هندسة الوعي (15): أوبر والاستعباد عبر التعلم بالتشابه

مصطفى خضري
"قامت شركات النقل التشاركي بهندسة وعي طرفي الخدمة (السائق والعميل) في ذات الوقت"- جيتي
"قامت شركات النقل التشاركي بهندسة وعي طرفي الخدمة (السائق والعميل) في ذات الوقت"- جيتي
شارك الخبر
بعد أن كشفنا في المقال السابق عن كيفية استغلال الرغبة في السيطرة على الغموض لتحطيم إرادة المستهدفين، ننتقل اليوم إلى آلية أكثر نعومة وخطورة في آن واحد؛ وهي ظاهرة التعلم عبر التشابه. إنها الثغرة الإدراكية التي لا يستخدمها مهندس الوعي ليخيفك من الجديد، بل ليجعلك تعانق الجديد ظنا منك أنه قديم مألوف، حتى تكتشف بعد فوات الأوان أنك تبنيت أيديولوجيا غريبة تماما بمسوغات مألوفة لديك.

في علم النفس الإدراكي، يميل العقل البشري لتوفير الطاقة عبر ربط المعلومة الجديدة ببنية معرفية سابقة. نحن لا نتعلم الأشياء من الصفر، بل نبحث لها عن شبيه في ذاكرتنا لنمنحها صك المرور. هذه القدرة الفطرية على ربط الجديد بما هو مألوف هي حصان طروادة الذي يمتطيه مهندس الوعي لتغليف الأفكار الغريبة بثياب ألفناها، فيحدث ما نسميه بالقبول السطحي؛ وهو تبني الفكرة لمجرد أنها تشبه ما نعرف، دون فحص جوهرها المختلف.

وتعتبر نظرية العالم السويسري جان بياجيه في التطور المعرفي من أهم المراجع التي فسرت كيف يدرك الإنسان العالم ما حوله من خلال التشابه، فهي تنطلق من فرضية أن العقل البشري كيان نشط يبني مخططات ذهنية لتنظيم وتفسير الخبرات الجديدة. وتتشكل هذه العملية من خلال ثلاثة مفاهيم مركزية؛ أولها المخططات الذهنية وهي بمثابة ملفات تحتوي على المعلومات المترابطة وتعمل كعدسات نرى من خلالها الواقع. أما المفهوم الثاني فهو الاستيعاب، وهي العملية التي يحاول العقل فيها تطويع الواقع الجديد ليتناسب مع ما يعرفه مسبقا، فإذا كانت المعلومة الجديدة تشبه ولو ظاهريا ما هو مخزن في الذاكرة، فإن العقل يمررها فورا طلبا للألفة وتوفيرا للجهد في فعل يميل إلى المحافظة المعرفية. وفي المقابل يأتي المفهوم الثالث وهو المواءمة، وتحدث عندما تصدمنا معلومة لا يمكن دمجها في أي مخطط قديم، مما يضطر العقل للقيام بعملية مجهدة لتغيير بنيته الداخلية ليتناسب مع الواقع الجديد.

العقل البشري يبحث فطريا عن الطريق الأسهل، وهو الاستيعاب عبر التشابه بما هو مألوف، مما يجعله قابلا للانخداع بالمظاهر المتشابهة التي تتسق مع مخططاته الراسخة تجنبا لعناء تغيير الأفكار المستقرة

