الإخوان المسلمون في "وكالة عطية" (2-2)

أحمد عبد العزيز
"خيري شلبي يُقدّم الشخصية الإخوانية بوصفها جزءا من المشهد، لا نقيضا له. أما الإعلام، فيُبسّط الصورة، ويُقدّم الجماعة بوصفها خصما يجب القضاء عليه"- الأناضول
"خيري شلبي يُقدّم الشخصية الإخوانية بوصفها جزءا من المشهد، لا نقيضا له. أما الإعلام، فيُبسّط الصورة، ويُقدّم الجماعة بوصفها خصما يجب القضاء عليه"- الأناضول
شارك الخبر
في هذا المقال (الثاني والأخير) أقدم عرضا لرواية "وكالة عطية"، ثم مقارنة لحضور الإخوان المسلمين في الرواية مع صورتها في الإعلام.. أما عرض الرواية، فأقدمه لمن لم يقرأها ولن يسعفه وقته لقراءتها.. وأما مقارنة الإخوان في الرواية مع صورتهم في الإعلام، فأقدمه لكل من تأثر بدعاية الأنظمة المعادية للإخوان المسلمين التي تهدف إلى تجريدهم من وطنيتهم وإنسانيتهم، بل من دينهم أيضا!

وللتذكير والتنبيه، فإن ما ستقرأه (عزيزي) في هذا المقال هو جانب من حواري مع مساعدي المرافق "كو"، كنت أنا السائل وكان هو المجيب.. بعبارة أخرى، هذا ليس رأيي في الرواية ولا في الإخوان، وإنما هو حصيلة ما جمعه الذكاء الاصطناعي عن الرواية كعمل أدبي، وعن الإخوان كتيار شعبي يرفع راية الإسلام، وقام بتحليله ثم تقديمه وفق آليات موضوعية في مجملها..

وبمجرد ظهور سؤالي على الشاشة، اندفع "كو" بسرعة شلال لم تعرفه الأرض بعد، ليكتب التالي:

وكالة عطية: رواية القاع المصري كما لم يُكتب من قبل

في رواية وكالة عطية، لا يكتفي خيري شلبي بسرد حكاية، بل يخلق عالما كاملا، له قوانينه، وله ناسه، وله فلسفته الخاصة. إنها رواية عن السقوط، لا بوصفه نهاية، بل بوصفه بداية جديدة في عالمٍ سفليّ، حيث تتكشّف الحقيقة، وتُختبر القيم، وتُعاد صياغة الإنسان من جديد.

حصيلة ما جمعه الذكاء الاصطناعي عن الرواية كعمل أدبي، وعن الإخوان كتيار شعبي يرفع راية الإسلام، وقام بتحليله ثم تقديمه وفق آليات موضوعية في مجملها

الرواية، التي صدرت عام 1998، ونالت ميدالية نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 2003، تُعد من أبرز أعمال خيري شلبي، وأكثرها تعبيرا عن رؤيته الأدبية والاجتماعية. وقد تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2007، لتصل إلى جمهور عالمي، وتُقدّم صورة مختلفة عن مصر، لا تلك التي تُروّجها السياحة أو الإعلام، بل تلك التي تعيش في الأزقة، وتتنفس في الوكالات، وتُقاوم في الظل.

بنية الرواية: من الطرد إلى الوكالة

تبدأ الرواية بحادثة طرد الطالب المتفوق من معهد المعلمين في دمنهور، إثر اعتدائه على أحد أساتذته. هذا الحدث، الذي يبدو بسيطا، يُشكّل نقطة تحول وجودية، تدفع بطل الرواية إلى السقوط في عالمٍ جديد: وكالة عطية. وهي مكان لا وجود له على خارطة الواقع، لكنه حيّ في مخيلة الكاتب، وفي ذاكرة المدينة.

الوكالة، بوصفها فضاء روائيا، تُجسّد القاع الاجتماعي، حيث يعيش المهمشون، والصعاليك، والمجانين، والباحثون عن مأوى، لكنها ليست مكانا للفوضى فقط، بل أيضا للنجاة، ولإعادة اكتشاف الذات. وفي هذا العالم، يتعلّم البطل كيف يعيش، وكيف يفهم الناس، وكيف يعيد بناء علاقته بالحياة.

الرواية تُكتب بضمير المتكلم، مما يمنحها صدقا سرديا عاليا، ويجعل القارئ يشعر أنه يعيش التجربة، لا يقرأ عنها فقط. والأسلوب، كما هو معتاد عند خيري شلبي، يجمع بين اللغة الشعبية، والسخرية، والعمق الفلسفي، في توليفة فريدة، تجعل الرواية ممتعة ومؤلمة في آنٍ واحد.

