لماذا الحرب على إيران لا تدعو للدهشة؟

محمد الباز
"القوى الدولية تمتلك القدرة على فرض الردع وإعادة ضبط ميزان القوى بسرعة، لكنها لا تملك الحافز أو القدرة أو الرغبة لبناء نظام إقليمي مستقر "- الأناضول
"القوى الدولية تمتلك القدرة على فرض الردع وإعادة ضبط ميزان القوى بسرعة، لكنها لا تملك الحافز أو القدرة أو الرغبة لبناء نظام إقليمي مستقر "- الأناضول
شارك الخبر
لا تنفجر الحروب في الشرق الأوسط عادة بسبب لحظة مفاجئة أو قرار منفرد، بل تظهر عندما يصل اختلالٌ بنيوي طويل الأمد إلى نقطة لم يعد بالإمكان احتواؤه داخل الإقليم نفسه. ومن هذا المنظور، فإن الهجمات العسكرية الأخيرة ضد إيران لا تمثل انقطاعا في مسار المنطقة بقدر ما تعكس استمرار نمط تاريخي راسخ، كلما عجز الإقليم عن تنظيم أمنه ذاتيا، انتقلت إدارة أزماته تدريجيا إلى القوى الدولية.

بعبارة أخرى، المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في سياسات دولة بعينها، ولا في نزعة التدخل لدى القوى الكبرى، بل في غياب منظومة أمن إقليمي مؤسسية قادرة على إدارة التنافس وفرض قواعد سلوك مشتركة بين دول المنطقة. فالإقليم، منذ تشكّل دوله الحديثة، لم ينجح في بناء إطار جماعي يوازن بين السيادة الوطنية والاستقرار الإقليمي، الأمر الذي جعل معظم الأزمات تتطور دائما خارج حدود قدرته على الاحتواء.

نظريا، في الأنظمة الإقليمية المستقرة، تعمل مؤسسات الأمن الجماعي كآلية امتصاص للصدمات السياسية والعسكرية، فتمنع النزاعات من التحول إلى حروب مفتوحة. أما في الشرق الأوسط، فقد بقي الأمن مسألة وطنية منفردة، تُدار عبر التحالفات الثنائية المؤقتة وتوازنات القوة الآنية، لا عبر قواعد مؤسسية دائمة، ومع غياب هذه القواعد، أصبح التصعيد المسار الأكثر احتمالا كلما تعارضت المصالح أو انهارت الثقة بين الفاعلين.

كثيرا ما أعادت هذه التدخلات تشكيل الأزمات وفق مصالحها الاستراتيجية وأولوياتها الأمنية، ما جعلها جزءا من ديناميات الصراع بقدر ما كانت استجابة له

تمثل تجربة غزو العراق للكويت عام 1990م اللحظة الأكثر وضوحا لانكشاف هذا الخلل، فعلى الرغم من إدراك الدول العربية لخطورة الحدث على النظام الإقليمي، لم تتمكن من إنتاج ردع جماعي يمنع الغزو أو يفرض انسحابا سريعا. ومع تعذر إدارة الأزمة داخل الإقليم، انتقلت القيادة فورا إلى التحالف الدولي، لتتحول مسألة أمن الخليج منذ ذلك الحين من شأن عربي إلى ملف تحكمه الضمانات الأمنية الدولية.

النمط نفسه تكرر بصورة مختلفة في السودان، فالصراع الطويل الذي انتهى بانفصال الجنوب عام 2011م، لم يفتقر إلى المبادرات السياسية بقدر ما افتقر إلى مظلة إقليمية فعالة تمتلك القدرة على فرض تسوية مستدامة أو تقديم ضمانات تمنع التفكك. ومع استمرار العجز الإقليمي، انتقلت إدارة الأزمة تدريجيا إلى الفاعلين الدوليين الذين صاغوا مسار الحل وفق أولويات الاستقرار الدولي لا متطلبات بناء دولة موحدة. وهكذا لم يُفرض الانقسام من الخارج بقدر ما أصبح النتيجة الأكثر قابلية للتحقق في ظل غياب مبادرة إقليمية فعالة.

