من سلاميس إلى ديمونة: عقيدة الردع الإيراني وحتميات الصراع الإقليمي

عبد اللطيف مشرف
"التلويح بوضع مفاعل ديمونة في دائرة الاستهداف لا يمثل مجرد تهديد عسكري تقني"- جيتي
"التلويح بوضع مفاعل ديمونة في دائرة الاستهداف لا يمثل مجرد تهديد عسكري تقني"- جيتي
شارك الخبر
تمر منطقة الشرق الأوسط بلحظة تاريخية فارقة، تتجاوز في أبعادها مجرد المناوشات العسكرية التقليدية لتصل إلى صراع إرادات استراتيجية يهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى الدولية. وفي قلب هذا الصراع، تبرز طهران كلاعب يتقن فن المناورة تحت سقف الانفجار، متبنية استراتيجية الغموض الاستراتيجي الشامل؛ وهي العقيدة التي طالما أشرتُ إليها في تحليلاتي السابقة كأداة رئيسة لإدارة الصراع الراهن، تهدف من خلالها إلى إدارة التصورات الذهنية لدى واشنطن وتل أبيب، وإقناعهم بجدية التهديد واستمراريته دون الانزلاق لمواجهة لا يريدها أحد.

استراتيجية النفس الطويل: إدارة الاستنزاف المتدرج

إن جوهر الردع الإيراني لا يكمن بالضرورة في استعراض القوة العسكرية الصلبة أو الكشف عن ترسانة الصواريخ، بل في القدرة الفائقة على إدارة التصورات الذهنية لدى صانع القرار المعادي. تعتمد طهران تكتيك الاقتصاد في القوة، حيث تدير الجبهات المشتعلة ببطء شديد، ممتنعة عن حشد كافة أوراقها وحلفائها في "محور المقاومة" دفعة واحدة.

تعتمد طهران تكتيك الاقتصاد في القوة، حيث تدير الجبهات المشتعلة ببطء شديد، ممتنعة عن حشد كافة أوراقها وحلفائها في "محور المقاومة" دفعة واحدة

هذا الإبقاء لجبهات معينة خارج الخدمة المؤقتة ليس علامة ضعف، بل هو ادخار استراتيجي يهدف إلى إبقاء الخصم الأمريكي والإسرائيلي في حالة استنفار دائم وتشكك وجودي حول توقيت وكيفية انفجار الجبهات النائمة. إنها حرب استنزاف نفسية تجبر الخصم على الغرق في رمال متحركة، حيث يستهلك طاقته في ترقب المجهول الذي قد لا يأتي أبدا، أو يأتي في اللحظة التي تبلغ فيها درجة إنهاكه ذروتها.

الغموض السيادي: الداخل كجزء من المعركة

هذا الغموض الخارجي يتوازى مع غموض هيكلي في بنية السلطة والقرار داخل إيران. فخلف ستار التصعيد العسكري، تبرز تساؤلات حول ملف الخلافة والدور الاستراتيجي لمجتبى خامنئي، مما يرسل رسائل مبطنة بأن المؤسسة الحاكمة ترتب أوراقها لصراع نفس طويل قد يمتد لأجيال. هذا التماهي بين غموض البرنامج النووي وغموض هرم السلطة يخلق ضبابية سياسية تمنع الخصوم من بناء استراتيجية "ضربة قاضية" مستقرة، ويجعل من استهداف النظام مقامرة غير مأمونة النتائج.

ديمونة والكي بالوعي: كسر الاستثناء النووي

إن التلويح بوضع مفاعل ديمونة في دائرة الاستهداف لا يمثل مجرد تهديد عسكري تقني، بل هو عملية كي وعي جمعي تهدف لكسر "التابو" النووي الإسرائيلي. هنا تبرز الأسئلة الاستراتيجية والأخلاقية التي نكرر طرحها: لماذا تظل إسرائيل الطرف الوحيد الذي يمتلك الردع النووي المنفرد في المنطقة؟ وهل كُتب على شعوب المنطقة أن تعيش تحت رحمة العربدة الاستراتيجية التي يحميها صمت القانون الدولي؟

إن استهداف العقيدة النووية الإسرائيلية هو محاولة لإنهاء مفهوم الوضع الخاص الذي سمح لتل أبيب بالبقاء خارج رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لعقود. المواجهة القادمة، بحكم الضرورة، ستحتم على المنطقة إما القبول بتوازن رعب شامل يمتلك فيه الجميع أدوات الردع، أو الضغط باتجاه إخلاء المنطقة تماما من أسلحة الدمار الشامل لضمان أمن إقليمي متكافئ.

الغموض الخارجي يتوازى مع غموض هيكلي في بنية السلطة والقرار داخل إيران. فخلف ستار التصعيد العسكري، تبرز تساؤلات حول ملف الخلافة والدور الاستراتيجي لمجتبى خامنئي، مما يرسل رسائل مبطنة بأن المؤسسة الحاكمة ترتب أوراقها لصراع نفس طويل

من سلاميس إلى ديمونة: دروس التاريخ الأزلية

بصفتي باحثا في التاريخ السياسي، أجد في معركة سلاميس (480 ق.م) دروسا لا تسقط بالتقادم، ففي تلك الحروب الميدية القديمة، استطاعت المدن اليونانية الصغيرة كسر هيبة فارس العظمى رغم تفوّق الأخيرة العددي، وذلك بفضل الغموض، والمفاجأة، والإيمان بالذات. واليوم، يبدو المشهد معكوسا؛ حيث تحاول روما الجديدة (أمريكا) فرض هيمنتها التكنولوجية، بينما تستلهم قوى المنطقة من تاريخ خصوم اليونان القدامى دروسا ضبابية الخطط لمواجهة العتاد الضخم، فالروح المعنوية والقدرة على المناورة في البيئات غير المتوقعة تظل هي السلاح الأمضى الذي يحيد التفوق التكنولوجي.

خيار شمشون والمعادلة المصرية

وفيما يخص خيار شمشون الإسرائيلي -الذي يمثل عقيدة انتحارية تهدف للتدمير الشامل في حال التهديد الوجودي- فإن الاستراتيجية الذكية تكمن في الالتفاف حوله لا الاصطدام به مباشرة، وهو ما تفعله إيران عبر حروب الظل.

لكن، وبالنظر إلى الجغرافيا السياسية، فإن هذا المسار التاريخي في صراع الإرادات ليس حكرا على إيران، فالقراءة المعمقة تؤكد أن مصر ليست بمعزل عن هذا القدر الجيوسياسي. إن المواجهة المصرية-الإسرائيلية تظل، في منظور الأمن القومي الشامل، حتمية تاريخية تفرضها تناقضات المصالح الكبرى وصراع السيادة على المنطقة. لذا، فإن الاستعداد المصري يجب أن يقوم على ما لا يتوقعه أحد، وبناء قوة ردع تعتمد على المفاجأة الاستراتيجية التي تكسر غطرسة القوة التقليدية والنووية على حد سواء.

للنقاش العام:

إذا كان التاريخ يخبرنا أن المفاجأة والغموض كسروا هيبة الإمبراطوريات العظمى قديما، فهل تمتلك القوى الإقليمية اليوم -وعلى رأسها مصر- أدوات المفاجأة الاستراتيجية الكفيلة بتغيير قواعد اللعبة الدولية بعيدا عن الرضوخ للإملاءات النووية؟

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل