بعد أن
كشفنا في المقال السابق كيف يستخدم مهندسو
الوعي الحاجة لتبرير الفشل في السيطرة
على المؤيدين والأتباع، نصل اليوم إلى نقطة اختراق أكثر عمقا ونعومة؛ وهي استغلال
ظاهرة التعاطف الإنساني. فالقدرة على مشاركة الآخرين مشاعرهم والتألم لآلامهم هي
من أنبل الصفات البشرية، لكن مهندس الوعي يراها ثغرة مثالية للاستغلال. وبدلا من
ترك هذا التعاطف يتدفق بشكل عادل ونقي، يعمد المهندس إلى تسليط الضوء على قضية
فردية مختارة بعناية، ليحصر فيها كل المشاعر ويستنزف من خلالها الطاقة العاطفية
للشعوب، مما يؤدي إلى سلوك مشوه يُعرف بالعمى الوجداني.
تستند هذه
الخديعة النفسية إلى ظاهرة علمية معروفة باسم تأثير الضحية المحددة، وقد وثّق هذه
الظاهرة الباحثان بول سلوفيتش ودانييل كانيمان في دراسات رائدة، حيث أثبتت التجارب
أن الإنسان يتأثر عاطفيا وبشدة عند رؤية مأساة شخص واحد يملك اسما ووجها وقصة،
بينما يعجز عقله عن التعاطف بنفس القدر مع إحصائيات تضم آلاف الضحايا المجهولين،
بل إن التعاطف يتضاءل كلما زاد العدد، في مفارقة نفسية صادمة. هذا الخلل العاطفي
يؤدي إلى ما أسماه عالم الاقتصاد توماس شيلينغ بالخدر النفسي، ثم عمّقه سلوفيتش
لاحقا في أبحاثه حول انهيار التعاطف الجماعي؛ حيث تتخدر المشاعر تجاه الكوارث
الكبرى والظلم المنظومي الواسع، لأن الطاقة العاطفية استُهلكت بالكامل في تفاصيل
قصة فردية واحدة جرى تضخيمها وتسويقها ببراعة من قبل صناع الوعي.
يمنح الإنسان لنفسه، بعد فعل خير سابق، إذنا ضمنيا بالتغاضي عن أفعال لاحقة أقل أخلاقية. وهكذا، لا يصبح الفرد مجرد متعاطف مع الضحية المختارة، بل متعاطفا يملك رصيدا نفسيا جاهزا لتبرير أي سلوك يصدر عنها لاحقا، مهما كان منافيا للقيم التي يظن أنه يحملها
ولا نجد
في التاريخ الحديث نموذجا أتقن استخدام هذه الهندسة النفسية مثل الحركة
الصهيونية
في تعاملها مع الغرب وأوروبا تحديدا، فالحركة الصهيونية امتلكت ذكاء استثنائيا
وقدرة فائقة على فهم العقل الأوروبي، واستغلت ببراعة أدوات الإعلام والفن لصياغة
سرديتها. إلا أن هذا الذكاء التنظيمي جرى توظيفه في بناء منظومة
ابتزاز عاطفي
كبرى؛ حيث عزل مهندسو الوعي الصهاينة مأساة اليهود التاريخية في أوروبا، وحولوها
من حدث تاريخي مدان إلى أداة لتعطيل الضمير الأوروبي، وضمان انحيازه الكامل
والمطلق، دون النظر إلى الجريمة الكبرى التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني. وليس كل
ما سيُذكر ينطبق بالضرورة على كل فرد، فالحديث هنا عن الديناميكيات العامة التي
تنتجها البنى الإعلامية والسياسية الموجهة، وذلك عبر مراحل مرسومة بدقة كما سنبينه
فيما يلي:
أولا:
صناعة الإنسان الأداة
في هذه
المرحلة يقوم مهندس الوعي الصهيوني بخلع صفة العالمية والشُمول عن التعاطف
الإنساني الفطري، ليُعاد تشكيل الفرد وتوجيهه كأداة عاطفية مُسخَّرة لخدمة سردية
واحدة. في النموذج الصهيوني، لم يتوجه مهندسو الوعي إلى العقل السياسي الغربي أولا،
بل استهدفوا الفرد في جوهره الإنساني الخالي من التحصين الفكري؛ عن طريق تفكيك
المشاعر وإعادة توجيهها نحو هدف محدد. التنظيم الصهيوني لا يقدم للمواطن الأوروبي
أرقاما صماء عن ضحايا التاريخ، بل يقدم له مذكرات طفلة، أو قصة عائلة محددة، أو
تفاصيل إنسانية دقيقة تلامس الوجدان مباشرة.
الهدف هنا
هو تحويل هذه الضحية المختارة إلى المقياس الوحيد والأوحد للألم الإنساني في
العالم، بحيث تصبح هذه القصة هي العدسة الوحيدة التي يرى من خلالها الأوروبي معنى
المعاناة. ومن خلال التكرار المستمر في المناهج التعليمية والسينما والأدب، يتم
تجريد الفرد من شمولية ضميره ليصبح أداة استجابة مشروطة، لا تملك من أمر عاطفتها
شيئا إلا أن تفيض بالدموع والولاء المطلق للضحية التي اختارها المهندس وحدد
ملامحها وثبّت لها وجها واسما. وبذلك، يتحول الوجدان الفردي إلى منصة إطلاق
أخلاقية تمنح المشروع الصهيوني حصانة مبكرة ضد أي نقد مستقبلي.
