في
لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون الأسئلة السياسية مجرد تحليل للواقع، بل تصبح مرآة
تعكس طريقة تفكيرنا، وكيف تتشكّل مواقفنا، وكيف نُستدرج إلى اصطفافات لا نصنعها،
بل تُصنع لنا. وفي أجواء الحرب الدائرة اليوم بين
إيران من جهة،
و"
إسرائيل" والولايات المتحدة من جهة أخرى، يعود إلى الواجهة سؤال قديم
في جوهره: لماذا تنقسم مواقف العرب والمسلمين إلى هذا الحد وبهذه الحِدّة؟ ولماذا
يبدو الجدل حول هذه الحرب أشبه بما يُسمّى "الجدل البيزنطي" الذي ينشغل
فيه الناس بالتفاصيل بينما ينهار العالم من حولهم؟
هذا
السؤال ليس جديدا، لكنه اليوم أكثر إلحاحا. فالحرب الحالية ليست مجرد مواجهة
عسكرية، بل هي اختبار لوعينا السياسي والديني والاجتماعي، ولقدرتنا على قراءة
الصراع دون أن نتحوّل إلى أدوات يستخدمها هذا الطرف أو ذاك.
من
قصة رمزية إلى مرآة حضارية
تنتشر
في التراث العالمي قصة رمزية تقول: بينما كان علماء بيزنطة (القسطنطينية لاحقا)
يتجادلون حول "جنس الملائكة"، اقتحمت جيوش محمد الفاتح أسوار المدينة.
ورغم أن القصة غير موثقة تاريخيا، فإنها أصبحت رمزا لحالة حضارية: الانشغال بالجدل
العقيم بينما الخطر الحقيقي يقترب. (في الرواية
المصرية، كانوا يتناقشون حول أيهما وُجِد أولا: البيضة أم الفرخة)!
وفي
التراث العربي والفارسي، تظهر قصص مشابهة عن "مدينة الحكماء" أو
"مدينة الفلاسفة" التي سقطت؛ لأن أهلها كانوا غارقين في المناظرات بينما
كان العدو يقترب. هذه القصص ليست تاريخا، بل تشخيص نفسي-سياسي لحالة تتكرر في كل
حضارة حين تدخل مرحلة الضعف: الانفصال بين الفكر والواقع، بين الكلام والفعل، بين
النخب والعامة.
اليوم،
ونحن نرى الانقسام العربي والإسلامي حول هذه الحرب التي تدور رحاها تحت أنوفنا
وأمام أعيننا، يظهر ما في هذه القصص من الحكمة والتنبيه، لمن كان له قلب أو ألقى
السمع وهو شهيد.
صراع
مركّب
يلجأ
الكيميائيون إلى خلط بعض العناصر مع بعضها بعضا؛ للحصول على عنصر جديد يحمل
مواصفات أفضل من مواصفات كل عنصر على حده، وكذلك يفعل السياسيون!
خلط
الدين بالسياسة وصفة مثالية؛ لإنتاج موقف صلب يصعب التراجع عنه، وينتج خطابا
تعبويا يشحذ الهمم، ويجعل الموت أمنية وشرفا في آن. الصراع بين إيران و"إسرائيل"/أمريكا
ليس صراعا دينيا خالصا، رغم أن كل طرف يستخدم الدين في خطابه. وهو ليس صراعا قوميا خالصا، رغم أن
مفردات: الفرس، والعرب، واليهود، تُستدعى في الخطاب. إنه
في جوهره صراع مُركّب يختلط فيه الدين بالسياسة؛ لامتلاك القوة والنفوذ والهيمنة،
وتُستخدم فيه الهويات الدينية كأدوات تعبئة لخوض الحرب بمعنويات عالية.
"إسرائيل" والولايات المتحدة تصوغان
الصراع بوصفه مواجهة مع "الخطر الشيعي الإيراني"، بهدف تحويل بوصلة
المنطقة من فلسطين إلى إيران، ومن جزيرة إبستين إلى الشرق الأوسط!
