أرض الصومال.. تحالف صهيو-إماراتي يستهدف الأمن القومي المصري

مصطفى خضري
"بناء الإمارات لقاعدة عسكرية في بربرة كان أول إشارة لتدويل المنطقة عسكريا، بعيدا عن سيادة الدولة الصومالية المركزية"
"بناء الإمارات لقاعدة عسكرية في بربرة كان أول إشارة لتدويل المنطقة عسكريا، بعيدا عن سيادة الدولة الصومالية المركزية"
شارك الخبر
لم يعد تهديد الأمن القومي المصري يأتي من الشرق وحده، بل أصبح يُدار من الجنوب أيضا، بتمويل عربي مشبوه، وحراسة صهيونية عدائية. فقد مثّل إعلان دولة الاحتلال الاعتراف بجمهورية أرض الصومال في كانون الأول/ ديسمبر 2025؛ زلزالا جيوسياسيا في منطقة القرن الأفريقي، وتجاوزا لخطوط حمراء ظلت مستقرة لعقود. بالنسبة للقاهرة، لا يُعد هذا مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل هو اختراق مباشر لما يُعرف بالحديقة الخلفية لمصر، وتحديدا في منطقة تتحكم في شريان الحياة الاقتصادي (قناة السويس) والمائي (نهر النيل)، خاصة وأن هذا الحدث يخفي تحالفا خطيرا يستهدف الأمن القومي المصري.

ولفهم أبعاد هذا الاختراق وخطورة هذا التحالف، الذي يستهدف الأمن القومي المصري؛ لا بد من الغوص في توقيت هذا الاعتراف، الذي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تتويجا لتحول عميق في العقيدة الأمنية للكيان الصهيوني، تجاه القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة، وعلى رأسها مصر.

لماذا اعترف الكيان الصهيوني الآن بأرض الصومال؟

لسنوات طويلة، كان الصراع المصري الصهيوني المباشر - أو الأمني- يتركز في الجبهة الشرقية (سيناء وقطاع غزة). لكن باعتراف الكيان الصهيوني بأرض الصومال، نحن أمام استراتيجية جديدة لدولة الاحتلال ترتكز على استراتيجية الإزاحة الجيوسياسية: حيث ينقل الكيان الصهيوني الصراع من سيناء إلى باب المندب، وهو ما يعني فتح جبهة استنزاف دائم لمصر في أقصى جنوبها وذلك من خلال ثلاثة تكتيكات:

باعتراف الكيان الصهيوني بأرض الصومال، نحن أمام استراتيجية جديدة لدولة الاحتلال ترتكز على استراتيجية الإزاحة الجيوسياسية: حيث ينقل الكيان الصهيوني الصراع من سيناء إلى باب المندب، وهو ما يعني فتح جبهة استنزاف دائم لمصر في أقصى جنوبها

1- تشتيت القدرات العسكرية: حيث ستضطر الدولة المصرية الآن لتوجيه ميزانيات ضخمة، وجهود استخباراتية، وأمنية، نحو الجنوب (البحر الأحمر والقرن الأفريقي) لتأمين مصالحها، مما يخفف الضغط عن الجبهة الشرقية للكيان الصهيوني، ويجعل مصر محاصرة بملفات مشتعلة في كل الاتجاهات.

2- إحياء نظرية المحيط: حيث تعيد دولة الاحتلال إحياء استراتيجية ديفيد بن غوريون (نظرية المحيط)، والتي تقوم على تحالف الكيان الصهيوني مع الدول غير العربية المحيطة بالعالم العربي (مثل إثيوبيا وأرض الصومال حاليا) لخلق طوق أمني حول الدول المركزية الكبرى، وعلى رأسها مصر.

3- خنق الشريان بدلا من المواجهة: تدرك دولة الاحتلال أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع مصر في الشرق مكلفة ومستحيلة دوليا، ولن تضمن نتائجها، خاصة بعدما أظهر طوفان الأقصى ضعف جيش الاحتلال أمام حركة حماس، وهي فصيل عسكري صغير، وليس جيشا نظاميا قويا، لذا تلجأ إلى الخنق الهادئ في الجنوب. السيطرة على باب المندب عبر حلفاء (أرض الصومال) تعني التحكم في مفتاح الغرفة، الذي يدخل منه الرزق لقناة السويس.