ولا يقف
الأمر عند حد إعادة توجيه التعاطف، بل يتجاوزه إلى ما يشبه عملية استنزاف مبكرة
للضمير. فالفرد الذي منح القصة اليهودية كامل رصيده العاطفي، وأشبع حاجته النفسية
للشعور بأنه إنسان صالح، يقل لديه الدافع للتدقيق في سلوك الضحية التي تعاطف معها،
أو للبحث عن ضحايا آخرين. هذه الظاهرة تُعرف في علم النفس بالترخيص الأخلاقي، حيث
يمنح الإنسان لنفسه، بعد فعل خير سابق، إذنا ضمنيا بالتغاضي عن أفعال لاحقة أقل
أخلاقية. وهكذا، لا يصبح الفرد مجرد متعاطف مع الضحية المختارة، بل متعاطفا يملك
رصيدا نفسيا جاهزا لتبرير أي سلوك يصدر عنها لاحقا، مهما كان منافيا للقيم التي
يظن أنه يحملها.
ثانيا: صناعة
العقل التابع
بعد حصر
العاطفة في الضحية المختارة، يأتي الدور على العقل ليصاب بالعمى الوجداني؛ وهو
التعاطف مع ضحية واحدة بينما يتم تجاهل آلاف الضحايا الآخرين تماما. هنا ينجح
مهندس الوعي في إلغاء قدرة العقل الأوروبي على المقارنة أو رؤية التناقض الصارخ.
فالدموع
التي تُذرف على مأساة تاريخية يهودية هي نفسها التي تحجب الرؤية عن مجازر يومية
يرتكبها الاحتلال ضد الفلسطينيين. يصبح العقل عاجزا عن الربط، فيبكي لضحية الأمس
ويدعم جلاد اليوم، لأن النظام الفكري المصنوع داخله يرى أن أي تعاطف مع ضحية أخرى،
أو حتى محاولة لمساواة الضحايا في القيمة الإنسانية، هو تقليل من قداسة الضحية
الأولى وشكل من أشكال العداء غير المبرر لها.
على أن
هذا العمى الوجداني لا تغذيه فقط ديناميكيات الابتزاز العاطفي، بل تضاعف من فعله
شبكات مصالح مالية وعسكرية وصناعية عابرة للقارات تساهم هي أيضا في عمليات هندسة
الوعي لحساب مصالحها. فالكيان الصهيوني ليس مجرد ملاذ للضحايا في السردية الغربية،
بل هو سوق دائم للسلاح، ومختبر متقدم لتكنولوجيا المراقبة والأمن، وشريك استراتيجي
في اقتصاد الحرب الذي تدر أرباحه على نخب رأسمالية نافذة في الغرب. هكذا يغدو
التعاطف المشروط ليس مجرد استجابة نفسية للشعور بالذنب، بل أداة مزدوجة: يضمن
استمرار التبعية العاطفية من جهة، ويحمي امتيازات طبقية ومواقع في هرم اقتصاد
الحرب من جهة أخرى.
ثالثا:
صناعة النفس الهشة
في هذه
المرحلة، يتم إغراق النفس الأوروبية في دوامة من الشعور الدائم بالذنب والمسؤولية
التاريخية، مما يحولها إلى نفس هشة ترتعد خوفا من أي إدانة أخلاقية. يستنزف
المهندس الطاقة العاطفية لهذه النفس عبر اجترار مستمر لآلام الماضي، والمطالبة
الدائمة بالتعويض والاعتذار اللذين لا ينتهيان.
هذا الضغط
الوجداني المتواصل يُنهك النفس ويفرغها تماما من أي فائض عاطفي قد تمنحه لضحايا
آخرين؛ فتتحول إلى كيان مستنزَف، عاجز عن اتخاذ موقف قوامُه الحق، يعيش في رعب
دائم من وصمة معاداة السامية. هذا الارتعاش النفسي يربك بوصلتها الأخلاقية،
ويمنعها من استيعاب أن هذا الابتزاز العاطفي المستمر ليس إلا ستارا كثيفا يُراد به
حجب الجريمة المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، واستهلاك مخزونها الإنساني في معارك
وهمية مع التاريخ عوضا عن نصرة المظلوم في الحاضر.
والأخطر
من هذا الإرهاق النفسي هو ما يولده من سلوك وقائي معكوس؛ إذ لا تكتفي النفس الهشة
بالخوف من التهمة، بل تتحول إلى ممارس نشط للتهمة ذاتها ضد كل من يخرج عن الإجماع.