ويرى بياجيه أن المحرك الدائم للنمو العقلي هو السعي نحو التوازن المعرفي؛ فعندما ننجح في استيعاب المعلومات بسهولة نشعر بالراحة والوضوح، أما عندما نفشل في ذلك فنحن نقع في حيرة تدفعنا إما للتعلم الحقيقي عبر المواءمة وتغيير القناعات، أو للهروب والبحث عن أي شبه زائف يمنحنا شعورا مؤقتا بالاستقرار. إن جوهر هذه النظرية يكمن في أن العقل البشري يبحث فطريا عن الطريق الأسهل، وهو الاستيعاب عبر التشابه بما هو مألوف، مما يجعله قابلا للانخداع بالمظاهر المتشابهة التي تتسق مع مخططاته الراسخة تجنبا لعناء تغيير الأفكار المستقرة. وقد كان هذا الميل الفطري لربط الجديد بما هو متشابه ومألوف؛ هو الذي صنع واحدة من أحدث وأكبر عمليات هندسة الوعي الرأسمالية، حيث قامت شركات النقل التشاركي بهندسة وعي طرفي الخدمة (السائق والعميل) في ذات الوقت.

فبنظرة متأنية، نجد أن منصات النقل التشاركي تعتبر من أبرز التحولات التقنية التي شهدها العصر الحديث، حيث نجحت في إعادة صياغة علاقة الإنسان بالمدينة وبالخدمات اليومية. وقد انطلقت هذه الفكرة من مبدأ بسيط وجذاب وهو استغلال الموارد المعطلة، وتطويع التكنولوجيا لخلق شبكة تعاونية تربط بين أصحاب السيارات الراغبين في زيادة دخلهم، وبين الركاب الباحثين عن وسيلة نقل آمنة وسريعة بضغطة زر واحدة.

ولقد تفوقت شركة أوبر بريادتها؛ كأول شركة نقل تشاركي تعمل على تحويل التكنولوجيا إلى نظام تشغيل رأسمالي بغطاء اجتماعي، حيث نجحت في هندسة نموذج الوسيط التقني للتهرب من التزامات التوظيف التقليدية. وتكمن عبقريتها في استخدام الاستيعاب والتعليم عبر التشابه، محولة الاستغلال المياوم (العمل باليومية كعمال التراحيل) إلى ثورة تشاركية مقبولة عالميا، مما جعلها تبدو وكأنها الحل السحري لتحديات النقل في المدن الكبرى، والثورة الحقيقية في عالم ريادة الأعمال الفردية ومكافحة البطالة.

لكن الجانب المظلم الذي تحاول هذه الشركات إخفاءه خلف غلاف التشارك والرقمنة هو العودة بقطاع العمل إلى عصر الاستعباد المياوم بآليات تقنية حديثة، من خلال:

1- نقل المخاطرة والأصول من الشركة إلى العامل، ففي النظام الرأسمالي التقليدي، الشركة هي من تمتلك الأصول وتتحمل مخاطر صيانتها وتأمينها. في اقتصاد المنصات، يتم هندسة وعي العامل ليظن أنه شريك بينما الحقيقة هي أنك تستهلك أصولك (أنت من يستهلك سيارته وهاتفه)، والشركة تأخذ نسبة صافية من الربح دون أن تتحمل درهما واحدا من تكاليف الإهلاك. وأنت تحمل المخاطر، إذا تعرضت لحادث أو مرض، المنصة ببساطة تغلق حسابك؛ فهي لا تعترف بك كموظف يستحق إجازة مرضية أو تعويضا.

2- الدكتاتورية الخوارزمية والعدوان على الكرامة، فالجانب المظلم هنا هو استبدال المدير البشري بالخوارزمية الصماء. تم إقناعك بالحرية، لكن الواقع هو أن هناك مراقبة لحظية (الخوارزمية تراقب حركتك، سرعة استجابتك، وحتى نسبة قبولك للرحلات)؛ إذا انخفضت النسبة تتم معاقبتك رقميا بتقليل الفرص أو الحظر. بجانب نظام التقييم (تم تحويل البشر إلى أرقام تقيمها الجماهير)، هذا النظام يخلق نفسا هشّة لدى العامل، حيث يظل في رعب دائم من نجمة واحدة قد تقطع رزقه، مما يجبره على تقديم خدمات إضافية مجانية للحفاظ على تقييمه.