الشخصيات: وجوه منسيّة تتكلم

في وكالة عطية، لا توجد شخصيات نمطية، فكل شخصية لها صوت، ولها حكاية، ولها منطق خاص؛ من "عطية" صاحب الوكالة، إلى "الشيخ عوض" المتصوف، إلى "الفتوة" الذي يحكم الوكالة بقانون القوة، إلى "الإخواني" الذي يمثل النظام والانضباط، إلى "الراقصة" التي تبحث عن الحب، إلى "المجنون" الذي يرى ما لا يراه الآخرون.

هذه الشخصيات لا تُقدّم بوصفها نماذج، بل بوصفها كائنات حية، لها تناقضاتها، ولها لحظات ضعفها وقوتها. وخيري شلبي، ببراعته السردية، يجعل القارئ يتعاطف مع الجميع، حتى مع من لا يتفق معهم، فالرواية لا تحكم، بل تُنصت.

الوكالة كرمز: منفى أم ملاذ؟

الوكالة ليست مجرد مكان، بل رمز، إنها تمثيل للهامش، وللقاع، وللعالم الذي لا تراه السلطة، ولا تعترف به النخبة. لكنها أيضا مكانٌ للنجاة، ولإعادة بناء الذات، ففيها، يتعلّم البطل كيف يعيش، وكيف يفهم الناس، وكيف يعيد صياغة علاقته بالحياة.

الوكالة، بهذا المعنى، تُشبه "المنفى الداخلي"، حيث يُعيد الإنسان اكتشاف نفسه بعيدا عن السلطة، وعن المجتمع الرسمي، لكنها أيضا "ملاذ"، حيث يجد الناس بعضهم البعض، ويخلقون نظاما خاصا بهم، حتى لو كان هشا أو عبثيا.

الإخوان المسلمون في الرواية: حضور غير مألوف

من أبرز مفاجآت الرواية، ظهور أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في سياق إيجابي، أو على الأقل غير سلبي. ففي زمنٍ اعتادت فيه الروايات على تصوير الإخوان بوصفهم متشددين، أو خصوما، أو كائنات أيديولوجية، يأتي خيري شلبي ليُقدّمهم بوصفهم جزءا من النسيج الشعبي، لهم حضور، ولهم تأثير، وربما بعض الفضائل التي يفتقدها المجتمع الرسمي.

الإخواني في الرواية لا يُقدّم بوصفه داعية، ولا بوصفه قائدا، بل بوصفه فردا يعيش وسط الناس، يؤثر فيهم، ويمنحهم نموذجا مختلفا. إنه رمز للنظام، للانضباط، للنظافة، في مقابل الفوضى التي تحكم الوكالة. وهذا التوظيف الأدبي لا يعني تبنيا فكريا، بل يعني فقط أن الكاتب رأى فيهم ما لم يره الآخرون.

هذا الحضور يُثير أسئلة كثيرة: هل كان خيري شلبي متعاطفا مع الإخوان؟ هل أراد أن يُعيد الاعتبار لهم؟ أم أنه فقط كتب ما رآه في الواقع، دون أن يُخضعه للخطاب الرسمي؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تكشف عن استقلالية الكاتب، وعن قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون.

البعد الاجتماعي: المهمشون يتكلمون

الرواية تُقدّم صورة مختلفة عن المجتمع المصري، لا تلك التي تُروّجها السلطة، بل تلك التي تعيش في الظل. إنها رواية عن المهمشين، عمن لا صوت لهم، عمن يعيشون في الوكالات، وفي الأزقة، وفي القاع. لكنها لا تُقدّمهم بوصفهم ضحايا، بل بوصفهم أبطالا، لهم صوت، ولهم منطق، ولهم قدرة على المقاومة.

هذا البعد الاجتماعي يجعل الرواية وثيقة أدبية، تُضيء الزوايا المعتمة، وتُعيد الاعتبار للهامش، وللناس الذين يعيشون فيه. وخيري شلبي، بأسلوبه الشعبي، وبعينه الحادة، يُقدّم هؤلاء الناس كما هم، لا كما تريد السلطة أن تراهم.

الأسلوب: سرد شعبي بلغة راقية

أسلوب خيري شلبي في الرواية يجمع بين اللغة الشعبية، والسخرية، والعمق الفلسفي. فهو يكتب بلغة الناس، لكنه يُحمّلها دلالات عميقة، ويجعلها قادرة على التعبير عن أفكار كبيرة. والرواية، رغم أنها تُكتب بضمير المتكلم، لا تقع في فخ الذاتية، بل تُقدّم رؤية شاملة، تُضيء الواقع، وتُعيد صياغته.