فالفرد الذي يرتعب من وصمة معاداة السامية لا يلتزم الصمت فحسب، بل ينبري أحيانا
لإسكات غيره، ومهاجمة المتضامنين مع فلسطين، والدفاع عن رواية الجلاد، لا لأنه
مقتنع بها، بل ليقطع الطريق على أي شك قد يطاله. هذه الآلية تُعرف في علم النفس
الاجتماعي بالامتثال الاستباقي، حيث يبالغ الفرد في إظهار الولاء للسردية السائدة،
لا إيمانا بها، بل حماية لنفسه من أن يكون الضحية التالية. وهكذا تتحول الهشاشة
الداخلية إلى عدوانية خارجية، وتصبح كل نفس منهكة شرطيا أخلاقيا على غيرها، مما
يوسع دائرة الحراسة الذاتية على السردية الصهيونية دون حاجة لأوامر مباشرة من
المركز.
رابعا:
صناعة الكائن الوظيفي
تكتمل
المنظومة حين يتحول الفرد -سواء كان سياسيا، أو مثقفا، أو مواطنا عاديا- إلى كائن
وظيفي يدور في تروس الماكينة الصهيونية. في هذه المرحلة الأخيرة، لا يقتصر دور
الفرد على الصمت أو التعاطف السلبي، بل بات يتحرك تلقائيا، وبدافع من حراسته
الذاتية للبرمجة النفسية التي صُنعت داخله، ليكون حاميا لهذه السردية المشوهة.
التحصن من هذا التلاعب الوجداني يبدأ من العودة إلى مفهوم العدالة الشاملة التي لا تجزئ الألم الإنساني، ولا تميز بين ضحية وأخرى بناء على العرق أو الدين أو المصلحة السياسية
وما يجعل
هذه الحراسة الذاتية فعالة لهذا الحد هو أنها لا تحتاج إلى أوامر خارجية لتستمر؛
فقد تطورت لدى الكائن الوظيفي آلية مراقبة ذاتية تحولت مع الزمن إلى عادة عقلية لا
واعية. إنه لا يسكت عن الحقيقة خوفا من عقاب خارجي فحسب، بل لأن أي فكرة مخالفة
للسردية الصهيونية تثير في نفسه قلقا داخليا عميقا، فيسارع إلى قمعها في مهدها قبل
أن تتحول إلى شك علني. هذه المراقبة الذاتية تجعله الشرطي والسجين في آنٍ واحد؛
شرطيٌ على أفكاره وأفكار غيره، وسجينٌ لبرمجته التي يظن أنها خلاصه الأخلاقي. فيبدأ
الكائن الوظيفي في ممارسة الرقابة الصارمة على نفسه وعلى مجتمعه، وينبري بحماس
مفرط لإخراس وتشويه أي صوت ينادي بالعدالة لفلسطين، أو يحاول تفكيك بنيان الظلم
المنظومي. إنه يخدم الآلة بكفاءة عالية لأنه يعتقد واهما أن قمع الحقيقة اليوم
والتغاضي عن دماء الأبرياء هو السبيل الوحيد للتكفير عن خطايا الأمس والحفاظ على
توازنه الأخلاقي، ليتحول بفعل العمى الوجداني من إنسان ذي ضمير، إلى مجرد أداة
وظيفية تحمي مجرم الحرب وتمنحه الغطاء الأخلاقي اللازم للاستمرار في طغيانه.
إن التحصن
من هذا التلاعب الوجداني يبدأ من العودة إلى مفهوم العدالة الشاملة التي لا تجزئ
الألم الإنساني، ولا تميز بين ضحية وأخرى بناء على العرق أو الدين أو المصلحة
السياسية. وقد جاء القرآن الكريم ليرسخ هذا الميزان الدقيق الذي يحمي العقول
والقلوب من الانحياز الأعمى والتعاطف الموجه الذي يخدم الباطل ويحجب الحق.
فيقول
الله تعالى في سورة النساء: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا
قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ
الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ". فالآية الكريمة تأمر بالعدل المطلق
والشهادة بالحق، متجاوزة العواطف الشخصية والانحيازات التاريخية أو القرابية.
ويقول
سبحانه في سورة المائدة محذرا من أن تدفع العواطف الموجهة أو الخصومات إلى غياب
الميزان المستقيم: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قوم عَلَىٰ أَلَّا
تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ". وهي دعوة صريحة لالتزام
العدل مع الجميع دون تأثر بالشحن العاطفي المحيط.
أما عن
حجب الحقيقة وتضخيم قصة فردية لإخفاء ظلم واسع ومنظومي، فيقول تعالى: "وَلَا
تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ".
وهي آية تفكك تكنيك مهندس الوعي الذي يخلط تفاصيل حقيقية بباطل عظيم ليحجب الرؤية
عن الصورة الكلية للظلم.
وانطلاقا
من هذا كله، فإن المجتمع الواعي هو الذي لا يترك مشاعره نهبا للمنصات الموجهة التي
تختار له من يبكي عليه ومن يتجاهله. إن العدل الحقيقي يبدأ حين يمتلك الإنسان
الشجاعة ليرى الصورة الكاملة، ويفهم أن دموع ضحية واحدة؛ لا تبرر أبدا سفك دماء
آلاف الأبرياء الآخرين، وأن الانعتاق من العمى الوجداني هو الخطوة الأولى لاسترداد
الضمير الإنساني الحر.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.