بناء على هذه الاستراتيجية الجديدة، انتقل الكيان من مرحلة التخطيط النظري؛ إلى مرحلة التنفيذ الميداني، محولا إقليم أرض الصومال من مجرد منطقة تمرد على الحكومة الصومالية الشرعية -وغير معترف بها- إلى أداة ضغط تستهدف مصر بشكل مباشر.

وهنا سؤال يطرح نفسه: كيف حول الكيان الصهيوني أرض الصومال إلى خنجر في الخاصرة المصرية؟

من خلال هذا الاعتراف، تهدف دولة الاحتلال إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية في وقت واحد:

أولا، المقايضة السياسية: جعل ملف أمن الملاحة وجنوب البحر الأحمر ورقة ضغط يستخدمها الكيان الصهيوني لمساومة مصر في ملفات أخرى (مثل ملف غزة أو ملفات إقليمية).

ثانيا، التواجد الاستخباري الدائم: وتحويل إقليم أرض الصومال إلى برج مراقبة متقدم، يكشف كل التحركات المصرية تجاه أفريقيا، وتجاه الممرات المائية، وهو ما ينهي حالة الخصوصية الأمنية، التي كانت تتمتع بها مصر في تلك المنطقة.

ثالثا، دعم المنافس المائي: الاعتراف الصهيوني يعزز من قوة إثيوبيا (التي وقعت اتفاقا مع أرض الصومال للوصول للبحر). هذا الربط، يجعل الأمن المائي والأمن الملاحي المصريين مهددين من نفس النقطة الجغرافية، وهي أرض الصومال.

رابعا، تطويق قناة السويس: أي وجود عسكري أو استخباراتي صهيوني في بربرة؛ يعني قدرة تقنية على رصد وتعطيل الملاحة المتجهة إلى القناة، مما يجعل السيادة المصرية على أمن البحر الأحمر منقوصة، أو خاضعة لابتزاز الأمر الواقع.

خامسا، قواعد الاستطلاع: يتيح الاعتراف للكيان الصهيوني بناء مراكز رصد متطورة لمواجهة التهديدات (مثل الحوثيين)، لكنه في الوقت ذاته يمنحها القدرة على مراقبة التحركات البحرية المصرية، والنشاط التجاري العربي، في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

سادسا، ملف التهجير: رغم النفي الرسمي من جانب هرجيسا (عاصمة أرض الصومال المزعومة)، إلا أن التحليلات المصرية تخشى من صفقة خفية، يتم بموجبها ربط الاعتراف الصهيوني بقبول أرض الصومال لمخططات استيعاب سكان مهجرين من قطاع غزة. بالنسبة لمصر، هذا يمثل تصفية للقضية الفلسطينية من جهة، وعبئا أمنيا وسياسيا جديدا على حدودها الجنوبية من جهة أخرى.

بيد أن هذا الخنجر الصهيوني لم يكن ليصل إلى أعماق الجنوب المصري لولا وجود بيئة إقليمية مهيأة، وخيانة من دولة من المفترض أنها عربية، وتجمعها بالنظام المصري علاقة حميمة، وتوافق مصالح بين أطراف متعددة شكلت ما يمكن تسميته بـ"محور الضرر"، الذي أعاد رسم توازنات القوة في المنطقة

تحالف الضرر الذي يحاول خلق الكيان الصومالي

تتمسك مصر تاريخيا بمبدأ وحدة الأراضي الصومالية كحجر زاوية لاستقرار المنطقة، حيث ترى القاهرة أن تشجيع الحركات الانفصالية في الصومال سيؤدي إلى تأثير الدومينو في القارة الأفريقية، مما يغرق المنطقة في صراعات قبلية تضعف النفوذ العربي وتفسح المجال لقوى إقليمية معادية للتدخل.

وقد استثمرت مصر كثيرا في دعم الحكومة المركزية في مقديشو (بما في ذلك بروتوكولات الدفاع المشترك وإرسال قوات)؛ الاعتراف الصهيوني ينسف هذه الجهود، ويخلق كيانا موازيا، يوالي قوى لا تتفق مصالحها بالضرورة مع القاهرة.

