مئات السلع والعلامات التجارية، بينما هم في الواقع يضيقون الخيارات عليك في مساحة واحدة: مساحة الاستهلاك.

أنت حر في أن تختار لون القميص أو نوع السيارة، لكنك لست حرا في أن تقرر أن قيمتك لا تعتمد على هذه الممتلكات. ولأن مهندسي الوعي الاستهلاكي يدركون أن الإنسان يفر من التنميط كما يفر من العدم؛ فيغرونه بالتميز عبر سلعة معينة، فإذا تهافت عليها الحشد وذاب فيها القطيع سلب منها بريقها، ليبيعونه وهما جديدا أكثر حصرية وثمنا. فبعد أن جففوا مساحة الرضا الداخلي عنده؛ بدأوا يلعبون معه لعبة الهروب المستمر من التشابه، حيث يباع التميز كسلعة لمن يشعرون في أعماقهم بالنقص.

وقد تجلى هذا بوضوح في كثير من التجارب السلوكية الموثقة، ففي إحدى الدراسات الشهيرة في قطاع الأزياء الفاخرة، لوحظ أن النخبة من كبار الأثرياء يتوقفون تماما عن شراء منتجات معينة بمجرد ظهور نسخ مقلدة منها يرتديها عامة الناس؛ ليس لأن جودة المنتج الأصلي تغيرت، بل لأن معناه الاجتماعي تلوث بالتشابه مع الآخرين.

وكما حدث في إحدى الدول الكبرى حين قامت إحدى الشركات بتسويق سيارة لها على أنها عائلية واسعة لتناسب كبار السن، فامتنع الشباب عن شرائها تماما؛ ليس لخلل في محركاتها، بل هربا من صورة العجز المرتبطة بتلك الفئة.

وفي تجربة أخرى، وجد الباحثون أن بعض الفئات تتجه لشراء منتجات ذات شعارات مخفية لا يدرك قيمتها إلا الخبراء، هربا من المنتجات ذات الشعارات الضخمة التي يقبل عليها من يريدون استعراض الثراء الوهمي.

إنها هندسة تعتمد على تحويل السلعة إلى أداة للصراع الطبقي؛ فالمهم ليس ما تملكه، بل من الذي يشبهك فيما تملك. وبذلك، تضمن الرأسمالية استمرار الدورة؛ فبمجرد أن يلحق القطيع بالنخبة، تخلق الهندسة الاستهلاكية نخبة جديدة بسلعة جديدة، ويبقى الجميع في حالة لهاث دائم خلف سراب التميز.

لقد تم القفز فوق الهوية الفطرية التي كانت تستمد قيمتها من الدين أو الخلق أو العلم، ليتم اختزال الإنسان المستهدف في وحدة حسابية تقاس بما يملك، لا بما هو عليه.

ولكي تكتمل العملية، سخّرت الرأسمالية الاستهلاكية علوم الأعصاب والنفس لتحويل الاستهلاك إلى إدمان بيولوجي. فالإعلانات اليوم لا تخاطب العقل الناقد، بل تتسلل مباشرة إلى مراكز الدوبامين في الدماغ، مستغلة ثغرات الخوف من العزلة والرغبة في التفوق الوهمي. المهندس الاستهلاكي هنا لا يبيعك سلعة، بل يبيعك شعورا مؤقتا بالنشوة، سرعان ما يتبخر ليتركك في حالة جوع دائم لعملية شراء تالية.

هكذا يتم تنميط المجتمعات، وتحويل العالم إلى سوق كبير، يلبس فيه الجميع نفس الثياب، ويأكلون نفس الطعام، ويحلمون بنفس الأحلام الزائفة، مما يسهل قيادة هذا القطيع الاستهلاكي نحو أهداف المشغلين الكبار.

ولم يتوقف المختبر الاستهلاكي عند حدود السلع المادية، بل كان حاضرا بشكل دائم في عالم الوهم، حيث لا يحتاج مهندس الرأسمالية الاستهلاكية تصنيع سلعة حقيقية لسرقة جهدك، بل يكفيه التلاعب بالأمل، هذا التلاعب الذي مثّل الميدان الأكبر لعمليات هندسة الوعي الجماعي الاستهلاكي في التاريخ قديما وحديثا.

