تمر
الذكرى الخامسة عشرة لثورة
25 يناير، لا بوصفها مجرد ذكرى، بل كحدث تأسيسي أعاد
تشكيل الوعي السياسي للمصريين، وكشف في الوقت نفسه حدود ما يُسمح به حين تقترب
الشعوب العربية من استعادة إرادتها.
لم تكن
ثورة يناير انفجارا عفويا بلا سياق، بل تعبيرا متراكما عن غضب اجتماعي وسياسي عميق
ضد نظام استبدادي مغلق حكم
مصر لثلاثة عقود بقوانين الطوارئ. لكنها، كما يوضح
الصحفي الأمريكي ديفيد كيرباتريك في كتابه "بين أيدي العسكر"، وُضعت منذ
لحظتها الأولى داخل معادلة خطرة: ثورة بلا قيادة موحدة، في مواجهة دولة عميقة
متماسكة، ومجلس عسكري لم يغادر موقعه الحقيقي يوما، وظل ممسكا بأجهزة الأمن ومفاصل
السلطة.
كيرباتريك،
مراسل نيويورك تايمز في القاهرة آنذاك، وثّق في كتابه الكثير مما خفي في تلك
المرحلة، وتنبه إلى أن المجلس العسكري لم يكتفِ باحتواء الثورة، بل تلاعب بكل
القوى السياسية دون استثناء، وفق سياسة مدروسة تقوم على تعميق الانقسام بين
الثوار، واستنزاف القوى المدنية، وخلق صراعات جانبية تُبعد الأنظار عن جوهر
السلطة، مع إبقاء الجيش حكما وفاعلا خفيا في كل معادلة.
لم يعد السؤال هنا: لماذا فشلت الديمقراطية؟ بل: كيف نجح الحكم العسكري في إعادة إنتاج دولة أفقر، وأضعف، وأكثر ارتهانا للخارج؟
لم يكن
الصراع -كما حاولوا تصويره- بين الإسلاميين والليبراليين، أو بين الثورة والدولة،
صراعا طبيعيا بالكامل، بل جرى تغذيته وإدارته بعناية من قِبل مؤسسة لم تكن ترغب في
تسليم السلطة أصلا، بل في إفشال أي تجربة مدنية يمكن أن تُنهي امتيازاتها
التاريخية.
وفي هذا
السياق، جاءت رئاسة الدكتور محمد مرسي -رحمه الله - بوصفها نتاج أول وآخر انتخابات
تنافسية حقيقية شهدتها مصر، لكنها كانت أيضا التجربة التي قرر المجلس العسكري
والدولة العميقة إفشالها بكل الوسائل. فقد حُوصِر الرئيس المنتخب بمؤسسات لم
تُطهَّر، وإعلام معادٍ ومموَّل، وأجهزة أمنية غير متعاونة، وأزمات مصطنعة في
الوقود والكهرباء، وتعطيل إداري وقضائي غير مسبوق.
ورغم ذلك،
ورغم أن الرجل حكم فعليا عاما واحدا فقط في ظل هذه العراقيل، فإن الأرقام -لا
الشعارات- تشهد بحقيقة غُيِّبت عمدا عن الوعي العام. فبيانات الحساب الختامي للعام
المالي من 30 حزيران/ يونيو 2012 إلى 30 حزيران/ يونيو 2013 تشير بوضوح إلى أن مصر
كانت تتجه لإعادة البناء؛ إذ تحقق فائضا في ميزان المدفوعات لأول مرة منذ نحو
خمسين عاما، فبعد عجز بلغ 11.3 مليار دولار، تحوّل إلى فائض قدره 237 مليون دولار.
هذا التحول لم يكن صدفة، بل نتيجة تحسّن تدفقات النقد الأجنبي، وضبط نسبي للميزان
التجاري، وإدارة رشيدة رغم الضغوط الهائلة، وغياب نهب منظّم للموارد.
الأرقام
منشورة، موثقة ومتاحة، والأرقام لا تكذب.. لكنهم يتجاهلونها. وتمكن مقارنة ذلك
بالوضع الاقتصادي اليوم، من ديون خارجية وداخلية تجاوزت كل حدود الاحتمال، وخدمة
دين تلتهم أكثر من موارد الدولة نفسها، واستدانة مستمرة لسداد استدانة سابقة، وبيع
واسع لأصول الدولة وأراضيها ومؤسساتها، وتراجع غير مسبوق في قيمة مصر ومكانتها
الاقتصادية والسيادية، بعد التفريط في الحدود، وأمن المياه، وأمن الطاقة.
لم يعد
السؤال هنا: لماذا فشلت الديمقراطية؟ بل: كيف نجح الحكم العسكري في إعادة إنتاج
دولة أفقر، وأضعف، وأكثر ارتهانا للخارج؟
ثورة يناير لم تفشل، بل أُفشلت بتحالف العسكر والمال الإقليمي والمصالح الدولية، الذين خططوا لاغتيال أول محاولة حقيقية لبناء دولة مدنية حديثة
لم يكن
انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 استجابة شعبية بريئة، بل ذروة مشروع للثورة المضادة جرى
بتمويل خليجي مباشر، وتغطية سياسية دولية، وجهد إسرائيلي لتوفير الغطاء والدعم،
وقيادة عسكرية رأت في الديمقراطية خطرا وجوديا.
واليوم،
وبعد خمسة عشر عاما، تبدو مصر وقد عادت إلى نموذج أكثر قسوة من الدولة السلطوية،
مع إغلاق كامل للمجال العام، وسحق للحريات، وتجريف للاقتصاد، مقابل خطاب دعائي
أجوف عن "الاستقرار".
ثورة
يناير لم تفشل، بل أُفشلت بتحالف العسكر والمال الإقليمي والمصالح الدولية، الذين
خططوا لاغتيال أول محاولة حقيقية لبناء دولة مدنية حديثة.
وفي
ذكراها الخامسة عشرة، نتذكر الشهداء الذين رفعوا بكل طهر وبراءة شعار: "عيش..
حرية.. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية"، فترجموا به أحلام الشعب المصري
وآماله.
ستبقى
ثورة يناير شاهدا حيا على أن الشعوب قد تُهزم مؤقتا، لكن الحقيقة لا تُهزم، ودماء
الأبرياء لا تشربها الأرض، والأرقام -مهما أُخفيت- ستظل تفضح من نجح.. ومن فشل
ودمّر.