وقد يؤدي محور الضرر (الكيان الصهيوني وإثيوبيا والإمارات) إلى أبعاد أكثر خطورة في الحسابات المصرية؛ حيث يكتمل المثلث الذي يهدد العمق الاستراتيجي لمصر:

1- إثيوبيا: تسعى للوصول للبحر الأحمر عبر أرض الصومال (اتفاقية ميناء بربرة).

2- الكيان الصهيوني: يسعى للتواجد الأمني في القرن الأفريقي.

3- الإمارات: تسعى للحصول على مكانة مصر عبر التحكم الناعم بنظام الحكم والاقتصاد الملاحي.

هذا التحالف الثلاثي يضع مصر بين فكي كماشة: ضغط من الجنوب (ملف السد الإثيوبي)، وضغط من الشرق الأفريقي (البحر الأحمر)، والتحكم في قناة السويس. هنا، الاعتراف الصهيوني يعطي إثيوبيا الغطاء السياسي والتقني؛ لتثبيت وجودها البحري، وهو ما تعتبره مصر تهديدا لوزنها الجيوسياسي.

وفي قلب هذا المحور، يبرز الدور الإماراتي كعامل حاسم؛ فإذا كان الكيان الصهيوني يمثل الرأس المدبر أمنيا، فإن أبو ظبي هي المحرك المالي واللوجستي، الذي مهد الأرض لهذا التحالف الغريب.

خريطة التحالف الصهيو-إماراتي في أرض الصومال

في هذا البعد الجنوبي، يظهر بوضوح خريطة التحالف الصهيو-إماراتي والتي تقوم على تكامل الأدوار، حيث:

- توفر الإمارات الغطاء المالي واللوجستي والبنية التحتية للموانئ (القوة الناعمة والاقتصادية).

- يوفر الكيان الصهيوني الغطاء الأمني والاعتراف السياسي ومنظومات الدفاع الجوي والاستخبارات (القوة الخشنة).

والنتيجة، إنشاء كيان وظيفي في جنوب البحر الأحمر، يعمل كوكيل لمصالح هذا التحالف، مما يسحب السيادة من الدول العربية الكبرى (مصر والسعودية تحديدا) ويضعها في يد محور الموانئ والتطبيع.

وعند التوسع في تحليل الدور الإماراتي في ملف أرض الصومال، نجد أنفسنا أمام استراتيجية الموانئ والنفوذ التي تتبناها أبو ظبي، والتي يراها الكثير من المحللين في القاهرة ومقديشو كدور مشبوه يتجاوز التعاون الاقتصادي؛ إلى العبث بالخرائط السياسية من عدة أبعاد:

البعد الأول: هندسة الانفصال عبر سلاح الموانئ

لم تكن دولة الاحتلال لتجد موطئ قدم في أرض الصومال لولا البنية التحتية التي جهزتها الإمارات من خلال:

1- ميناء بربرة: استثمرت شركة موانئ دبي العالمية مئات الملايين من الدولارات لتطوير الميناء وتحويله إلى شريان حيوي، مما منح هرجيسا الاستقلال المالي عن مقديشو. هذا الدعم الاقتصادي كان بمثابة اعتراف واقعي قبل الاعتراف السياسي الصهيوني.

1- القاعدة العسكرية: بناء الإمارات لقاعدة عسكرية في بربرة (قبل تحويلها لاحقا لغرض مدني ظاهريا) كان أول إشارة لتدويل المنطقة عسكريا، بعيدا عن سيادة الدولة الصومالية المركزية.

البعد الثاني: الإمارات كعرّاب للتقارب الصهيوني

يرى مراقبون أن الإمارات لعبت دور الوسيط السري لربط هرجيسا بتل أبيب، مستغلة زخم اتفاقيات أبراهام من خلال:

1- تصدير النموذج: تسعى الإمارات لتعميم نموذج التطبيع مقابل التنمية في القرن الأفريقي؛ الاعتراف الصهيوني بأرض الصومال يُنظر إليه كجزء من صفقة كبرى، تضمن فيها الإمارات حماية استثماراتها في الموانئ، عبر منظومات أمنية صهيونية متطورة.

