هل تحدث
الثورة الفوضى أم أن الفوضى هي السبب في حدوث الثورات؟
يحاول البعض إيهامنا بأن الثورة هي سبب الخراب والدمار والفوضى التي حدثت
في بعض بلدان الربيع العربي منذ 2011، ويحاولون الخلط عن عمد بين الثورة والفوضى،
وأن الثورات لا تنتج استقرارا بل فوضى وخرابا، وهذه مسألة تحتاج إلى وقفة أحاول في
هذا المقال تفكيك هذا الخلط وبيان حقيقة الأمور.
قبل أن أتكلم في الموضوع أعود إلى قصة حقيقية حدثت معنا ونحن طلبة في
السنوات الأولى لكلية الطب البشري في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، إذ وقف
أحد أساتذتنا ليشرح لنا النمط الذي تكون عليه ضربات القلب والذي نعرفه من قياس
النبض فقال إن النبض عادة ما يكون منتظما عند الناس الأصحاء ثم يصبح غير منتظم في
بعض الحالات المرضية للقلب والشرايين ولكن عدم الانتظام هذا نوعان: نوع نسميه غير منتظم
ولكنه منظم في طريقة عدم انتظامه، وأطلق عليه وصف "الفوضى المنظمة"، أي
أن هناك عدم انتظام في الضربات ولكن عدم الانتظام يحدث بطريقة منظمة، وهو حالة
مرضية ولكن الناس يظنون أنه طالما كان عدم الانتظام منظم يفرحون ويعتبرون الأمر
طبيعيا، وهذه الحالة هي حالة البلاد كما قال، فوضى منظمة، أي استقرار ظاهري يخفي
عملية فوضى غير مشاهدة من الخارج.
فوضى في كل شيء وفساد في كل ناحية واستبداد عام واستبداد على المستويات الدنيا، وتراجع علمي ومعرفي وبطالة مقنعة ومعدلات تصخمية مرتفعة وزيادة نسبة الفقراء إلى ما يزيد عن 30 في المئة، وانهيار اقتصادي يصل بنا إلى الإفلاس ويضع بلادنا في أعلى قوائم الدول المقترضة أو المدينة
هكذا هو الحال في بلادنا، فوضى في كل شيء وفساد في كل ناحية واستبداد عام
واستبداد على المستويات الدنيا، وتراجع علمي ومعرفي وبطالة مقنعة ومعدلات تصخمية
مرتفعة وزيادة نسبة الفقراء إلى ما يزيد عن 30 في المئة، وانهيار اقتصادي يصل بنا
إلى الإفلاس ويضع بلادنا في أعلى قوائم الدول المقترضة أو المدينة.
أشهر مثال على تلك الفوضى المنظمة هي فترة حكم المخلوع حسني
مبارك، إذ كانت
الدولة موزعة بين الجيش والشرطة والمخابرات بدرجة أقل، ثم تم توسيع نطاق الهيمنة
والسيطرة ليضاف إليها رجال الأعمال أو رجال جمال مبارك، وبالتالي أصبحت الدولة
دولة بين هؤلاء جميعا، أم الشعب فلا شيء له. كان رؤساء وزراء مبارك يتحدثون عن
ارتفاع معدلات التنمية، بينما الشعب يصرخ من غلاء الأسعار. وكان إعلاميو النظام
يفاخرون بأن
مصر جنة الديمقراطية بينما الشعب يقاطع الانتخابات، وكان الناس يصرخون
من دور الداخلية بينما مبارك يتحدث عن احترام السلطة لحقوق الإنسان، وكانت
المعتقلات لا تكفي لأعداد المعتقلين يوميا ويصرخ ساكنوها من التعذيب والإجرام، وكان
إعلام الداخلية ينظم الرحلات والزيارات المفبركة للسجون ليري العالم كيف أن سجون
مبارك نعمة من الله وفضل وأنها أشبه بالفنادق.
كانت سرقات المال العام تزداد وتوحش رجال جمال مبارك ينخر في جسد الوطن وفي
أراضيه التي تُمنح لهم بالمجان، بينما المواطن لا يجد شقة صغيرة يسكنها، بل وصل
الحال أن المواطنين لم يجدوا مقابر ليواروا فيها أجسادهم بعد الرحيل من الدنيا،
بينما تقام الأوبريتات وينشد المطربون أغاني من عينة "اخترناك اخترناك"،
والحقيقة أنه لم يتم انتخابه ولو لمرة واحدة بل كانت استفتاءات معدة سلفا ومعروفة
نتائجها قبل البدء فيها. كانت الحالة هي نموذج الفوضى المنظمة مثلما يقول الكتاب "Regular Irregularity". حين قررت
سوزان مبارك إدخال ابنها جمال على خط الحكم لكي يرث أباه هنا تغيرت الصورة وتحولت
الفوضى المنظمة التي يمكن التحكم فيها إلى فوضى غير منظمة يعني "Irregular Irregularity"، يعني
فوضى لا يمكن التحكم فيها أو السيطرة عليها فقامت الثورة التي تم الانقلاب عليها.
من هذا النموذج نفهم أن كلمة الاستقرار التي كانوا يتشدقون بها كانت حالة
ظاهرية لا تعبر عن دولة مؤسسات تملكها الدولة، بل كيانات تملك الدولة وتسيطر على مفاصل الأمور وتستطيع
هذه الكيانات عبر اتفاق غير مكتوب أن تمنع التحول من الفوضى المنظمة إلى الفوضى
غير المنظمة وبالتالي تحدث الكارثة، ومع تغير معادلة موازين القوى داخل الدولة
المنقسمة على ذاتها كان لا بد أن ينفجر الوضع وتنكشف الأمور على النحو الذي علمناه
بعد ثورة يناير.