3- تفتيت الكتلة العضلية للعمالة، تاريخيا كان العمال يتجمعون في المصانع ويشكلون نقابات للمطالبة بحقوقهم. الجانب المظلم للرأسمالية المنصّاتية هو تفتيت العمال، فكل عامل يعمل بمفرده داخل سيارته أو خلف شاشته، معزولا تماما عن زملائه.

4- التهرب من العقد الاجتماعي، فهذه الشركات لا تحارب المنافسين فقط، بل تحارب قوانين الدول، فهي ترفض دفع حصص التأمين الاجتماعي، الضرائب المهنية، وتكاليف الرعاية الصحية.

5- اقتصاد الإفقار، فالخوارزمية مصممة لخفض التكاليف لأدنى مستوى ممكن. الجانب المظلم هو خلق حالة من الجوع الرقمي، وعندما يزداد عدد العمال، ينخفض مقابل الجهد؛ العامل يجد نفسه يعمل ساعات أطول ليحقق نفس الدخل الذي كان يحققه قبل عام.

ولذلك لم تجد هذه الشركات سبيلا سوى هندسة الوعي الرأسمالي للمجتمع؛ لإخفاء حقيقة أننا نعود لنمط الإقطاع الرقمي؛ حيث يمتلك الإقطاعي الأرض الرقمية، ويعمل فيها الأقنان بأدواتهم الخاصة مقابل فتات، يضمن بقاءهم على قيد الحياة والاستمرار في الخدمة، من خلال صناعة أنماط بشرية قابلة للاستلاب، باستخدام ظاهرة التعلم عبر التشابه كالتالي:

أولا: صناعة الإنسان الأداة

حيث تتم هذه العملية داخل أروقة التخطيط الاستراتيجي، عبر هندسة ما يسمى بالتبعية المقنعة، حيث يتم استبدال لغة العقود الإلزامية بلغة التحفيز النفسي. يخطط مهندسو الشركة لتقليص النفقات الرأسمالية إلى الصفر عبر دفع السائق لتوفير الأداة الأساسية للعمل وهي السيارة، فيتم إيهام العامل بأنه مساهم وليس مجرد عامل، وذلك عبر تكريس مسمى الشريك. هذا اللبس المصطلحي يهدف إلى تخدير وعي السائق تجاه حقيقة استنزافه؛ فبينما تكتفي الشركة بتقديم الخوارزمية كوسيط رقمي لا يهلك ولا يحتاج لصيانة، يُدفع السائق لتبني دور المستثمر الذي يتحمل وحده العبء الأكبر للأصول.

ولكن لكي يقبل السائق تحمل هذا العبء الضخم، يتم اللعب على مخططاته الذهنية المرتبطة بالوجاهة الاجتماعية والاستقلال؛ يشعر السائق في لحظة تشغيل التطبيق بنشوة القائد الذي يفتتح مشروعه الخاص، ويتم تغذية هذا الشعور عبر واجهات رقمية صممت خصيصا لتعطي إيحاء بالسيطرة، فكل إشعار يصل له هو في نظره فرصة ربح يقتنصها بذكائه، بينما هو في حقيقة الأمر استجابة مبرمجة لنداء الخوارزمية التي تحركه كعبيد الحقل القدامى.

وعندما يمسك السائق مقود سيارته، يختلط لديه شعور الملكية بشعور الحرية، وهو التشابه الزائف الذي يمنع العقل من إدراك الفجوة بين الإيراد اليومي وبين التآكل الخفي لقيمة أصوله (السيارة). المخططون في الشركة يدركون جيدا أن السائق يشعر بالثراء اللحظي عندما يرى الأموال تتدفق في محفظته الرقمية، لكنهم يعلمون في الوقت ذاته أنه يستهلك مدخراته المستقبلية المتمثلة في عمر محرك سيارته وإطاراتها. هذا التداخل بين نشوة الإنجاز الفردي لدى السائق وبين منطق الاستنزاف البارد لدى الشركة يحول الإنسان إلى أداة تمول نفسها ذاتيا، فهو يمنح الشركة ولاءه الكامل ويدافع عن وجودها لأنه يراها القنطرة التي عبر منها إلى عالم الأعمال، في حين أن الشركة تراه مجرد وحدة إنتاجية مؤقتة تتحمل كافة المخاطر التشغيلية والديون البنكية وتكاليف الحوادث، لتخرج هي في النهاية بربح صاف لا تشوبه شائبة المسؤولية الأخلاقية أو القانونية تجاهه.