السرد في الرواية لا يسير في خط مستقيم، بل يتشعب، ويتفرّع، ويأخذ القارئ في رحلات داخلية، وخارجية، وفي حكايات فرعية، تُضيء الشخصيات، وتُعمّق الفكرة. وهذا الأسلوب يجعل الرواية ممتعة، ومليئة بالمفاجآت، وباللحظات الإنسانية المؤثرة.

البعد الفلسفي: السقوط كشرط للنهضة

الرواية تُقدّم السقوط لا بوصفه نهاية، بل بوصفه بداية. فالبطل، حين يُطرد من المعهد، لا ينتهي، بل يبدأ رحلة جديدة، في عالمٍ سفليّ، يُعيد فيه اكتشاف نفسه، ويُعيد بناء علاقته بالحياة. وهذا البعد الفلسفي يجعل الرواية أكثر من مجرد حكاية، بل تأملا في معنى الحياة، وفي معنى الإنسان، وفي قدرة الإنسان على النجاة، حتى في أقسى الظروف.

القيمة الأدبية: رواية لا تُنسى

وكالة عطية ليست رواية عابرة، بل عمل أدبي كبير، يُجسّد رؤية خيري شلبي، ويُقدّم صورة مختلفة عن مصر، وعن الإنسان المصري. إنها رواية عن القاع، وعن الهامش، وعن الناس الذين يعيشون في الظل، لكنها تُقدّمهم بوصفهم أبطالا، لهم صوت، ولهم منطق، ولهم قدرة على المقاومة.

الرواية، بأسلوبها، وبشخصياتها، وبفضائها الرمزي، تُشكّل إضافة كبيرة للأدب العربي، وتُقدّم نموذجا للرواية الشعبية، التي لا تكتفي بالسرد، بل تُضيء الواقع، وتُعيد صياغته.

الإخوان في وكالة عطية

بعد أن انتهى "كو" من عرضه للرواية سألني:

يمكنني تحليل الشخصية الإخوانية، أو مقارنة حضور الجماعة في الرواية مع صورتها في الإعلام. فقط أشر لي بالموافقة، وسأمضي معك.

فأجبته: تفضل.

فاندفع "كو" يكتب بسرعة تعجز عين القارئ على متابعتها:

تحليل الشخصية الإخوانية في رواية وكالة عطية يكشف عن مفارقة سردية عميقة، تتجاوز التوظيف الأدبي إلى مساءلة الصورة النمطية التي رسّختها السلطة والإعلام عن جماعة الإخوان المسلمين. خيري شلبي، الذي لم يكن يوما منتميا للجماعة، يقدّم الشخصية الإخوانية في الرواية بوصفها جزءا من النسيج الشعبي، لا كيانا أيديولوجيا مغلقا، مما يفتح الباب لمقارنة دقيقة بين الحضور الأدبي والحضور الإعلامي للجماعة.

أولا: تحليل الشخصية الإخوانية في الرواية

- التوصيف السردي..

الشخصية الإخوانية في وكالة عطية لا تظهر بوصفها مركزية، لكنها تحمل وزنا رمزيا كبيرا. فهي شخصية هادئة، منظمة، نظيفة، منضبطة، وتتمتع بقدر من الاحترام داخل الوكالة، رغم أنها لا تفرض نفسها على الآخرين. لا تمارس الدعوة بشكل مباشر، ولا تدخل في صراعات أيديولوجية، بل تكتفي بأن تكون نموذجا مختلفا وسط عالمٍ فوضوي.

هذه الشخصية تُقدّم بوصفها نقيضا للفوضى التي تحكم الوكالة، لكنها لا تُقدّم بوصفها مثالية أو منقذة. إنها فقط "مختلفة"، وهذا الاختلاف يمنحها حضورا خاصا، ويجعلها محطّ تأمل من قِبَل البطل، الذي يلاحظ الفرق بين النظام الذي تمثله، وبين العبث الذي يعيشه.

- الوظيفة الرمزية

الشخصية الإخوانية في الرواية تُوظّف رمزيا لتجسيد فكرة "النظام البديل". ففي عالمٍ انهارت فيه القيم الرسمية، تظهر هذه الشخصية بوصفها نموذجا لنظام داخلي، قائم على الانضباط، والتدين، والالتزام. لكنها لا تُقدّم بوصفها الحل، بل بوصفها خيارا من بين خيارات متعددة، لكل منها منطقه الخاص.