وإيران
تصوغ الصراع بوصفه مواجهة مع "الاستكبار العالمي"، بهدف شرعنة نفوذها
الإقليمي، وتقديم نفسها راعيا لمحور المقاومة الذي يخوض صراعا دينيا بامتياز مع
عدو الإسلام التاريخي، وهذا موقف من الصعب المحاجّة
فيه، إذا أردنا الإنصاف.
وبين
هذين الخطابين، ينقسم العرب والمسلمون إلى ثلاث "فرق" رئيسية:
1. "فرقة"
ترى أن
الشيعة واليهود سواء، بل الشيعة أسوأ من اليهود عند البعض، وأن إيران عدو
عقدي لا يقل خطرا عن إسرائيل. هذه "الفرقة" تنطلق من قراءة
دينية-هوياتية ترى أن الخطر "العقدي" مقدّم على الخطر "السياسي".
2. "فرقة"
تصطف مع إيران سياسيا لا دينيا؛ لأنها ترى أن الخطر الوجودي الصهيو-أمريكي أكبر من
الخلاف العقدي، كونه يهدد وجود الإسلام ذاته. هذه "الفرقة" تنطلق من
قراءة سياسية ترى أن إسرائيل مشروع استعماري استئصالي إحلالي يستهدف الوجود العربي
الإسلامي في العالم، وليس في المنطقة فحسب.
3. "فرقة"
ثالثة ترى أن أي أذى يصيب إيران هو عقاب إلهي على أفعالها الآثمة في سوريا والعراق
واليمن. هذه "الفرقة" تقف موقف "المتفرج الشامت"، ولا يزعجها
أبدا مشهد الحمم التي تُلقِي بها "إسرائيل" وأمريكا فوق رؤوس المدنيين
الآمنين في إيران، حتى لو كانوا أطفالا تتراوح أعمارهم بين السادسة والثانية عشرة،
وهم يلهون في فناء مدرسة ابتدائية.
هذه
المواقف الثلاثة ليست مجرد آراء، بل تعبير عن هويات نفسية واجتماعية وسياسية
تتصارع داخل الوعي العربي الإسلامي.
المرجعية
الإسلام والمواقف متباينة!
هناك
قاعدة فقهية تقول: "لا إنكار فيما اختُلِف فيه"؛ لو عمل بها المسلمون
لكنا اليوم خير أمة على الحقيقة، ولصَفَت النفوس، وساد التفاهم والوئام بدلا من
الجدل والسفسطة اللذيْن يحوّلان الخلاف (غالبا) من مجرد رأي إلى خصومة في الدين..
مأساة!
لكن
الواقع يقول إن الخلافات بين المسلمين لا تموت، بل تتجدد على الدوام في مناسبات
معينة، أو كلما تهيأت الظروف، مثل الخلاف حول هلال رمضان: الرؤية بالعين أم
بالحساب الفلكي؟ وزكاة الفطر: حبوب أم نقد؟ ومسائل أخرى كثيرة يمكن تجاوزها عملا
بهذه القاعدة الذهبية.
وبمناسبة
الشهر الكريم الذي يمر بنا هذه الأيام، اسمح لي -عزيزي القارئ- أن أفتح قوسا لأسوق
لك هذه المعلومة: شاهدت مقطع فيديو لشاب سعودي متخصص في علم الفلك قال
فيه: "قمت بدراسة لمطالع هلال رمضان في آخر 66
سنة، فتبين لي أن الرؤية
البصرية للهلال أخطأت في 38 حالة منها". أي أن السعوديين ومن أفطر معهم في
منطقتنا صاموا رمضان في غير موعده 38 مرة، اعتمادا على شهادة أحدهم بأنه رأى
الهلال، وما كان هناك هلال! هل يُعقل هذا؟!
عودة
إلى موضوعنا..
الخلافات بين المسلمين ليست فقهية فقط، وإنما تُشكِّل:
- هوية نفسية: كل موقف يمنح صاحبه شعورا
باليقين والتفوق الأخلاقي.
- ذاكرة اجتماعية: تجارب الشعوب تبعا للقومية أو
شخابيط سايكس-بيكو.