ثانيا: صناعة العقل التابع

في غرف التصميم البرمجي يتم الانتقال من مرحلة توفير الأداة إلى مرحلة برمجة السلوك، حيث يعمل مهندسو الواجهات على استغلال آلية التعلم عبر التشابه لدمج مفهوم العمل الشاق داخل مخطط ذهني مألوف ومحبب لدى الشركاء (السائقين)، وهي الألعاب الإلكترونية (الجيمز).

يعتمد العقل التابع هنا على آلية الحاجة إلى الانغلاق المعرفي، حيث يكره البقاء في حالة حيرة أو غموض، لذا توفر له الشركة كتالوجا رقميا يحاكي ألعاب الفيديو مما يجعل الدخول في علاقة التبعية أمرا يسيرا وممتعا في ظاهره.

يطلق على هذا التكتيك الألعَبة، حيث يتم تصميم تجربة المستخدم (السائق) لتشبه المهمات في الألعاب الإلكترونية عبر استخدام الألوان والرسوم البيانية وشرائط التقدم التي تشبه تماما تلك الموجودة في ألعاب الهواتف.

عندما يرى السائق شريطا يخبره أنه على وشك الوصول لترقية ذهبية يتحرك عقله لا إراديا لملء هذا الفراغ، متناسيا أنه بصدد القيام بعمل مادي مرهق (يستهلك وقته وجهده وسيارته) وصحته وليس جولة ترفيهية. كما تتم هندسة التبعية عبر نظام التعزيز المتغير، فصوت الإشعار صمم ليشبه صوت الفوز في آلات القمار. هذا التشابه الصوتي يربط إفراز الدوبامين بقبول الرحلة، مما يجعل العقل التابع في حالة انتظار دائم وحاجة نفسية لتلقي الأوامر من الخوارزمية ليتجنب شعور الفراغ الرقمي.

وعندما يغرق الشريك (السائق) في هذا النظام يبدأ عقله التابع في رفض أي حقيقة تصدم يقينه الرقمي. المخططون يدركون أن السائق الذي وصل لرتبة بلاتينية سيشعر بالتوازن المعرفي والرضا عن النفس، وهذا اليقين المصطنع سيعميه عن رؤية التناقضات الصارخة مثل أن رتبته العالية لا تمنحه حقوقا قانونية أو تأمينا حقيقيا.

العقل التابع هنا يفضل التمسك بالنجوم والجوائز الوهمية، لأنها توفر له الألفة المعرفية والوضوح السريع بدلا من مواجهة تعقيدات واقعه كعامل مستعبد. هذا التجميد للوعي يحول السائق إلى حارس للنظام، فهو يرفض التشكيك في نزاهة الخوارزمية لأنها أصبحت مرجعه المعرفي الوحيد ويظل يتبع الخريطة الرقمية؛ ليس بحثا عن الطريق بل بحثا عن حالة الاستقرار النفسي التي يمنحه إياها التشابه مع عالم الألعاب غافلا عن أنه اللاعب والرهان في آن واحد.

