منذ
اندلاع ثورة عام 2011 وما تلاها من انتقال سياسي هشّ، دخل
اليمن مرحلة اضطراب
طويلة انتهت بسيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014، ثم التمدد نحو عدن وإسقاط
الحكومة، لتطلب الأخيرة التدخل الخارجي. وفي آذار/ مارس 2015 أعلنت
السعودية إطلاق
التحالف العربي بمشاركة
الإمارات بقوة عسكرية واسعة، فانتقلت الأزمة من نزاع محلي
إلى ساحة إقليمية تشتبك داخلها المشاريع والخرائط. لم يعد الصراع على سلطة في
صنعاء فقط، بل على البحر والموانئ وخطوط الطاقة ومضيق
باب المندب.
ورغم أن
الرياض وأبو ظبي دخلتا الحرب تحت شعار واحد وهو استعادة الشرعية ووقف تمدد
الحوثيين، فإن الهدف الواحد لم ينتج رؤية واحدة لمستقبل اليمن. السعودية تعاملت مع
الملف باعتباره عمقها الأمني الجنوبي، ولا ترى اليمن مشروعا منفصلا عن أمن حدودها
واستقرارها الداخلي، بينما كانت الإمارات تنظر إلى السواحل والموانئ بوصفها مركز
النفوذ الحقيقي، وإلى الجنوب بوصفه بوابة لبناء شريك محلي موالٍ يمكنه إدارة
الموانئ والجزر وحماية خطوط الملاحة العالمية.
في السنوات الأولى للحرب بدا التحالف بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد متماسكا؛ خطاب موحد، عمليات مشتركة، عدو مشترك، لكن تحت هذا السطح كانت الرؤية تتباعد حتى تلاشت
السعودية
تريد دولة واحدة قابلة للضبط المركزي، والإمارات تريد جنوبا ممهورا بحلفاء ونفوذ
تجاري مستدام. هنا بدأ الافتراق الأول بين الحليفين.
في
السنوات الأولى للحرب بدا التحالف بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد متماسكا؛ خطاب
موحد، عمليات مشتركة، عدو مشترك، لكن تحت هذا السطح كانت الرؤية تتباعد حتى تلاشت.
ركزت الرياض على منع قيام سلطة معادية قرب حدودها، وعلى فكرة يمن موحد أو شبه موحد
يمنع تحوله إلى خاصرة رخوة. أما الإمارات فاشتغلت على ملفات ثلاثة متوازية: مكافحة
التيارات الإسلامية خصوصا حزب الإصلاح (معاداة التيارات الإسلامية السياسية خشية
انتقال تأثيرها للداخل وتجييش الشارع منذ الربيع العربي)، وتعزيز النفوذ على
الموانئ وخطوط الملاحة في خليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر، وبناء شبكات قوة
جنوبية تملك السلاح والقرار.
بلغ
التحالف ذروته بعد أزمة حصار قطر (2017)، لكن التحالف الظاهر أخفى مشروعين لا
يلتقيان في رؤية المشروعات المستقبلية. في عام 2019) خرج الاختلاف من غرف القرار
إلى الميدان، حين دعمت أبو ظبي المجلس الانتقالي الجنوبي ضد قوات حكومية مدعومة من
الرياض في عدن. بدا ذلك أول اشتباك بين رؤيتين داخل ساحة قتال واحدة، ولاحقا أعلنت
الإمارات تقليص وجودها العسكري، لكنها تركت خلفها قوات محلية ونفوذا واسعا يصعب
تفكيكه.
بمرور
الوقت توسع المجلس الانتقالي في عدن وسواحل الجنوب ثم في مساحات واسعة من حضرموت
والمهرة، وهما منطقتان تعتبرهما الرياض خطا أحمر لامتداد أمنها نحو بحر العرب
وحدود سلطنة عمان. شعرت السعودية بأن المشروع الجنوبي المدعوم إماراتيا يهدد وحدة
اليمن، فتصاعد التوتر بضربات ورسائل ضغط واضحة.
وفي نهاية
عام 2025 أعلنت الإمارات إنهاء مهمة وحداتها المتبقية في اليمن، بينما ألغى مجلس
القيادة اليمني المدعوم سعوديا اتفاقية دفاع معها وطلب انسحاب القوات. كان ذلك
انتقالا من التنافس الصامت إلى افتراق معلن، لكن دون قطيعة كاملة. فالإمارات
انسحبت عسكريا، لكنها تركت مشروعها قائما عبر المجلس الانتقالي، فيما تتمسك
السعودية بوحدة اليمن كمدخل لأمن حدودها.
اليوم
تتوزع البلاد بين الحوثيين في الشمال وصنعاء والحديدة، والحكومة المدعومة سعوديا
في مأرب والمهرة، والمجلس الانتقالي المدعوم إماراتيا في عدن والسواحل والجزر
الاستراتيجية. ثلاث سلطات داخل جغرافيا واحدة، وثلاث خرائط فوق أرض أنهكتها الحرب.
يتضح أن الإمارات لم تتعامل بوصفها شريكا يتقدم ضمن تحالف، بل قوة تستثمر اللحظة في مشروع نفوذ بحري
السعودية
تفكر بمنطق الدولة، والإمارات بمنطق البحر والموانئ والنفوذ اللوجستي، وإيران
بمنطق العمق الإقليمي، فيما تراقب الولايات المتحدة مضيق باب المندب كأولوية قصوى
لضمان حركة التجارة العالمية، ليس داخل اليمن فقط بل عبر الصومال والقرن الأفريقي
أيضا.
ما يجري
في اليمن لم يعد حربا أهلية فقط، بل تحول إلى معادلة توازن في البحر الأحمر. نهاية
الحرب لن تكون بقرار داخلي محض، بل بمدى قدرة الرياض وأبو ظبي على صياغة معادلة
نفوذ مشتركة أو تقاسم المساحات دون كسر الآخر. وبينما يبقى اليمن مفتوحا على خرائط
القوى، يدفع الشعب ثمن الجغرافيا الأغلى في المنطقة.
وفي قراءة
أعمق لمسار الحرب، يتضح أن الإمارات لم تتعامل بوصفها شريكا يتقدم ضمن تحالف، بل
قوة تستثمر اللحظة في مشروع نفوذ بحري. كان التحول الإماراتي أقرب إلى انتهازية
استراتيجية قدمت الموانئ والمضائق على روح الشراكة. تحركت أبو ظبي بمنطق المكسب
قبل التحالف، والممر قبل الدولة، فابتعدت عن المسار السعودي القائم على وحدة اليمن.
هكذا تحولت الحرب إلى مساحة مصالح متوازية لا تلتقي إلا عند حدود التكتيك العسكري،
بينما تتباعد جذريا عند السياسة والمستقبل.