فقديما كانوا يبيعون أمل الخلاص من خلال صكوك الغفران وأمل الثراء عن طريق الخيمياء وتحويل المعادن الرخيصة لذهب، وحديثا يبيعون نفس الوهم تحت مسميات جديدة، من سندات الشركات الوهمية في القرن التاسع عشر، إلى العملات الرقمية المشفرة والمشتقات المالية والمراهنات الإلكترونية في القرن الواحد والعشرين.. إلخ.

لقد استغل المهندسون هنا غريزة الخوف من ضياع الفرصة، فيبيعون لهم الأمل في الخلاص النفسي أو الثراء بتلك الطريقة كرمز للذكاء والتميز عن القطيع التقليدي. والنتيجة؟ تحول الفرد إلى حارس لثروة وهمية تتأرجح بين عشية وضحاها، ليس له فيها أدنى سيطرة، بينما يظل هو يلهث خلف الشاشات، يراقب صعود وهبوط قيمته الإنسانية المربوطة بمؤشر رقمي، في أكبر تجسيد لسيادة العدم على الوجود.

وفي خضم هذا الاستنزاف، لا تظن أن مهندسي الرأسمالية الاستهلاكية يعملون في تناغم، بل هم في صراع وحشي على احتكار المساحات المتبقية في وعيك؛ صراع لا يرحم وتكون فيه المجتمعات هي الضحية الوحيدة.

فبينما يتسابق مهندس التقنية لاختطاف انتباهك عبر خوارزميات الإدمان، يحاول مهندس الموضة استنزاف ما تبقى من مدخراتك، ويدخل مهندس القروض البنكية ليعرض عليك تمويل أوهامك مقابل رهن مستقبلك. إنهم يتقاتلون على اقتطاع أكبر جزء من حياتك ووقتك ومالك، حتى تحول الإنسان إلى منطقة نفوذ ممزقة بين شركات تتصارع على من يضع يده أولا على مراكز الرغبة في دماغه.

وفي هذه الحرب الضروس، يتم تجريف القيم الاجتماعية والروابط الأسرية لصالح أرباح المساهمين والذين هم مستهلكون أيضا لمنتجات أخرى، فالمهم ليس استقرار المجتمع، بل من يربح المعركة على العقل المستهلك، ولو كان الثمن تحطيم الإنسان وتحويله إلى ركام من القلق والديون.

إن الخطورة الكبرى لهذا المختبر تكمن في تفكيك الروابط العضوية للمجتمع؛ فالإنسان المستهلك هو إنسان فرداني متطرف، لا يرى في الآخرين إخوة أو شركاء، بل منافسين في سباق الامتلاك والتميز. وهذا ليس من سمات الفردانية العاقلة الواعية المبنية على التميز الحقيقي والإبداع.

ولقد أدركت الرأسمالية الاستهلاكية أن الأسرة القوية والقبيلة المترابطة والقيم الدينية الصلبة هي عوائق أمام التمدد الاستهلاكي، لذا تعمل على تذويب هذه الكيانات لصالح الفرد المعزول، الذي يسهل إخضاعه وتهكير وعيه عبر الشاشات.

ومن الضروري أن نوضح هنا أن نقدنا هذا لا يستهدف جوهر التجارة كنشاط إنساني فذ، ولا الاقتصاد كمحرك لبناء الحضارات؛ فالتجارة في أصلها فطرة إنسانية قامت على تبادل المنافع وتجسير المسافات بين الشعوب، والاقتصاد السوي هو ذلك الذي يكرس الابتكار والتطوير لإنتاج ما يسهل حياة البشر ويدفع بعجلة التقدم الحقيقي إلى الأمام.

نحن لا نعارض الربح المشروع ولا التنافس في جودة الإنتاج، بل إننا ننقد بضراوة تلك الهندسة الاستهلاكية المشوهة، التي حرفت مسار الاقتصاد من كونه وسيلة لخدمة الإنسان؛ إلى غاية يتم فيها استعباد الإنسان لصالح نمو الأرقام.