أما في ليبيا، فقد كشف انهيار الدولة عام 2011 حدود النظام الإقليمي بصورة أكثر حدة. فعلى مدى عقود، لم تنجح دول المنطقة في تطوير آلية جماعية للتعامل مع سياسات القذافي المضطربة -محليا وإقليميا ودوليا- رغم انعكاساتها المباشرة على استقرار الجوار. حتى اندلاع الثورة، لم يظهر إطار إقليمي قادر على إدارة انتقال سياسي أو احتواء الانزلاق نحو العنف، ومع تسارع الأحداث، تدخل حلف الناتو عسكريا دون وجود مشروع إقليمي لإعادة بناء الدولة، ما فتح الباب لانقسام طويل الأمد ما تزال تداعياته مستمرة.

ظاهريا، قد تبدو هذه الحالات أزمات منفصلة نشأت في سياقات سياسية مختلفة، غير أن قراءتها ضمن إطار واحد تكشف أنها تعكس طبيعة النظام الإقليمي ذاته أكثر مما تعكس خصوصية كل أزمة على حدة. فالأزمات في الشرق الأوسط نادرا ما تبدأ بوصفها صراعات عصيّة على الاحتواء؛ بل تنشأ غالبا كنزاعات سياسية أو أمنية محدودة قابلة للإدارة، قبل أن تتفاقم تدريجيا نتيجة غياب جهة إقليمية تجمع بين الشرعية السياسية والقدرة العملية معا، بما يمكّنها من فرض التسويات أو ردع التصعيد.

تاريخيا، تكرر هذا المسار لأن دول الشرق الأوسط لم تنتقل حتى الآن منذ نشأتها، من منطق التوازنات الوطنية المنفردة إلى مفهوم الأمن الإقليمي المشترك. فالدول تنظر إلى أي ترتيبات جماعية باعتبارها قيدا محتملا على سيادتها أو تهديدا لمكانتها النسبية في الإقليم، ما يجعل التعاون الأمني هشا ومؤقتا. ومع تراكم انعدام الثقة، يصبح الخيار المفضل هو إدارة الأزمات لا حلها، والحفاظ على حرية الحركة الفردية بدلا من الالتزام بقواعد جماعية ملزمة. في ظل هذا الواقع، تتحول المؤسسات الإقليمية إلى أطر سياسية رمزية تفتقر إلى أدوات التنفيذ.

هنا تحديدا يظهر التدخل الخارجي بوصفه استجابة لفراغ وظيفي أكثر منه تعبيرا عن هيمنة مطلقة، فالقوى الدولية تمتلك القدرة على فرض الردع وإعادة ضبط ميزان القوى بسرعة، لكنها لا تملك الحافز أو القدرة أو الرغبة لبناء نظام إقليمي مستقر طويل الأمد. غير أن هذا لا يعني أن التدخلات الخارجية كانت محايدة أو خالية من الحسابات الخاصة، إذ كثيرا ما أعادت هذه التدخلات تشكيل الأزمات وفق مصالحها الاستراتيجية وأولوياتها الأمنية، ما جعلها جزءا من ديناميات الصراع بقدر ما كانت استجابة له. ونتيجة لذلك، عالجت التدخلات الدولية أعراض الاختلال أكثر مما عالجت جذوره، وغالبا وفق رؤية دولية للاستقرار لا تنطلق بالضرورة من احتياجات الإقليم نفسه، الأمر الذي أعاد إنتاج الاعتماد على الخارج وجعل الأزمات اللاحقة أكثر احتمالا لا أقل.

لا يمكن فهم مسار التوتر الإقليمي خلال العقد الماضي دون إدراج السياسات الإيرانية ضمن سياق أوسع من اختلال التوازن الإقليمي والدولي معا. فقد استطاعت طهران توسيع نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن عبر توظيف مزيج من الأدوات السياسية والعسكرية والشبكات غير النظامية، مستفيدة من هشاشة الدول الوطنية وتراجع قدرة الردع الجماعية في الإقليم. وبالتوازي مع ذلك، تبنّت إيران على المستوى الدولي سياسات سعت إلى تعزيز موقعها التفاوضي والاستراتيجي في مواجهة القوى الكبرى، من خلال تطوير برنامجها النووي، وتوسيع قدراتها الصاروخية، واستخدام أوراق النفوذ الإقليمي كجزء من معادلة الردع الأوسع، ما أدى إلى تداخل متزايد بين ملفات الأمن الإقليمي وحسابات الأمن الدولي.

