الإمارات في قلب النظام العالمي.. من اتحاد 1971 إلى دولة نفوذ بعد 2011

فاطمة رؤوف
"لم تعد الإمارات تكتفي بتحصين الداخل، بل بدأت التدخل المنهجي في الإقليم لإجهاض أي تجربة"- وام
"لم تعد الإمارات تكتفي بتحصين الداخل، بل بدأت التدخل المنهجي في الإقليم لإجهاض أي تجربة"- وام
شارك الخبر
لم يكن ما أُعلن في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر 1971 قيامَ دولةٍ موحّدة بالمعنى الكلاسيكي، بل كان اتحادا بين كيانات حاكمة أكثر منه اندماجا بين مجتمعات. سبعُ إماراتٍ متجاورة، لكلٍّ منها تاريخٌ محليّ محدود، ونخبةٌ حاكمة مستقلة، وولاءاتٌ قبلية واقتصاداتٌ متفاوتة، اجتمعت لا بفعل حركة شعبية أو مشروع وطني جامع، بل نتيجة تسوية سياسية رعتها بريطانيا قبيل انسحابها من شرق السويس.

في قلب هذه التسوية، برز محوران لا ثالث لهما: أبو ظبي، بقيادة آل نهيان، بثقلها النفطي وعمقها القبلي وقدرتها على تمويل الدولة الوليدة؛ ودبي، بقيادة آل مكتوم، بوصفها ميناء تجاريا مفتوحا، قليل الموارد الطبيعية، لكنه غنيّ بالشبكات والعلاقات والخبرة الاقتصادية. لم يكن الطرفان متساويين في القوة، لكنهما كانا متكاملين في الوظيفة.

هنا لعب زايد بن سلطان آل نهيان الدور الحاسم؛ لم يكن مؤسس الاتحاد لأنه فرضه بالقوة، بل لأنه قدّم معادلة البقاء: النفط مقابل الاستقرار، والريع مقابل تأجيل السياسة؛ أبو ظبي تموّل وتؤمّن، ودبي تُدار بحرية اقتصادية شبه كاملة، فيما تُترك بقية الإمارات في هامشٍ محكوم بهذا التوازن. هكذا نشأت الإمارات كدولة تعاقد بين أُسرٍ حاكمة، لا كدولة وُلدت من صراع اجتماعي أو حركة تحرّر وطنية.
شكّل الربيع العربي لحظة كاشفة؛ لم يكن الخطر في الاحتجاجات بحد ذاتها، بل في ما حملته من إعادة تعريف للشرعية السياسية

عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: شرعية الريع وتأسيس دولة بلا سياسة

في عهد الشيخ زايد، تبلورت شرعية الدولة على أساس الريع لا المشاركة، لم تُبنَ المؤسسات السياسية لتُعبّر عن المجتمع، بل لتدير توزيع الثروة وتضبط المجال العام. كان النفط أداة دمج اجتماعي فعّالة: وظائف، وإسكان، وخدمات، مقابل غيابٍ كامل للسياسة المنظّمة.

في هذا النموذج، لم تُقمع السياسة لأنها لم تُولد أصلا، الدولة لم تدخل في صدام مع قوى اجتماعية منظّمة، بل سبقت تشكّلها. كانت الشرعية تُستمد من القدرة على توفير الرفاه والأمان، لا من التمثيل أو الانتخابات، هذا ما جعل الإمارات تبدو مستقرة في محيط مضطرب، لكنه في الوقت ذاته، أسّس لدولة تعتمد على الإدارة لا المشاركة، وعلى الضبط لا التفاوض.

2004: التحوّل نحو الأمننة مع صعود الشيخ محمد بن زايد آل نهيان

مع وفاة الشيخ زايد عام 2004، دخلت الإمارات مرحلة جديدة، انتقلت من دولة تعتمد على الريع والاستقرار إلى دولة تعيد تعريف نفسها أمنيا. برز محمد بن زايد آل نهيان بوصفه الفاعل المركزي في إعادة هندسة الدولة، ليس عبر خطاب أيديولوجي، بل عبر بناء مؤسسات أمنية حديثة وتعميق التحالفات العسكرية.

لم تعد المصلحة الوطنية تُفهم باعتبارها حماية الداخل فقط، بل إدارة المخاطر خارج الحدود. في عالم ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر، أصبحت اللغة الأمنية هي العملة المشتركة مع الولايات المتحدة. وقدّمت الإمارات نفسها كشريك قادر على التحرك السريع، قليل الحساسية الداخلية، ومستعد لأداء أدوار لا ترغب القوى الكبرى في الظهور المباشر فيها.

كانون الثاني/ يناير 2011: صدمة الربيع العربي والخوف الوجودي

شكّل الربيع العربي لحظة كاشفة؛ لم يكن الخطر في الاحتجاجات بحد ذاتها، بل في ما حملته من إعادة تعريف للشرعية السياسية. صعود جماعة الإخوان المسلمين مثّل تهديدا وجوديا لنموذج الحكم الإماراتي: تنظيم عابر للحدود، وخطاب ديني يمنح شرعية مستقلة عن الدولة، وقدرة على بناء شبكات اجتماعية موازية.