- اصطفاف سياسي: كل دولة أو جماعة تحدد "عدوها
الأول" وفق مصالحها القُطرية أو القومية، حتى لو كانت تتصادم مع الدين.
- رواية دينية: كل طرف يُلبس موقفه ثوبا دينيا ليمنحه
قوة رمزية.
لذلك
لا تموت القضايا "الخلافية" بين المسلمين؛ لأنها ليست "خلافات
فقهية" رغم كونها كذلك، بل "خلافات وجودية" في نظر أصحابها.. مأساة!
جذور
الانقسام.. من السياسة إلى العقيدة
لفهم
الاصطفافات الحالية، لا بد من العودة إلى الجذور. فالانقسام السني-الشيعي لم يبدأ
"خلافا دينيا"، بل بدأ "خلافا سياسيا" حول من يتولى الحكم بعد
وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
فريق رأى أن الشرعية بالشورى.. تطور لاحقا إلى
"أهل السنة"، وظل معمولا به في زمن الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله
عنهم، وفريق رأى أن الشرعية بالنص والوصية لأهل
البيت.. تطور لاحقا إلى "الشيعة"، وفق روايات ينكرها "أهل السنة".
الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار لوعينا، والانقسام السني-الشيعي ليس مجرد خلاف تاريخي، بل جرح مفتوح يُعاد نكؤه في كل صراع
مع
مرور الزمن، تحوّل "الخلاف السياسي" إلى "خلاف عقدي"، ثم إلى
هويات مغلقة، ثم إلى حدود سياسية بين دول وإمبراطوريات (صفوية/عثمانية)، وأصبحت
أحداث مثل: كربلاء والفتنة الكبرى جروحا رمزية تُستدعى في كل صراع جديد.
اليوم
تُستخدم هذه الذاكرة في الحرب الحالية: إيران تُصدِّر "خطاب المستضعفين"
وهم محقون حسب معطيات الواقع، وخصوم إيران من "أهل السنة" يُصدِّرون
خطاب "سَبّ الصحابة"، وهو أمر مُحرّم بفتوى من المراجع الدينية العليا
للشيعة، "إسرائيل" وأمريكا تُصدِّران الانقسام؛ لتفتيت المنطقة لغايات
دينية محضة مغلفة بالسياسة.. وهكذا يتحول الانقسام القديم إلى وقود لصراع جديد.
كيف
نقرأ الحرب دون أن نُستخدم؟
السؤال
الأهم ليس: مع من نقف؟ بل: كيف نفهم الصراع دون أن نتحول إلى أدوات في أيدي
الآخرين؟ الميزان
الذي يمكن أن يحمي وعينا هو:
- لا إيران تمثل الإسلام، ولا إسرائيل تمثل
اليهودية، ولا أمريكا تمثل العدالة ولا الحضارة.
- فلسطين ليست تفصيلا في الصراع، بل قضية مركزية.
- الخلاف السني-الشيعي يجب ألا يُستخدم لطمس السؤال
الأهم: لماذا نحن المسلمون ضعفاء إلى هذا الحد؟
إن
أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن ننشغل بجدل "بيزنطي" جديد -وهو الحاصل-
بينما تُعاد صياغة المنطقة من حولنا، بل والعالم.
الحرب
الحالية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار لوعينا، والانقسام السني-الشيعي ليس
مجرد خلاف تاريخي، بل جرح مفتوح يُعاد نكؤه في كل صراع. والجدل الذي نراه اليوم
ليس جديدا، بل امتداد لقصص قديمة عن مدن سقطت؛ لأن أهلها كانوا غارقين في الجدال
بينما كان العدو يقترب.
الفرق
هو أن التاريخ -اليوم- يُكتب أمام أعيننا، وأن قدرتنا على الفهم قد تكون الفاصل
بين أن نكون لاعبين (على أرضنا) أو نكون صبيانا حول الملعب؛ يجمعون الكرات الطائشة
التي كثيرا ما رأيناها تصيب أولئك الصبية في ملاعب التنس تحديدا، فيتألمون ولا
ينبسون ببنت شفة.
x.com/AAAzizMisr
aaaziz.com