- البعد الإنساني

ما يميز هذه الشخصية، أنها تُقدّم بوصفها إنسانا، لا شعارا، فهي ليست ناطقة باسم الجماعة، ولا تحمل خطابا سياسيا، بل تعيش وسط الناس، وتؤثر فيهم بسلوكها، لا بكلامها. وهذا التقديم الإنساني يُعيد الاعتبار للجماعة، أو على الأقل لبعض أفرادها، بوصفهم جزءا من المجتمع، لا غرباء عنه.

ثانيا: صورة الجماعة في الإعلام المصري

- الصورة النمطية السلبية

منذ أحداث 3 تموز/ يوليو 2013، تحوّل الإعلام المصري، خاصة الصحافة الإلكترونية، إلى ذراع سياسية في تشكيل صورة نمطية سلبية عن جماعة الإخوان المسلمين. وفقا لدراسة مركز الجزيرة للدراسات، فإن الإعلام المصري تبنّى خطابا يُصوّر الجماعة بوصفها تنظيما إرهابيا، يُهدد الدولة، ويُشبه في بعض الأحيان التنظيمات الصهيونية أو الخوارج.

هذا الخطاب الإعلامي لم يكتفِ بالنقد السياسي، بل ذهب إلى شيطنة الجماعة، ونزع إنسانيتها، وتصويرها كعدو داخلي، لا كجزء من المشهد السياسي المصري. وقد ساهم هذا الخطاب في ترسيخ حالة من الاستقطاب والكراهية، جعلت من الجماعة كيانا منبوذا، لا يمكن الحوار معه، ولا حتى فهمه.

- تأثير الصورة الإعلامية على الجمهور

دراسة أخرى للمركز العربي للبحوث والدراسات تشير إلى أن الجمهور المصري، خاصة متصفحي الصحف الإلكترونية، أصبح أقل اهتماما بمتابعة أخبار الجماعة، بعد أن شعر بالخداع من تجربتها في الحكم. وقد ساهم الإعلام في ترسيخ هذه القناعة، من خلال تقديم الجماعة بوصفها أفعى سياسية، لا كيانا اجتماعيا أو دينيا.

وسائل الإعلام، من التلفزيون إلى الصحف، اعتمدت على الأخبار والتحليلات التي تُكرّس هذه الصورة، دون تقديم وجهات نظر متعددة، أو شخصيات إنسانية تنتمي للجماعة. وهكذا، أصبحت الجماعة في الإعلام كيانا مجردا، لا يُرى إلا من خلال عدسة السلطة.

ثالثا: المفارقة بين الرواية والإعلام
خيري شلبي، دون أن يتبنى خطابا سياسيا، يُعيد الاعتبار للهامش، وللناس الذين يعيشون فيه، بمن فيهم من ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين

- الأدب يُنصت، الإعلام يُدين

في الرواية، تُقدّم الشخصية الإخوانية بوصفها فردا له حضور، وله منطق، وله تأثير، دون أن تُحمّل الجماعة مسؤولية الخراب، أو تُقدّمها كمنقذ. أما في الإعلام، فالجماعة تُقدّم بوصفها مصدرا للتهديد، وللفوضى، وللخيانة، دون أي محاولة لفهم دوافعها، أو تقديم شخصيات تنتمي لها بوصفها بشرا.

- الرواية تُعقّد الصورة، الإعلام يُبسّطها

خيري شلبي، ككاتب، يُدرك أن الواقع معقّد، وأن الجماعات لا تُختزل في خطاب واحد. لذلك، يُقدّم الشخصية الإخوانية بوصفها جزءا من المشهد، لا نقيضا له. أما الإعلام، فيُبسّط الصورة، ويُقدّم الجماعة بوصفها خصما يجب القضاء عليه، دون أي تعقيد أو تفكيك.

- الرواية تُعيد الاعتبار، الإعلام يُصادره

في الرواية، يُعاد الاعتبار للجماعة، أو لبعض أفرادها، من خلال تقديمهم بوصفهم بشرا، لهم قيم، ولهم حضور. أما الإعلام، فيُصادر هذا الاعتبار، ويُقدّم الجماعة بوصفها كيانا يجب عزله، وتشويهه، ونفيه من الذاكرة الجماعية.

- خلاصة: حين يُنصف الأدب من شوهته السياسة

تحليل الشخصية الإخوانية في وكالة عطية يكشف عن قدرة الأدب على الإنصاف، وعلى تقديم صورة أكثر تعقيدا وإنسانية، في مقابل الصورة النمطية التي يُكرّسها الإعلام. خيري شلبي، دون أن يتبنى خطابا سياسيا، يُعيد الاعتبار للهامش، وللناس الذين يعيشون فيه، بمن فيهم من ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين.

x.com/AAAzizMisr
aaaziz.com
التعليقات (0)