من إدارة الأزمات إلى كسر العظام: الإقليم يتجه نحو المجهول في 2026 (6-6)

محمود النجار
"قد يظهر فراغ أمني وسياسي يصعب السيطرة عليه"- جيتي
"قد يظهر فراغ أمني وسياسي يصعب السيطرة عليه"- جيتي
شارك الخبر
ربما تجيء هذه المقالة الأخيرة من سلسلة المقالات الست في ظروف مختلفة وجديدة، تقع في القلب منها إيران، وسط تغول أمريكي صهيوني يتسم بكثير من العنجهية والغرور العسكري، بسبب القدرات القتالية المتطورة والفاعلية على الأرض، وما يهمنا، والحالة هذه، أن نركز على أثر تلك الحرب على الإقليم العربي بدرجة أساسية.

ابتداء لا بد من التأكيد على أن هزيمة إيران في الحرب ستؤثر سلبا على الإقليم، وسيكون لها أثر بالغ على الاستقرار في المنطقة، وستسهل على الكيان المحتل بسط هيمنته على الدول العربية، وهو ما سيجعل المنطقة تغلي بسبب استكبار القوة الذي مارسه الكيان المحتل ويمارسه وسيمارسه بشكل أكثر غرورا، فيما لو استطاع تحييد إيران بهزيمتها أو بإضعافها، وأكبر المتأثرين بسقوطها أو إضعافها ستكون حركة حماس وحزب الله بالدرجة الأولى، وأنصار الله في اليمن والمليشيات الشيعية في العراق بالدرجة الثانية.

إضعاف حركة حماس سيقوي شوكة قوات الاحتلال في مواجهة ما تبقى من قوة للحركة، ولا أظن أن ثقافة حماس تمنحها أدنى إمكانية على الاستسلام، وهو ما سيشعل قطاع غزة من جديد، ويُسقط المزيد من الشهداء، ويبعثر الأوضاع ويقود إلى مجهول لا يعلمه إلا الله.

لو نجح الكيان المحتل ومن ورائه الولايات المتحدة في إخضاع إيران، فذلك مما سيغير شكل المنطقة، وسيجعل النفوذ الصهيوني وغروره يصل إلى كل العواصم العربية وبعض الإسلامية

وإضعاف حزب الله سيعطي الفرصة للحكومة اللبنانية لمواجهة الحزب، وإخضاعه، وهنا لا بد من التوقف قليلا على سيناريو قد يقلب لبنان رأسا على عقب ويعيد كارثة الحرب الأهلية التي نشبت 1975 عام، واستمرت حتى عام 1990، بعد اتفاق الطائف 1989؛ ذلك أنني أتصور أن حزب الله، غالبا، سيرفض تسليم سلاحه والعمل كحزب سياسي فقط، وهو ما قد يؤجج صراعا مسلحا، يعيد لبنان إلى الوراء 100 سنة، وهو اليوم يعاني اقتصاديا معاناة كبيرة، تكاد تشل مفاصل الدولة، فكيف لو نشبت حرب أهلية جديدة.

وجدير بالإشارة أن ثمة احتمالا كبيرا أن تتدخل الولايات المتحدة أو دولة الاحتلال في الحرب الأهلية لو نشبت، وربما بعض دول الإقليم بشكل غير مباشر، كالإمارات والسعودية، بدعم أطراف تعادي حزب الله، وهو ما سيخلط الأوراق ويدمر لبنان على كل صعيد. وثمة احتمال، أن يقوم حزب الله بانقلاب عسكري بالتواطؤ مع ضباط في الجيش، ليحكم لبنان؛ فتزداد الفوضى والفقر والمواجهات التي لن تتوقف، وهو ما سيدفع الكيان المحتل إلى تدمير بيروت، وبعض المدن الأخرى بذريعة أن من يحكمها (عصابة إرهابية)..!

