من إدارة الأزمات إلى كسر العظام: الإقليم يتجه نحو المواجهة في 2026 (2)

محمود النجار
"لن تخسر الإمارات اليمن تماما، لكنها لن تستطيع تعميق نفوذها أكثر"- جيتي
"لن تخسر الإمارات اليمن تماما، لكنها لن تستطيع تعميق نفوذها أكثر"- جيتي
شارك الخبر
الإمارات ليست طرفا يتأثر بأزمات الوطن العربي أو يتفاعل معها، بل عنصر بنيوي في استمرارها.. حضورها لا يأتي حيث تُبنى الدول، بل حيث تتصدّع؛ ولا يظهر في لحظات التوافق الوطني، بل في مناطق الفراغ والانقسام؛ فقد ارتبطت كل مشكلات الشرق الأوسط بالإمارات، التي أصبح تدخلها محكوما بمنطق واضح: منع تشكّل دولة عربية قوية؛ فهي لا تستثمر في السيادة، بل في هشاشتها؛ ولا تراهن على الإجماع، بل على التناقضات الداخلية القابلة للإدارة، من اليمن إلى ليبيا، إلى السودان إلى مصر، ومن غزة إلى الصومال إلى سوريا، يتكرر النموذج نفسه: دعم قوى موازية للدولة، تسليح خارج القنوات الرسمية.. اقتصاد سياسي منفصل عن القرار الوطني، ثم خطاب استقرار يخفي تحته واقع تفكيك بطيء.. بهذا المعنى، لا تمارس الإمارات التخريب بوصفه خطأ أو انحرافا، بل بوصفه سياسة ممنهجة؛ سياسة ترى في الاستقرار الحقيقي خطرا، وفي الدولة المستقلة تهديدا، وفي الشعوب التي تمتلك قرارها عبئا يجب تطويعه؛ ذلك أنه يشكل خطرا على الكيان المحتل الذي يأمرها فتطيع، ويزجرها فتخنع وتستجيب.. وهكذا لا يعود السؤال: لماذا يفشل الاستقرار العربي؟ بل: من يملك المصلحة في ألا يتحقق أصلا؟

تدخلاتها المتكررة في بؤر الأزمات لم تؤدِّ إلى استقرار، بل إلى تفكيك الدول، وتعميق الانقسامات، ومنع أي مسار سيادي مستقل

إن الدور الذي تمارسه الإمارات في الإقليم العربي لم يعد مقبولا ولا قابلا للتبرير. تدخلاتها المتكررة في بؤر الأزمات لم تؤدِّ إلى استقرار، بل إلى تفكيك الدول، وتعميق الانقسامات، ومنع أي مسار سيادي مستقل. وتحت عناوين الاستثمار والأمن؛ جرى تقويض المؤسسات، ودعم قوى موازية للدولة، وربط القرار الوطني بأجندات خارجية.

في 2026 لن تتوقف الإمارات عن محاولاتها هدم الدول التي تحاول النهوض، وتقترب من الاستقرار، لكنها أصبحت ضعيفة نسبيا، بعد أن كُشفت ألاعيبها بشكل سافر، وفضحتها الصحافة الأجنبية والعربية، وتعرضت للسباب والشتم والتقريع والاتهام بالخيانة ضمن مساحة واسعة من قبل رواد شبكة التواصل الاجتماعي، وبعد أن اصطدمت بمتطلبات الإقليم، وخصوصا بعد موقف السعودية، حيث وقفت لها بالمرصاد لتفكيك مشروعها الخبيث في اليمن.

ثالثا: اليمن.. المشروع الإماراتي الخبيث

الوجود الإماراتي في اليمن لم يكن يوما جزءا من التحالف العربي، بقدر ما كان مشروعا مستقلا للسيطرة على الموانئ، وبناء قوات محلية موالية، والسيطرة على الموانئ والممرات البحرية، وتثبيت واقع انفصالي في الجنوب.

لكن ما تغيّر مؤخرا هو أن هذا المشروع اصطدم بثلاثة جدران هي:

1. السعودية لم تعد شريكا صامتا، فقد باتت الرياض ترى أن الجنوب المنفصل يُهدّد أي تسوية شاملة مع الحوثيين، ويحوّل اليمن إلى عبء دائم.. هذا التباين في المواقف لم يعد طي السرية والانتظارات الطرية، بل انتقل إلى المواجهة العسكرية الصلبة التي أهانت الإمارات، وفضحت ألاعيبها، من قبل حليفها الافتراضي.

2. القوى المحلية خرجت عن السيطرة؛ فقد تحول المجلس الانتقالي الجنوبي من أداة بيد التخالف سابقا، ثم بيد الإمارات لاحقا، إلى لاعب يفاوض ويبتز؛ ما يعني أن أبو ظبي لم تعد تتحكّم بالكامل في مخرجات مشروعها الفوضوي.

3. الضغط الدولي على ممرات البحر الأحمر؛ فأي دور أمني إماراتي في السواحل بات مراقَبا، خصوصا مع تداخل المصالح العربية والغربية والإسرائيلية في باب المندب.

