قضايا وآراء

الإنذار السعودي.. العبرة بالفعل وليس بالبيانات

حمزة زوبع
"المسألة لم تعد اليمن الجنوبي بل أمن المملكة"- جيتي
"المسألة لم تعد اليمن الجنوبي بل أمن المملكة"- جيتي
شارك الخبر
"نأسف لما قامت به دولة الإمارات من ضغط على قوات الانتقالي الجنوبي لدفع قواته للقيام بعمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة، والتي تعد تهديدا للأمن الوطني للمملكة" (من بيان وزارة الخارجية السعودية الأخير بخصوص الحرب في اليمن).

"وتشدد المملكة على أهمية استجابة دولة الإمارات العربية المتحدة لطلب الجمهورية اليمنية بخروج قواتها العسكرية من الجمهورية اليمنية خلال أربعة وعشرين ساعة وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف كان داخل اليمن" (من نفس البيان المشار إليه).

"أعلن التحالف بقيادة السعودية أنه نفذ غارة جوية على شحنة أسلحة قادمة من الإمارات في ميناء المكلا" (وكالة بلومبيرج الإخبارية- 29 كانون الأول/ ديسمبر 2025).

"لا للحرب على الجنوب.. لا للحرب على الشمال.. السلام سبيل للرجال الكرام" (ضاحي خلفان، مسئول شرطة دبي، مغردا عقب الغارة الجوية السعودية التي استهدفت سفنا إماراتيا كانت تحمل أسلحة لقوات الانتقالي في اليمن).

أعلنت 22 دولة عربية وإسلامية رفضها للاعتراف الصهيوني وبقيت الإمارات ومعها البحرين صامتتين، وكأنهما راضيتان عن الاعتراف الصهيوني بتقسيم الصومال رغم خطورة الأمر على مصر والسعودية وعلى العالم العربي كله

في غير مرة كنت أذكّر بدور الإمارات التخريبي في العالم العربي، وشرحت في أكثر من مقال وفي عديد الحلقات التلفزيونية أن الإمارات تضر عن عمد بالمصالح الكبرى لبلدي مصر، ولكن سكرة الحب وشهوة المال طغت على النفوس وأعمت القلوب فلم يسمع أحد، أو سمعوا ولم يستطيعوا فعل شيء. فقد توغلت الإمارات في مصر بشكل مخيف وسيطرت على اقتصادها وعلى موانيها وأراضيها وعلى قرارها السياسي خصوصا في موضوع مياه نهر النيل، إذ ضغطت على الجنرال الحاكم بأن يوقع اتفاقية تسليم مياه النيل لدولة إثيوبيا المتحالفة مع الإمارات الباحثة عن موطئ قدم على الجهة الغربية للبحر الأحمر.

تمكنت الإمارات من تهديد أمن مصر القومي عبر دعم قوات حفتر في ليبيا، وجرّت معها مصر لخلافات مع تركيا، وأقنعت الإمارات مصر بأن التعاون مع اليونان وقبرص والكيان الصهيوني أكثر فائدة من التعاون مع تركيا، كما دعمت الإمارات المنشقين في السودان بقيادة "حميدتي" بكل ما يمكن من سلاح وعتاد وجنود وأموال وإعلام كي تهدد حدود مصر الجنوبية، وبذلك يتم الحصار الدقيق من كافة النواحي غربا وجنوبا، وشرقا عبر محاولتها إيجاد منفذ لإثيوبيا على البحر الأحمر من خلال ما يعرف بجمهورية أرض الصومال التي لم يعترف بها أحد إلا دولة الكيان الصهيوني. وللعلم فقد أعلنت 22 دولة عربية وإسلامية رفضها للاعتراف الصهيوني وبقيت الإمارات ومعها البحرين صامتتين، وكأنهما راضيتان عن الاعتراف الصهيوني بتقسيم الصومال رغم خطورة الأمر على مصر والسعودية وعلى العالم العربي كله.

كنا نصرخ في وجه الجميع أن أفيقوا قبل فوات الأوان ولا أحد يسمع ولا أحد يستجيب. اليوم باتت الحقيقة صلعاء لا يخفيها شعر مستعار ولا مكياج دبلوماسي يغني عن وقوع المحظور، فقد أصدرت السعودية إنذارا سياسيا لدولة الإمارات بالخروج؛ أي الاستسلام لإرادتها خلال 24 ساعة، وهذه هي المرة الأولى فيما أعلم التي تقوم دولة عربية بإنذار أخرى ومطالبتها بالخروج من دولة عربية ثالثة، على الرغم من أن دخول الإمارات إلى اليمن تم عبر تحالف الشرعية الذي أسسته السعودية بغرض منع الشعب اليمني من إكمال ثورته التي قام بها ضد نظام المخلوع علي عبد الله صالح وتم تحويل الثورة إلى حرب أهلية بفعل تلك الدولتين.

ماذا يعني الإنذار وهل تستجيب السلطة في الإمارات أم تسحب السعودية إنذارها؟

1- هذا الإنذار أن لدى السعودية معلومات وحقائق عن خطة تخريبية إماراتية تتعلق بأمنها الوطني كما جاء في البيان الصادر، وهذا يعني أن المسألة لم تعد اليمن الجنوبي بل أمن المملكة.