ثالثا: صناعة النفس الهشة

تنتقل هندسة الوعي في هذه المرحلة من برمجة السلوك إلى استلاب الأمان النفسي العميق؛ عبر استغلال آلية التعلم عبر التشابه، لربط لقمة العيش بمخطط ذهني اجتماعي راسخ وهو الحاجة إلى القبول والتقدير. يعمل مهندسو الشركات على محاكاة أنظمة التواصل الاجتماعي التي تجعل الإنسان يربط قيمته الذاتية بعدد الإعجابات أو المتابعين؛ مما يحول التقييم الرقمي من مجرد أداة جودة إلى حكم وجودي يقرر مصير الفرد.

يخطط المشرعون في هذه المنصات لخلق حالة من الهشاشة النفسية عبر ما يسمى تقنية تصفير الأمان، حيث يتم استخدام نظام النجوم الخمس كقنطرة تشابه مع أنظمة التقييم الأخلاقي والاجتماعي. عندما يرى السائق تقييمه ينخفض من خمس نجوم إلى 4.7 فإنه لا يشعر بنقص في الدخل فحسب، بل يشعر بجرح في كرامته ونبذ من المجتمع الرقمي الذي يخدمه. هذا التشابه مع شعور الرفض الاجتماعي يدفع النفس للدخول في حالة من الهشاشة والارتباك، حيث يصبح السائق مستعدا لتقديم تنازلات مذلة وخدمات إضافية مجانية فقط ليستعيد الرضا الرقمي الذي يحميه من رعب الإقصاء.

وعمليا يتم تغذية هذه الهشاشة عبر نظام التهديد الصامت بالتعطيل أو الحظر اللحظي. المخططون يدركون أن النفس الهشة تفتقر للمناعة ضد الغموض؛ لذا يتم استخدام نظام تقييم مبهم لا يسمح للسائق بمعرفة من منحه تقييما منخفضا أو لماذا.

هذا التشابه مع المحاكمات الغيابية يجعل السائق في حالة طوارئ نفسية دائمة، محاولا إرضاء كل راكب بشكل مبالغ فيه حتى لو كان الراكب متعسفا، خاصة لو كان محتاجا لهذا العمل أو منقطعا له، ودائما ما تشجع الشركة الشركاء (السائقين) على شراء سيارات بالتقسيط، فيربط أمان الشريك (السائق) وقدرته على سداد الأقساط باستمراره في العمل.

إن الهدف النهائي هو تحويل الشريك (السائق) إلى كائن مرتعش يقدس حالة الأمان التي يمنحه إياها التشابه المصنوع مع رتب الصفوة الاجتماعية، غافلا عن أن هذا النظام صمم ليجعله دائما على حافة الهاوية، حيث يسهل توجيهه والسيطرة عليه عبر التلاعب بخوفه الفطري من السقوط في نظر البرنامج الذي استبدل ضمير المجتمع بأرقام مجردة.

رابعا: صناعة الكائن الوظيفي

تصل هندسة الوعي في محطتها الأخيرة إلى مرحلة الاستلاب الجمعي؛ حيث يتم تخليق الكائن الوظيفي الذي يتجاوز السائق ليشمل المستهلك والمسؤول والمجتمع ككل. تعتمد الشركة هنا على آلية التعلم عبر التشابه لربط المستهلك بمخطط ذهني راسخ هو صاحب السيادة المطلقة أو النزيل، مما يخلق تشابها زائفا بين تطبيق النقل وبين خدمة الغرف في الفنادق الفاخرة.

داخل غرف الإدارة، يتم التخطيط لاستراتيجية الانحياز المطلق للمستخدم عبر هندسة وعي المجتمع ليتعامل مع السيارة الخاصة كأنها جناح فندقي متنقل، والسائق كأنه عامل خدمة غرف ملزم ببروتوكولات الضيافة الصارمة. هذا التشابه يحول السائق في نظر المجتمع من مستثمر رأسمالي يخاطر بأصوله وديونه وسيارته إلى مجرد وحدة وظيفية لا يحق لها الاعتراض. فالمستهلك الذي أصبح كائنا وظيفيا يقدس الرفاهية الرقمية، ينتظر من السائق أن يكون شفافا وغير مرئي تماما مثل عامل الفندق الذي يؤدي خدمته ويرحل؛ فإذا حاول السائق الحديث عن زيادة الأسعار أو تهالك سيارته، يرى فيه المجتمع خروجا عن النص الفندقي وإزعاجا لراحة النزيل الرقمي.

