في معنى الغَلَبة والنصر

بحري العرفاوي
"الغلبة قد تتحقق بفعل مادي وفي مجال مادي، وفي غياب القوة الروحية، حين يغلب أصحابُ القوة العسكرية والعددية والتكنولوجية مَن هم أقل منهم قوة مادية ووسائل حربية"- جيتي
"الغلبة قد تتحقق بفعل مادي وفي مجال مادي، وفي غياب القوة الروحية، حين يغلب أصحابُ القوة العسكرية والعددية والتكنولوجية مَن هم أقل منهم قوة مادية ووسائل حربية"- جيتي
شارك الخبر
من المهم في معركة الوعي تحديدُ المفاهيم حتى لا يحصل خلطٌ لدى عموم الناس وحتى لا يكونوا محكومين بالحماسة فقط، فالحماسة على أهميتها لا تكفي لتحصين أصحابها من الصدمات النفسية حين تكون المآلات على خلاف الأشواق، وبقدر ما تكون الانتظارات كبيرة تكون "الصدماتُ" أعنف على أصحابها حين لا يجدون ما توقعوا مما هو خارج قانون التاريخ وخارج مبدأ الأسباب، وحين لا يكون لديهم "مخزون احتياطي" من الصبر والعزم والتحمّل.

"الغلبة" قد تتحقق بفعل مادي وفي مجال مادي، وفي غياب القوة الروحية، حين يغلب أصحابُ القوة العسكرية والعددية والتكنولوجية مَن هم أقل منهم قوة مادية ووسائل حربية، تلك "الغلبة" هي حالة ميلٍ لميزان القوة، وهي -أي الغلبة- ليست انتصارا، لأن الانتصار في حقيقته هو منع العدو من الوصول إلى كسر إرادة الطرف المقابل لارغامه على الاستسلام، بل وجعله يندم على جرأته بمعاندة الأقوياء وبإعلان قرار المواجهة.

حين يظل الطرف الأضعف ماديا يقاوم ولا ينكسر فإنه يحقق انتصارا على نوايا الطرف الأقوى الذي يريد فرض هزيمة عليه، فالهزيمة ليست "المغلوبية" إنما هي حالة نفسية

حين لا يحصل "الغالبون" على تسليم الطرف المقابل بالهزيمة فإنهم لن يكونوا قد حققوا انتصارا، بل سيظلون مسكونين بالقلق والخوف يتوجّسون دائما من مفاجآت تفسد عليهم شعورهم بالغَلبة وتكلفهم خسائر وتلحق بهم أذى غير متوقّع.

حين يظل الطرف الأضعف ماديا يقاوم ولا ينكسر فإنه يحقق انتصارا على نوايا الطرف الأقوى الذي يريد فرض هزيمة عليه، فالهزيمة ليست "المغلوبية" إنما هي حالة نفسية، حالة انكسار واستسلام للطرف الأقوى الأقدر على تحقيق الإيذاء والدمار والقتل والتخريب.

ثمة عامل حاسم في كل المعارك، سواء كانت المعركة مع التخلف أو المعركة مع الجهل أو المعركة مع الفقر أو المعركة مع الغزاة، إنه عامل الزمن، الزمن بما هو مجال الحركة ووقودُها، إننا نفعل في الزمن وبالزمن، وإن من يداوم ويصبر هو الذي سيحقق الانتصار حتى وإن جرَت عليه "مغلوبية" مادية لفترات من الزمن بسبب تفوق مادي للطرف المقابل.

إن الشعوب التي حققت تفوّقها هي الشعوب التي كان وعيُها بالزّمن حادّا، وهي التي لم يُصبها الكسل والخمول والتواكل وإنما بذلت جهدا وأخذت بالأسباب واستثمرت في الزمن بما هو ثروة حقيقية، فلم تهدر حياتها في اللغو والعبث والخصومات التافهة أو في اجترار الماضي وكتابة حواشيه وافتعال الخصومات حول تفاصيله، تلك الشعوب استوعبت ماضيها بعقل نقدي وفهمت واقعها بوعي عميق، واستشرفت مستقبلها بروح تفاؤلية وبتضامن بين مختلف المهارات والاختصاصات.

في المقابل، ظلت شعوب أخرى تتخذ من الزمن محطة انتظار تمارس فيها كل صنوف "القتل"، تقتل المواهب وتقتل الأحلام وتقتل الممكنات، "تنهش" نفسها وتُبرّر خيباتها وتُعطل مواهبها وتُبذّر ثرواتها، وتستخف بمصلحيها وترفع شأن تافهيها وتبجّل سفهاءها وتتعلق بالأوهام وتتخذ لنفسها من المشعوذين دليلا.

من يخوضون المعارك الحقيقية لا ينطلقون من حسابات الربح والخسارة من منطلقات شخصية، ولا يُحصون ما يقدمونه من تضحيات ولا يستكثرون على أهدافهم الكبرى أي ثمن، إنهم وهُم يبذلون وِسعهم في خوض معاركهم

وثمة عامل ثان مهم في المعارك الكبرى وهو ضامن للاستمرار في المنازلة والمداومة في المواجهة، إنه عامل "اليقين" الذي يكون عليه أصحاب الحق، ذاك اليقين هو مصدر الصبر والصمود والتضحية، وهو مصدر الكبرياء والشموخ وهو معين الأمل الذي لا ينضب.

"صبر" الموقنين ليس حالة انتظار لـ"فَرج" ينزل على القاعدين من السماء، ولا هو حالة قبول بما هو حاصل من المصائب والمهانة بادعاء كونها مما قَدّر الله على عباده، وهو سُبحانه لم يُقدّر لهم إلا الكرامة ولم يَدعهم إلا إلى علوّ الهِمة ورفعة الشأن وشموخ الحياة: "ولا تهِنوا ولا تحزنوا وأنتمُ الأعلون إن كنتم مؤمنين" (آل عمران: 139).

إن من يخوضون المعارك الحقيقية لا ينطلقون من حسابات الربح والخسارة من منطلقات شخصية، ولا يُحصون ما يقدمونه من تضحيات ولا يستكثرون على أهدافهم الكبرى أي ثمن، إنهم وهُم يبذلون وِسعهم في خوض معاركهم تلك يجدون أنهم يحققون ذواتهم، ويُعطون لوجودهم معنى ولإنسانيتهم جوهرا ولتاريخهم فخرا ومجدا وعنفوانا وإرثا تنهل منه الأجيال القادمة لتبني عليه وتتجاوزه بكل كبرياء وبفخر انتماء.

قد يرى البعض في هذا الكلام "إنشائية"! بمعنى الطوباوية التي لا مقومات مادية لها ولا معقولية فيها، وهو قول مفهوم ولكنه ليس مقنعا، هو قول مفهوم حين يصدر عمن بردت أرواحُهم وانكسرت أنفسهم وانسدت آفاقهم، فلا يفرقون بين مقتضيات العيش وفلسفة الحياة.

إن الممتلئين بالمعاني الكبرى وهم يواجهون صُنّاع الموت لا يهابون "الموت" ذاته، ولا يترددون في اقتحام المسالك الوعرة ولا يتهيّبون وعورة طريق ولا غلاء طرائق.

 x.com/bahriarfaoui1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)