2- التمويل والغطاء: يُعتقد أن التعهدات الاستثمارية الإماراتية الضخمة في أرض الصومال؛ كانت الجزرة التي أغرت قيادة الإقليم للمضي قدما في التحالف مع الكيان الصهيوني، رغم الرفض الشعبي والعربي الواسع.

البعد الثالث: تقاطع المصالح مع إثيوبيا ضد مصر

هنا يكمن الجانب الأكثر شُبهة بالنسبة للمصالح المصرية: فقد لعبت الإمارات دورا محوريا في دعم التقارب بين إثيوبيا وأرض الصومال (الذي منح أديس أبابا منفذا بحريا)، من خلال تسهيل مذكرة التفاهم الإثيوبية مع أرض الصومال، هذا التحرك يخدم إثيوبيا في عز أزمتها مع مصر حول السد الإثيوبي، مما يجعل الإمارات شريكا في إضعاف أوراق الضغط المصرية.

التشابك المعقد بين المال الإماراتي والأمن الصهيوني والطموح الإثيوبي؛ يضع الدولة المصرية أمام واقع جيوسياسي جديد، يتطلب ما هو أكثر من مجرد الدبلوماسية التقليدية

وقد سعت الإمارات إلى محاصرة النفوذ المصري من خلال دعم أرض الصومال وإثيوبيا، وتساهم الإمارات في خلق تكتل بديل في القرن الأفريقي؛ يقلص من قدرة مصر والسعودية على التأثير في أمن البحر الأحمر، ويجعل من الإمارات والكيان الصهيوني المتحكمين الفعليين في بوابات التجارة الدولية.

البعد الرابع: سياسة اللعب على الحبلين

ما يصفه البعض بالمشبوه هو التناقض الصارخ في المواقف الإماراتية: ففي العلن، تدعم الإمارات وحدة الصومال في اجتماعات الجامعة العربية وتوقع على بيانات الإدانة (لذر الرماد في العيون). وفي الخفاء، تستمر في تمويل الكيان الانفصالي المشبوه في أرض الصومال، وتجري مناورات لوجستية تخدم الوجود الصهيوني والإثيوبي هناك.

البعد الخامس: خصخصة أمن البحر الأحمر

الخطر الأكبر هو سعي الإمارات (بالتعاون مع الكيان الصهيوني) إلى تحويل البحر الأحمر من بحيرة عربية تنسق أمنها الدول المشاطئة (وعلى رأسها مصر والسعودية)، إلى منطقة نفوذ دولي تُديره شركات موانئ وقوى غير مشاطئة، مما يسحب البساط من تحت أقدام قناة السويس والجيشين المصري والسعودي.

الدور الإماراتي في هذه الصفقة ليس مجرد استثمار تجاري، بل هو إعادة هندسة جيوسياسية تهدف إلى استبدال الدور المصري الريادي في القرن الأفريقي بتحالف (إماراتي- صهيوني- إثيوبي) يسيطر على الأرض، والمياه، والقرار السياسي.

في النهاية، فإن هذا التشابك المعقد بين المال الإماراتي والأمن الصهيوني والطموح الإثيوبي؛ يضع الدولة المصرية أمام واقع جيوسياسي جديد، يتطلب ما هو أكثر من مجرد الدبلوماسية التقليدية.

إن ما يحدث ليس مجرد اعتراف بدولة، بل هو عملية جراحية جيوسياسية، تهدف لاستئصال النفوذ المصري التاريخي من القرن الأفريقي. كما أن نقل الصراع إلى الجنوب هو محاولة لتقزيم الدور المصري، بجعله محصورا في الدفاع عن حدوده وموارده الأساسية، بدلا من أن يكون لاعبا إقليميا مؤثرا. الرد المصري يتطلب استراتيجية مضادة تعيد بناء التحالفات مع القوى الرافضة لهذا التوسع (مثل تركيا، السعودية، جيبوتي، والحكومة المركزية في الصومال) لخلق سد منيع أمام هذا التطويق الجنوبي، حتى لو أدى ذلك إلى تدخل عسكري مباشر.
التعليقات (0)