غير أن أهمية هذه الديناميات لا تكمن فقط في طبيعة السلوك الإيراني، بل في محدودية الاستجابة الإقليمية المنظمة تجاهه. إذ لم تنجح دول المنطقة في بلورة إطار أمني مشترك يحدد حدود النفوذ المقبول، ما سمح بتحول ساحات الأزمات إلى فضاءات تنافس مفتوحة. وبذلك، فإن تمدد الدور الإيراني يعكس بقدر كبير خللا بنيويا في النظام الإقليمي، حيث أتاح غياب آليات الاحتواء المؤسسي استمرار اختلال التوازنات غير المستقرة وتراكم أسباب التدويل لاحقا.

في هذا السياق، تصبح الحرب على إيران أقل مفاجأة، فالتوترات المتراكمة لم تكن نتاج التنافس الإقليمي وحده، بل نتيجة تفاعل مستمر بين سياسات إيران داخل الإقليم وسلوكها على المستوى الدولي، حيث تداخلت ملفات النفوذ الإقليمي مع قضايا الردع الاستراتيجي والبرنامج النووي والعلاقة المتوترة مع القوى الكبرى. ومع تعثر المفاوضات وغياب إطار أمني إقليمي قادر على استيعاب هذا التنافس أو دمجه ضمن قواعد ردع متفق عليها، تحولت الأزمة تدريجيا من نزاع قابل للإدارة السياسية إلى قضية أمن دولي مفتوحة على خيارات القوة.

طالما ظل الإقليم عاجزا عن بناء منظومة أمن جماعي قادرة على تنظيم التنافس وفرض قواعد الاستقرار، ستبقى الأزمات المحلية مرشحة للتحول إلى صراعات دولية، وسيظل الخارج لاعبا دائما في تحديد موازين الأمن الإقليمي

بناء على ما سبق، يظهر أن السؤال الحقيقي ليس لماذا تتكرر الحروب في الشرق الأوسط، بل لماذا نتوقع توقفها في ظل الشروط نفسها؟ فطالما ظل الإقليم عاجزا عن بناء منظومة أمن جماعي قادرة على تنظيم التنافس وفرض قواعد الاستقرار، ستبقى الأزمات المحلية مرشحة للتحول إلى صراعات دولية، وسيظل الخارج لاعبا دائما في تحديد موازين الأمن الإقليمي.

كسر هذا المسار المتكرر لا يتطلب بالضرورة بناء تحالفات كبرى أو مشاريع وحدوية طموحة؛ بقدر ما يتطلب تحولا تدريجيا في فهم الأمن داخل الإقليم نفسه، فالمشكلة الجوهرية لم تكن يوما غياب القوة، بل غياب الإطار الذي ينظم استخدامها ويحدّ من مخاطرها المتبادلة. لقد امتلكت دول الشرق الأوسط عبر العقود موارد عسكرية واقتصادية كافية للتأثير في مسارات أزماتها، لكنها افتقرت إلى قواعد مشتركة تضبط التنافس وتمنع تحوله إلى تهديد وجودي يدفع الأطراف إلى طلب الضمان الخارجي.

التجارب المقارنة تشير إلى أن الاستقرار الإقليمي لا يبدأ بإزالة الصراعات، بل بإنشاء آليات لإدارتها: قنوات اتصال دائمة، وترتيبات لخفض التصعيد، وفهم متبادل للخطوط الحمراء الأمنية. من دون هذه الأدوات، يبقى كل توتر مرشحا للتحول إلى أزمة مفتوحة، لأن غياب الثقة يجعل أسوأ السيناريوهات هي الافتراض الحاكم لسلوك الدول.

غير أن العائق الأكبر أمام هذا التحول يظل ميلا راسخا لدى دول المنطقة نحو مصالحها الوطنية على حساب الأمن الإقليمي، والاعتقاد بأن الأمن مسألة سيادية خالصة لا يمكن تقاسمها. هذا التصور، الذي نشأ في سياق بناء الدولة الوطنية والصراعات البينية، أصبح أحد مصادر هشاشة الأمن نفسه؛ إذ يدفع الدول إلى البحث عن ضمانات خارجية لتعويض غياب الضمان الإقليمي، وبمرور الوقت، يتحول الاعتماد على الخارج من خيار مؤقت إلى جزء من بنية النظام الإقليمي. وهكذا، لا تبدو الحروب في الشرق الأوسط أحداثا استثنائية بقدر ما هي أعراض متكررة لنظام إقليمي لم ينجح بعد في تنظيم أمنه بذاته.

x.com/MohamedBinElbaz
التعليقات (0)