الدولة في عصر مبارك لم تكن حاضرة بمفهومها السياسي والنظام السياسي لم يكن
واضح المعالم هل هو رئاسي حقيقي أم برلماني أم حتى نصف ملكي، لأنه في الحقيقة كان
مزيجا من كل ذلك فمحافظو المحافظات جلهم من الجيش والشرطة وهم ملوك في محافظاتهم
لا يسئلون عما يفعلون والوزراء كذلك فما بالك بالرئيس وقادة الجيش والأجهزة
السيادية، فهؤلاء كانوا فوق البشر بمسافات كبيرة.
لم يكن القضاء بعيدا عن المشهد لكنه لم يكن شريكا في القسمة في عالم الفوضى
المنظمة بصورة مباشرة، فهو أشبه بعزبة أو ضيعة يتوارث فيها الأبناء مواقع آبائهم
في سلك القضاء دونما أي مؤهلات ولا اختبارات، وهكذا الحال في وزارة الخارجية فلا
مكان للمتفوقين من أبناء الأسر العادية أو كما يقال "الفقراء لا يدخلون سلك
القضاء ولا يلجون باب الخارجية".
إذن أين كان الاستقرار المزعوم؟ كان في استمرار النظام كما هو واستمرار
الوزراء لضمان استمرار النظام المسمى زورا بالمستقر، والأمور كانت عكس ذلك وظهرت
واتضحت بعد أن اندلعت شرارة الثورة وصدرت الأوامر للشرطة بالانسحاب من الأقسام ومن
الشوارع، لتعلن أن وزارة الداخلية الشريك الأكبر في النظام خرجت من المعادلة
القديمة، وأنه وبمجرد سقوط مبارك سيسقط بقية أركان النظام ويتفكك الإطار الخارجي
الجميل لتظهر الحقيقة بكل قبحها وسوء معالمها.
الثورة لم تنتج الفوضى، بل كشفت عن حقيقة الفوضى المغطاة بغلالة رقيقة من
حرير طارت مع أول هتاف "عيش- حرية- عدالة اجتماعية".
ما بعد ثورة يناير لم يكن فوضى بل نظام جديد كان من المأمول أن يفرض نفسه
على الواقع لولا الخيانة والتآمر من قوى الثورة المضادة، وأعني هنا الجيش الذي
اعتبر أن الأمر كله يجب أن يؤول إليه لأنه عمود الخيمة في الفوضى المنظمة في
النظام القديم، إضافة إلى أنه القوة الصلبة الوحيدة المرخص لها باستخدام السلاح
وباعتبار أنه الوريث الشرعي لنظام مبارك.
ما بعد ثورة يناير لم يكن فوضى بل نظام جديد كان من المأمول أن يفرض نفسه على الواقع لولا الخيانة والتآمر من قوى الثورة المضادة
تعجل الجيش بالانقلاب على الرئيس محمد مرسي بعد أن تبين لقادته أن قطار
التغيير قد انطلق بعد محاولات تعطيل فاشلة استمرت لعام ونصف من قبل المجلس العسكري،
وانتهت بإجراء الانتخابات البرلمانية التي عُطلت والرئاسية التي تم الانقلاب عليها،
وكان تصور قادة المجلس العسكري أن عودة الأمور لما كانت عليه قبل 25 يناير يعني
عودة الاستقرار المزعوم، ولكن النتيجة أمامنا أثبتت أن كل ذلك كان مجرد أوهام أو
أحلام يقظة لم يتحقق منها شيء. فقد عدنا إلى أسوأ مما كنا عليه أيام المخلوع مبارك،
فالاقتصاد ينهار والمجتمع يتفكك والسياسة والقضاء تحت حذاء الجنرالات والثقافة
تكاد تكون مصادرة، والبلاد أصبحت نهبا لا لرجال الأعمال القدامى بل لرجال الإمارات،
والأمن القومي على المحك في دول الجوار وقد صرح الجنرال الحاكم بأن مصر شبه دولة
وأنه استلم "البتاعة دي"، ساخرا من قيمة ومكانة مصر.
الفوضى الحقيقة تحدث بسبب تدخل الجيوش وأطماع العسكر وتدخل الأجنبي حتى ولو
كان ناطقا بالعربية ضد رغبات الشعوب وإرادتها. ما تشهده مصر اليوم هو فوضى غير
منظمة على الإطلاق، وليس فوضى منظمة كما كان الحال في عصر مبارك المخلوع.
الفرق بين الفوضتين هو أن الفوضى المنظمة أيام مبارك كان فيها قوى تتصارع
وتتوازن لتحافظ على مصالح الجميع مع محاولة إرضاء الناس ولو بالقليل، أما اليوم
فالفوضى يتحكم فيها جنرال واحد يرى نفسه رسولا ومخلّصا وذا صلة بالله وليس له
شركاء، وهذا النوع الجديد من الفوضى يمكن القضاء عليه لأن الجميع يعرف أننا نعيش
في فوضى ويعرف من المتسبب فيها، وهذا هو الخبر الجيد حال انتفض الشعب لإزالة
الفوضى الحالية مرة واحدة وإلى الأبد.