2- كما يعني أن سلوك الإمارات تجاه العالم العربي وتجاه الإسلام والمسلمين بات يشكل خطرا آنيا على الجميع، فدعم الإمارات لدولة الكيان ودعمها لاتفاقيات أبراهام وتعاونها العسكري الذي أُعلن عنه مؤخرا مع دولة الكيان؛ يثير الكثير من التساؤلات حول خطط أبو ظبي العدوانية تجاه المملكة.

3- التدخل العسكري وقصف السفن الإماراتية يحمل إشارات الجدية وعلامات الخصومة الواضحة، والتي سترسم شكل العلاقات بين البلدين في المديين المتوسط والبعيد وربما في المدى القريب، بعيدا عن تقبيل الرؤوس واللحى.

4- قد يكون لما جرى في موضوع جمهورية أرض الصومال وعدم توقيع الإمارات على البيان المندد باعتراف دولة الكيان؛ دور في رفع درجة الوعي أو الخوف لدى المسئولين في السعودية تجاه الأطماع الإماراتية في دول جوار المملكة أو أراضي المملكة ذاتها.

5- لم تكن تصريحات عبد الخالق عبد الله، مستشار رئيس الوزراء الإماراتي، وتغريدات ضاحي خلفان، رئيس شرطة دبي، حول ما جرى مجرد تعبير عن الرأي، بل حملتا سخرية وإهانة كبيرة لوزير الدفاع السعودي (شقيق الأمير محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة) واتهامه بالعجز عن فعل شيء في صنعاء، صحيح أن عبد الخالق حذف التغريدة واعتذر، وقال إن كلامه شخصي لا يعبر عن موقف الدولة، ولكن يبقى الموقف واضحا وهو أن الإمارات هي من تدفع وبقوة من أجل استفزاز السعودية.

6- الموقف المتأزم يعني أن الأمور بلغت مرحلة ما متقدمة من الخصومة السياسية لدرجة الإنذار العسكري.

7- لا تنسى أن السعودية تدخلت في ملف التمرد المدعوم إماراتيا في السودان، وأن محمد بن سلمان حمل الملف معه في زيارته الأخيرة إلى أمريكا ورفع وعي المسئولين هناك بخطورة الأمر، مما شكل ولا يزال يشكل ضغطا على النظام في الإمارات. والسعودية تخشى من سيطرة إماراتية على السودان؛ لأن ذلك يعني سيطرة ولو جزئية على أمن البحر الأحمر إضافة إلى إضعاف مصر في أفريقيا لصالح التحالف الإماراتي الصهيوني.

أصبحت أرض اليمن ملعبا لصراعات سلطات ونظم عربية بحجة محاربة الإرهاب تارة وبحجة منع الثورات وحماية الاستقرار (المفقود) في اليمن تارة أخرى

8- في تقديري فإن الإمارات لن تستسلم للإنذار السعودي بشكل كامل ولكنها ستتعامل معه على أنه أزمة يجب عبورها بطريقة أو بأخرى، ولن ترفع يدها عن اليمن بصورة نهائية. فالإمارات تبحث عن الموانئ والشواطئ لكي تحكم الطوق على من تريد في المنطقة وخصوصا مصر والسعودية، وهذا واضح وجلي وبتعاون غير معلن ربما تكشف عنه الأيام المقبلة بين أبو ظبي وتل أبيب، فمصلحتهما المشتركة هي إضعاف مصر وحصار المملكة وتفكيك العالم العربي الإسلامي بحجة دعمه للإرهاب والتطرف.

9- وفي تقديري أيضا، فسوف تستدعي الإمارت دولة الكيان إلى اليمن كما فعلت في الصومال، بحيث يصبح من الصعب على السعودية مواجهة الأمر ويصبح العدو الأول للأمة العربية على الحدود، وساعتها لن تفلح السعودية في مواجهة الحلف الجديد (تل أبيب- أبو ظبي).

10- قد يدفع ما يجري في اليمن اليوم السعودية إلى إعادة النظر في خريطة الأعداء والأصدقاء وتتحول من عدائها للحوثي إلى التعاون معه، وقد تسرع من وتيرة التعاون مع الإخوان المسلمين حلفاؤها في اليمن.

11- الغريب فعلا هو أن السعودية تطلب من الإمارات الخروج من اليمن ولم تخرج هي من اليمن، فكلاهما ليستا صاحبة الأرض، وإن كانتا صاحبتي القرار على الأرض التي تسيطران عليها. وللأسف أصبحت أرض اليمن ملعبا لصراعات سلطات ونظم عربية بحجة محاربة الإرهاب تارة وبحجة منع الثورات وحماية الاستقرار (المفقود) في اليمن تارة أخرى.

12- بعد عشر سنوات من الغزو العربي المشترك لدولة عربية؛ لم تنتج الحرب سوى الموت والدمار والخراب والتقسيم المحتمل ونهب الثروات والسيطرة على الحكومات، ولم تستطع الدول الغازية أن تنتصر ولا ندري ما هي علامة انتصارها، وهل عدم التقسيم هو النصر أم خروج الإماراتي وبقاء السعودي هو النصر؟

13- البيان السعودي قوته الحقيقية مرهونة بالتطبيق والتفعيل وبقدرة السعودية على إقناع العالم بأن حربها على اليمن كانت مشروعة وحربها ضد الإمارات مشروعة أيضا.

للأسف العالم الخليجي مفتون بالقوة الوهمية وبالثروة ومصاب في أغلبه بالغرور القاتل.
التعليقات (0)