غُبار الاستعلاء وقراءة بسنن الأفول!.. تأملات في استدراج القوة وانبعاث الوعي وورسالة النخبة المثقفة

محمد عماد صابر
"جرّ الكيان الصهيوني لمواجهة مباشرة مع قوى إقليمية كإيران، لم يكن مجرد تصعيد عسكري"- جيتي
"جرّ الكيان الصهيوني لمواجهة مباشرة مع قوى إقليمية كإيران، لم يكن مجرد تصعيد عسكري"- جيتي
شارك الخبر
في قلب العاصفة التي تعصف بالمنطقة، وبين ركام غزة الصامدة وأصداء المواجهة المباشرة (الإسرائيلية- الإيرانية-الأمريكية)، لا يرى الرائي المتأمل مجرد فوهات بنادق، بل يرى حركة دؤوبة لسننٍ كونية لا تتبدل. إنها اللحظة التي يلتقي فيها "فائض القوة المادية" بـ"عمى الغرور الاستراتيجي"، لتبدأ فصول تراجيديا كبرى، يسميها العقل الإيماني "استدراجا"، ويسميها العقل السياسي "الانتحار الوظيفي للدول".

حين تتوهم القوة أنها ملكت زمام القدر، تقع في فخ "الاستدراج" الأكبر. إن جرّ الكيان الصهيوني لمواجهة مباشرة مع قوى إقليمية كإيران، لم يكن مجرد تصعيد عسكري، بل هو تجلٍّ لسنة "الاستدراج"؛ حيث يُدفع الظالم دفعا لكسر قواعد الاشتباك التي كانت تحميه، ليجد نفسه في مواجهة استنزافٍ شامل يطال عُمقه الجغرافي ويهز صورته كـ"قوة ردع" لا تُقهر. هذه المواجهة هي "الفخ" الذي تهاوت فيه أسطورة الأمن المطلق، وبدأت معه الهجرة العكسية للنخب والأموال، في إعلانٍ صريح عن تصدع العقد الاجتماعي الصهيوني.

يُدفع الظالم دفعا لكسر قواعد الاشتباك التي كانت تحميه، ليجد نفسه في مواجهة استنزافٍ شامل يطال عُمقه الجغرافي ويهز صورته كـ"قوة ردع" لا تُقهر. هذه المواجهة هي "الفخ"

ولم يكن الأطراف الإقليميون الذين ارتهنوا لهذا المشروع بمنأى عن تداعيات هذا الاستدراج، لقد أصاب "شؤم الظلم" تلك العواصم التي راهنت على أن "المظلة الإسرائيلية- الأمريكية" هي صمام أمانها، فإذا بها تجد نفسها اليوم في عراءٍ استراتيجي، عالقة بين غضب شعوبها التي أيقظتها دماء غزة، وبين انكشاف "الحامي" الذي بات يستجدي الحماية للبقاء. لقد سقطت أوهام "الواقعية الزائفة"، وظهر أن ثمن المداهنة هو خسارة "الهيبة" و"السيادة" معا.

وسط هذا الصراع، حدثت المعجزة التي لم تحسب لها مراكز الدراسات الغربية حسابا: "ولادة الوعي الشعبي العابر للحدود". لم يعد الإنسان العربي والمسلم مجرد متفرج باك، بل تحول إلى "فاعل استراتيجي" حطم أصنام التضليل الإعلامي، وأعاد تعريف الصراع كقضية "حق وباطل". هذه اليقظة الجماعية هي "الجيش غير المرئي" الذي جعل من فكرة دمج الكيان في المنطقة جثة هامدة لا تجد من يواريها الثرى.

هنا يبرز الدور المحوري لـ"النخبة المثقفة"؛ فهي المنوط بها تحويل هذا "الوعي الانفعالي" إلى "مشروع نهضوي" عابر للأجيال. إن دور النخب اليوم يتجاوز قاعات المحاضرات ليصبح "مهندسا للوعي"، فعلى النخبة صياغة الرواية التاريخية والحقوقية بلسانٍ علمي رصين، يفضح زيف الأساطير الصهيونية ويكشف تهافت المنطق الإمبريالي في المحافل الدولية.

إن الوعي الشعبي يحتاج إلى خطط استراتيجية في الاقتصاد، والتقنية، والسيادة الدوائية، والغذائية. ومهمة النخب هي تقديم "خارطة طريق" تجعل المنطقة قادرة على الاستغناء عن "التبعية" المهينة، كما ينبغي التركيز على أن تحصين الأجيال وحماية العقل الجمعي من موجات "التزييف الفكري" و"الهزيمة النفسية"، وترسيخ مفهوم أن العلم والبحث العلمي هما الجناحان اللذان يحلق بهما الحق ليصبح قوة مهابة.

إن استدراج الكيان هو في جوهره استدراج للمشروع الإمبريالي الذي يغطيه، نحن نشهد اليوم "نهاية المركزية الأخلاقية" للغرب، وهو ما يمهد الطريق لنظام دولي جديد، لا تُكتب قواعده بالبارود فحسب، بل بإرادة الشعوب التي استعادت بوصلتها بفضل تضافر كفاح الميدان ومعرفة الأكاديميين.

إن الانهيار القادم لهذا المشروع وداعميه هو "تآكلٌ بنيوي" يسير في مساراته المحتومة. إن ما نراه اليوم هو ترتيبٌ قدَري، يُساق فيه الطغاة إلى حتفهم بظلم أيديهم وغرور قوتهم، بينما تنهض الشعوب من تحت الرماد، يقودها وعيٌ صلب ونخبةٌ عالمة تدرك أن ليل الظلم مهما تمدد، فإن شمس العدل بزوغها آتٍ لا محالة.




المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)