إن ما نفككه هنا هو تحويل الاقتصاد من عملية تلبية احتياجات إلى عملية صناعة رغبات قهرية، حيث لم يعد المقياس هو ماذا يحتاج البشر ليعيشوا بكرامة، بل كيف نستخدم البشر كمستهلكين لضمان استمرار دوران الماكينة بغض النظر عن القيمة المضافة لحياتهم.

إننا ننقد هنا تحول المبتكر من باحث عن حلول لمشكلات البشر، إلى قناص يبحث عن ثغرات في علم الأعصاب ليخترق مراكز الإدمان في الدماغ؛ فالفارق شاسع بين اقتصاد يبني الإنسان عبر الإنتاج، واقتصاد يلتهم الإنسان عبر الاستهلاك الأعمى الذي يجرد السلعة من منفعتها ويجرد الفرد من سيادته على نفسه.

في الوقت الذي كان فيه العالم يتخبط في صراعات الطبقات، كانت الشريعة ترسخ ضوابط صارمة للتجارة والصناعة والزراعة وكافة العمليات اللوجيستية، ليس فقط لضمان جودة السلعة، بل لحماية إرادة المستهلك من الغرر والغش والخداع الذي يمارسه المهندسون الاستهلاكيون اليوم تحت مسميات التسويق الحديث

إن هذا الخطر الذي نكشفه اليوم، قد تنبهت له المقاصد العليا للشريعة الإسلامية باكرا، فوضعت سياجا أخلاقيا وتشريعيا يحمي الوعي الإنساني من الانزلاق في فخاخ المختبرات الاستهلاكية.

ففي الوقت الذي كان فيه العالم يتخبط في صراعات الطبقات، كانت الشريعة ترسخ ضوابط صارمة للتجارة والصناعة والزراعة وكافة العمليات اللوجيستية، ليس فقط لضمان جودة السلعة، بل لحماية إرادة المستهلك من الغرر والغش والخداع الذي يمارسه المهندسون الاستهلاكيون اليوم تحت مسميات التسويق الحديث. بل إنها ذهبت لأبعد من ذلك، حين خلقت داخل المجتمع نفسه طبقة حماية ذاتية عبر ترسيخ ضوابط داخلية في وعي الفرد؛ فجعلت تناول الطعام والشراب محكوما بقدر الاحتياج، وحولت الإنفاق من فعل استعراضي إلى فعل مسؤول تحت شرط قاطع ومشدد، فقال تعالى: "ولا تبذر تبذيرا"، وقال أيضا: "إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين".

إنها رؤية لم تنظر للاقتصاد كأرقام مجردة، بل كأمانة وقيمة، فمنعت احتكار السلع لرفع أثمانها، وحرمت الربا الذي هو الوقود الأول لدورة الديون الاستهلاكية، لتعيد تعريف الإنسان بأنه خليفة مكلف بالإعمار، لا كائنا مستهلكا مكلفا باللهاث خلف العدم.

وهذا لا يعني أن تطبيق تلك المقاصد قد تم بشكل نموذجي في المجتمعات الإسلامية على مر العصور، فهناك أخطاء حدثت وتجاوزات مُررت، وهذا ديدن الحياة البشرية، لكن ما يهمنا هنا هو الأصل الذي يمكن إحياؤه والبناء عليه.

بهذا الوعي، ندرك أن استعادة هويتنا تبدأ من كسر قيود هذا المختبر الاستهلاكي، والعودة إلى المرجعية القيمية التي تجعل الإنسان سيدا على المادة لا عبدا لها. ولكن، لكي نفهم الصورة الكاملة، سننتقل في المقال القادم إلى المختبر الثالث والأخطر على الإطلاق؛ مختبر الأيديولوجيا وصناعة العقائد البديلة، حيث يتم العبث ليس فقط بقرارك السياسي أو بنمطك الاستهلاكي، بل بالأساس الذي تبني عليه رؤيتك للكون والوجود.
التعليقات (0)