أما أنصار الله (الحوثيون) في اليمن فسينكفئون على أنفسهم، وينشغلون بالمحافظة على نفوذهم في صنعاء واليمن الشمالي بشكل عام، لكن، مع انعدام الدعم الإيراني، لا أحد يعرف ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع هناك. لكن على المدى البعيد وربما القريب، قد يكون ثمة تدخل أمريكي صهيوني يدمر صنعاء ويؤثر على الوجود الحوثي تأثيرا كبيرا، مما يجعل صنعاء قابلة للخضوع القهري..

أما المليشيات العراقية، فلا أظن أن من السهل القضاء عليها، لأنها متغلغلة في أعماق الطائفة الشيعية التي تشكل الأغلبية من السكان، ولأن هذه المليشيات ترتبط بشخصيات سياسية فاعلة في الحكومة والبرلمان. وفي حال حاولت الدولة إخضاعها، فربما تقوم بجر البلاد إلى حرب أهلية وربما انقلاب عسكري يضعف الدولة ويقضي على مقدراتها، وهو ما يسعى له الكيان المحتل.

لو نجح الكيان المحتل ومن ورائه الولايات المتحدة في إخضاع إيران، فذلك مما سيغير شكل المنطقة، وسيجعل النفوذ الصهيوني وغروره يصل إلى كل العواصم العربية وبعض الإسلامية، فالكيان المحتل اليوم يهدد تركيا وقطر، ويمني نفسه بالسيطرة على دول وأجزاء من الدول العربية، ولا يتوانى بعض الساسة الصهاينة عن البوح بمخططاتهم (من الفرات إلى النيل)!

سقوط النظام الإيراني لن يضمن استقرارا عربيا، لكنه قد يضعف سيطرة فصائل تابعة لطهران، ويُعيد تشكيل التحالفات داخل المنطقة

وفي حين تتحرك أمريكا، كما يبدو، لمنع تحول الصراع إلى حرب إقليمية قد تتسبب في رفع أسعار الطاقة، وتضر بالانتخابات الأمريكية، أو المصالح الاقتصادية؛ يعمل الكيان المحتل على تمزيق المنطقة، ويفكر فقط في الهيمنة وإذلال الفلسطينيين والعرب، تماما كما يسعى لإسقاط النظام في إيران بما قد يفتح الباب لصراعات داخلية على السلطة بين الجماعات العرقية والطائفية، وهذا قد يؤدي لفوضى تمتد إلى الحدود العراقية، وربما تؤثر على الأمن العربي بشكل مباشر.

إن أهم ما يجب أن يعرفه العرب أن سقوط النظام الإيراني لن يضمن استقرارا عربيا، لكنه قد يضعف سيطرة فصائل تابعة لطهران، ويُعيد تشكيل التحالفات داخل المنطقة. وفي الوقت نفسه، قد يظهر فراغ أمني وسياسي يصعب السيطرة عليه. لكنني أتصور أن الاحتمال الأكبر أن إيران لن تسقط، لكنها ستضعف اقتصاديا وسياسيا، وستحتاج إلى وقت طويل لاستعادة عافيتها، وربما تتغير الظروف بسقوط ترامب في الانتخابات أو في انتخابات مبكرة، فيتغير أسلوب التعاطي مع إيران، ويتم إبرام اتفاقيات معقولة، قابلة للتنفيذ.

وفي حال لم يبدأ الاحتلال بمشروعه التوسعي والهيمني، فربما تستفيد السعودية من تقليل الضغط الإيراني على الحدود الجنوبية، وقد يجعلها ذلك أكثر قدرة على التركيز على قضايا داخلية وتحولات تنموية واقتصادية، لكنني على قناعة كبيرة بأن الكيان المحتل لن يترك المنطقة مستقرة، وأنه سيظل مقلقا وطامعا ليس في ثروات المنطقة فحسب، بل في أرضها وسمائها.

وفي المحصلة، فمن المؤكد أن سقوط إيران أو إضعافها ليس في مصلحة العرب، لأنه سيترك الساحة مفتوحة على مصراعيها للكيان المحتل يعبث بها كيف يشاء، وعلينا ألا نتمنى سقوط إيران بسبب دورها الطائفي الإجرامي في سوريا، وأن ننظر إلى مصالحنا من بوابة السياسة، لا من بوابة الكراهية والرغبة في الانتقام..!
التعليقات (0)