في 2026، لن تخسر الإمارات اليمن تماما، لكنها لن تستطيع تعميق نفوذها أكثر. ذلك أنني أستبعد حربا مفتوحة بين الإمارات والسعودية، بحيث يتم طرد القوات الإماراتية بالقوة من كامل التراب اليمني، لكن الإمارات تراجعت عن عنجهيتها، وتم تحجيمها، وهذا بحد ذاته يعد خسارة مادية ومعنوية استراتيجية كبيرة، وضربة في القلب أدت إلى كسر بعض الأضلاع التي لا تلتئم، فأضلاع الصدر عصية على الشفاء..!

رابعا: السودان.. النفوذ غير المنضبط ينقلب عبئا وعقابا

في السودان، راهنت الإمارات على قوى الأمر الواقع بدل الدولة، فكانت النتيجة حربا طويلة، وتغيرات جيوسياسية جسيمة ومتحركة.. وبناء على معرفتنا بالدور القذر الذي تلعبه الإمارات في الإقليم؛ فإنها تقوم ببذر بذور الفوضى والتقسيم وعدم الاستقرار، وهو كل ما تريده.

إن استمرار الاقتتال في السودان بدأ يهدّد مصالح الجميع، وهو ما لم يُحسب حسابه جيدا، وبالنظر إلى التالي سيتضح الأمر أكثر:

1. البحر الأحمر- من ممر تجاري إلى خاصرة رخوة:

لم يعد البحر الأحمر مجرد شريان للتجارة العالمية، بل تحوّل تدريجيا إلى ساحة صراع غير معلن تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية.. واستمرار الاقتتال في السودان يعني عمليا تفكك السيطرة على ساحل استراتيجي طويل يجاور أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وفتح الباب أمام تهريب السلاح، وزيادة نشاط الجماعات المسلحة، وتدخلات استخباراتية وعسكرية ناعمة، قد تتحول إلى خشنة في أي وقت، تحت عناوين الحماية والاستقرار.

وفي سياق 2026، حيث تتصاعد هشاشة الملاحة في البحر الأحمر أصلا بسبب (غزة، اليمن، القرن الأفريقي)؛ فإن السودان المنهك يصبح حلقة ضعف إضافية قد تدفع قوى كبرى للتدخل المباشر أو غير المباشر، بما يغيّر قواعد الاشتباك في المنطقة كلها.

2. الأمن الغذائي، حين تتحول الحقول إلى سلاح
تعدُّ العلاقة المصرية السعودية أحد أعمدة التوازن العربي، لكن هذا الاستقرار ليس معزولا عمّا يجري في السودان. فاستمرار الحرب هناك يعني ضغطا متزايدا على مصر، حيث الحدود الجنوبية مفتوحة، وحيث موجات اللجوء، وتهديد غير مباشر لملف النيل والأمن القومي

السودان ليس بلدا هامشيا في معادلة الغذاء العربي؛ بل كان يُنظر إليه تاريخيا بوصفه سلة غذاء محتملة للمنطقة. لكن استمرار الحرب يعني تعطّل الزراعة، ونزوح الفلاحين، وتدمير سلاسل الإمداد الغذائي، وبالتالي: فقدان القدرة على التصدير أو حتى الاكتفاء الذاتي. والخطورة هنا ليست سودانية فقط، بل إقليمية؛ فهناك دول تعتمد جزئيا على الاستيراد من السودان تجد نفسها اليوم أمام بدائل أغلى وأكثر صعوبة في الحصول عليها، وفي زمن التضخم العالمي واضطراب سلاسل الإمداد، يتحول الغذاء من سلعة إلى أداة ضغط سياسي.

3. الاستقرار المصري/ السعودي- حين تفرض الفوضى نفسها على الحلفاء

تعدُّ العلاقة المصرية السعودية أحد أعمدة التوازن العربي، لكن هذا الاستقرار ليس معزولا عمّا يجري في السودان. فاستمرار الحرب هناك يعني ضغطا متزايدا على مصر، حيث الحدود الجنوبية مفتوحة، وحيث موجات اللجوء، وتهديد غير مباشر لملف النيل والأمن القومي.

وفي المقابل، يعني للسعودية اضطرابا إضافيا في محيط البحر الأحمر، واستنزافا سياسيا وأمنيا في الإقليم الذي تسعى لتهدئته لا لتوسيع أزماته..

إن الخطر الحقيقي ليس في العلاقة الجدلية بين القاهرة والرياض، بل في تآكل هامش المناورة لدى الطرفين، حيث تُجبران على إدارة أزمات متلاحقة بدل صياغة مشاريع استراتيجية طويلة الأمد، وإن كانت مصر غير مهيئة لأي نوع من صياغة المشاريع قصيرة الأمد أو طويلته..!

في 2026، سيزداد الضغط لإنهاء الحرب، ومعه سيُطرح سؤال مباشر، من الذي سعى في إطالة أمدها؟ وهنا يتضح دور النفوذ الإماراتي، ويصبح محل مساءلة لا تعبأ بها حكومة ابن زايد، تماما كما هو الحال مع حكومة نتنياهو؛ فحكومة أبو ظبي محمية من اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وأوروبا.. وينتظر بعض المهتمين بالشأن السوداني أن تتدخل تركيا، فتحسم الأمور لصالح البرهان، كما فعلت من قبل إبان هجوم حفتر على طرابلس.. فهل تتدخل تركيا مباشرة..؟!

وللحديث بقية..
التعليقات (0)

خبر عاجل