نجحت هذه الشركات عبر هندسة الوعي بالتشابه في تحويل الشريك إلى قن رقمي يمول الإقطاعي الجديد بأصوله وعمره، وتحويل المستخدم إلى رقيب متطوع يحمي نظام الاستغلال ظنا منه أنه يحمي رفاهيته

ويتوسع المخططون في استغلال هذا التشابه لقلب المنطق الاقتصادي رأسا على عقب؛ فبينما السائق هو الرأسمالي الحقيقي في هذه العملية لأنه من يمتلك أصول الإنتاج (السيارة) ويتحمل كافة المخاطر، إلا أن هندسة الوعي جعلت المجتمع يشبهه بالأجير الذي لا يملك حق الجدل. الشركة تقف دائما مع المستخدم ضد شريكها ببرود تقني، لأنها تدرك أن تحويل المجتمع إلى كائن وظيفي يضمن لها العملاء من ناحية، ومن ناحية أخرى جيشا من المراقبين المتطوعين الذين يحاكمون السائق بنظام النجوم ويطالبونه بالخضوع الكامل (كأنهم يقيّمون جودة ترتيب السرير أو نظافة الغرفة) مقابل فتات الإيراد.

إن الهدف النهائي هو خلق حالة من الهارموني الزائف حيث يصطف المجتمع مع الشركة ضد مصلحة السائق، مما يرسخ نظاما إقطاعيا جديدا يستهلك فيه المستخدم كرامة وأصول الشريك (السائق) تحت إشراف خوارزمية صماء استبدلت العقد الاجتماعي للعمل بشروط الخدمة الفندقية التي لا تقبل النقاش.

إن ما كشفناه في هذا التحليل يتجاوز مجرد انتقاد لشركة أو منصة؛ إنه كشف لآلية المسخ التي تمارسها الرأسمالية الرقمية الحديثة، من خلال هندسة وعي المجتمع ككل، حيث يتم تغليف أدوات الاستعباد القديمة بمظاهر التكنولوجيا المألوفة والمحببة للنفوس. لقد نجحت هذه الشركات عبر هندسة الوعي بالتشابه في تحويل الشريك إلى قن رقمي يمول الإقطاعي الجديد بأصوله وعمره، وتحويل المستخدم إلى رقيب متطوع يحمي نظام الاستغلال ظنا منه أنه يحمي رفاهيته. إن الوعي الحقيقي يبدأ من إدراك أن هذه المنصات لم تأتِ لتحررنا من البطالة، بل جاءت لتعيدنا إلى نمط الأُجَراء باليومية الذين لا يملكون حماية ولا حقوقا، في عالم يقدس المادة ويسحق الإنسان.

وفي هذا المشهد الذي يستهلك فيه القوي الضعيف، ويُزيّن فيه الاستغلال بأسماء الشراكة والتعاون، تبرز الحقيقة القرآنية التي تصف هذا الجور والتهافت على أكل مجهودات الناس بغير وجه حق، حيث يقول الله تعالى في سورة المطففين: "الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ".

فهذه المنصات حين تأخذ حقها من العميل ومن السائق تستوفي أرباحها كاملة بل وتزيد، لكنها حين تُقدّر جهد السائق وقيمة أصوله وحقه في الأمان والمخاطرة، تخسر الميزان وتبخس الناس أشياءهم، تاركة إياهم في عراء الإقطاع الرقمي يواجهون قدرهم وحيدين خلف شاشات تفاعلية تستهدف عقولهم ووعيهم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)