هنا تحوّل القلق إلى سياسة، لم تعد الإمارات تكتفي بتحصين الداخل، بل بدأت التدخل المنهجي في الإقليم لإجهاض أي تجربة قد تُنتج شرعية سياسية خارج سيطرة الدولة. الهدف لم يكن مواجهة الإسلام السياسي فقط، بل منع فكرة السياسة ذاتها من الترسّخ كنمط حكم بديل.

3 تموز/يوليو 2013: اغتيال التجربة المصرية وتمويل الانقلاب

في مصر، وجدت أبو ظبي الفرصة المثالية. لم يكن دعم انقلاب تموز/ يوليو 2013 مجرد مساعدة اقتصادية، بل استثمارا سياسيا واسع النطاق. ضُخّت مليارات الدولارات لضمان سحق التنظيمات السياسية المستقلة، وإعادة إنتاج دولة مركزية منهكة، تعتمد على الدعم الخارجي وتبتعد عن أي طموح إقليمي مستقل.

بهذا المعنى، لم تُغتل التجربة المصرية فقط، بل أُعيد توظيف مصر في منظومة إقليمية تُدار من الخارج؛ تحوّلت من لاعب إلى أداة استقرار سلبي، يستهلك أزماته الداخلية ويؤدي وظيفة الاحتواء.

السيطرة دون سيادة: إدارة الانهيار الإقليمي

في اليمن، انكشف الطابع الوظيفي للدور الإماراتي بوضوح؛ تحوّلت الإمارات من شريك في التحالف إلى فاعل مستقل يدعم قوى انفصالية، ويعيد تشكيل الجغرافيا السياسية بما يخدم السيطرة على الممرات البحرية. وفي ليبيا، دعمت حربا بالوكالة عبر خليفة حفتر، بينما اتُّهمت في السودان بتغذية الصراع عبر دعم قوى مليشياوية بحثا عن نفوذ وثروة.

القاسم المشترك لم يكن الانتصار، بل إدارة الصراع؛ لا حسم نهائيا، بل نزاعات منخفضة الشدة، تُستثمر سياسيا واقتصاديا.

السودان: دعم المليشيا وصناعة الموت

في السودان، اتخذ الدور الإماراتي طابعا أكثر دموية، عبر دعم قوات الدعم السريع وتمكينها من التحوّل إلى قوة تنازع الدولة على احتكار العنف. هذا الدعم، السياسي والمالي واللوجستي، أسهم في تفجير حرب شاملة أدّت إلى مقتل آلاف المدنيين في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة، وارتكاب انتهاكات واسعة شملت التهجير القسري والنهب والعنف المنهجي.

لم يكن الهدف حسم الصراع، بل إبقاء السودان في حالة تفكك دائم، تُدار فيها الفوضى وتُستثمر المأساة كأداة نفوذ، بما يمنع قيام دولة مركزية مستقلة وقادرة على الخروج عن منظومة التبعية الإقليمية.

النهج السعودي في السودان: دبلوماسية بلا حسم

اتبعت السعودية نهجا مختلفا شكليا لا جوهريا، لم تدعم مليشيا بعينها كما فعلت الإمارات، لكنها لعبت دور إدارة الأزمة لا إنهائها، عبر رعاية مسارات تفاوض شكلية، أبرزها محادثات جدة، من دون ضغط جاد لوقف الحرب أو تفكيك اقتصادها.

ركّزت الرياض على تأمين مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر ومنع انتقال الفوضى إلى حدودها، متقبّلة بقاء الصراع منخفض الحسم طالما لا يُنتج سلطة سودانية قوية ومستقلة.

وجهان لعملة واحدة
اختلاف الأسلوب لم يُخفِ وحدة الغاية: منع تشكّل دولة وطنية مستقلة، قادرة على امتلاك قرارها السياسي أو الخروج عن منظومة التبعية الإقليمية

من اليمن إلى السودان، يتضح أن ما يبدو اختلافا بين الإمارات والسعودية ليس سوى توزيع وظائف داخل مشروع واحد. في اليمن، تقاسمتا الأدوار بين الغطاء السياسي والهيمنة الميدانية، وبين الشرعية الشكلية والسيطرة على الموانئ والجزر. أمّا في السودان، فقد انكشف النموذج بصورة أكثر فجاجة: الإمارات دعمت المليشيا بوصفها أداة تفكيك مباشر، بينما تولّت السعودية إدارة المشهد دبلوماسيا عبر مسارات تفاوضية تُبقي الحرب تحت السيطرة دون أن تضع حدا لها.

اختلاف الأسلوب لم يُخفِ وحدة الغاية: منع تشكّل دولة وطنية مستقلة، قادرة على امتلاك قرارها السياسي أو الخروج عن منظومة التبعية الإقليمية.

هكذا يصبح السودان الدليل القاطع، لا الحالة الاستثنائية. فالإمارات لا تبحث عن الاستقرار، بل عن السيطرة عبر الفوضى، والسعودية لا تسعى إلى الحسم، بل إلى الاحتواء طويل الأمد. واحدة تموّل العنف وتُغذّيه، والأخرى تنظّم تداعياته وتدير مساراته، وكلتاهما تعملان داخل الهامش المرسوم دوليا. ليستا خصمين ولا حليفين كاملين، بل شريكين وظيفيين في نظام إقليمي يُكافئ من يُجيد إدارة الانهيار أكثر ممن يسعى إلى بناء الدولة.
التعليقات (0)