في
العام 2017 وفي لحظة سياسية مضطربة من التاريخ الأمريكي، صدر كتاب "الحالة
الخطيرة لدونالد
ترامب" (The Dangerous Case of Donald
Trump) ليشعل نقاشا واسعا حول حدود تدخل الخبراء
النفسيين في الشأن
العام، علما بأن الكتاب عمل جماعي شارك في كتابته 27 طبيبا نفسيا وخبيرا في الصحة
العقلية، إضافة إلى عدد من الأكاديميين والكتّاب والإعلاميين، وقد حررته الطبيبة
النفسية بندي لي. وجاء هذا العمل بوصفه محاولة لتحليل سلوك الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب من زاوية نفسية، مع التركيز على ما اعتبره المشاركون "مؤشرات خطورة"
مرتبطة بأسلوبه في القيادة والخطاب.
وفي
خضم العدوان الأمريكي الصهيوني على
إيران، والعاصفة الجماهيرية المعارضة لترامب
داخل الولايات المتحدة وخارجها، والخلافات الكبيرة مع المجتمع الدولي؛ يبدو الرجوع
إلى هذا الكتاب ضرورة حيوية، وربما حاجة ملحة أيضا..
لا
يقدم الكتاب تشخيصا طبيا مباشرا لشخصية ترامب، إذ يؤكد المشاركون التزامهم بحدود
الممارسة المهنية التي تمنع إصدار تشخيص دون فحص سريري مباشر، لكنهم يطرحون ما
يسمونه "واجب التحذير"، وهو مبدأ أخلاقي يرى أن من حق، بل من واجب
المتخصصين التنبيه إلى المخاطر المحتملة عندما يتعلق الأمر بشخصية عامة تتحكم
بمصير مجتمع بأكمله.
في خضم العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، والعاصفة الجماهيرية المعارضة لترامب داخل الولايات المتحدة وخارجها، والخلافات الكبيرة مع المجتمع الدولي؛ يبدو الرجوع إلى هذا الكتاب ضرورة حيوية، وربما حاجة ملحة أيضا
يركز
المؤلفون على مجموعة من السمات التي يرونها متكررة في السلوك العلني لترامب، مثل
النرجسية المفرطة، والاندفاعية، وضعف التعاطف، والتقلب في المواقف، والحاجة
المستمرة إلى الإعجاب والاهتمام الإعلامي. ويرى بعضهم أن هذه السمات إذا اجتمعت في
شخصية تمتلك سلطة واسعة، قد تؤدي إلى قرارات غير متوقعة أو عالية المخاطر. كما
يناقش الكتاب ما يسميه "تأثير ترامب"، أي احتمال انتقال بعض أنماط
الخطاب العدائي أو الاستقطابي إلى المجتمع، بما قد ينعكس على الثقافة السياسية
والنفسية العامة.
أثار
الكتاب منذ صدوره ردود فعل متباينة؛ فقد رأى مؤيدوه أنه محاولة مسؤولة لقراءة سلوك
قيادي مؤثر، بينما رأى منتقدوه أنه يخلط بين العلم والسياسة، وأنه يفتح الباب
لاستخدام التحليل النفسي بوصفه سلاحا في الصراع السياسي. وبين هذا وذاك، بقي الكتاب
وثيقة مثيرة للاهتمام؛ لأنها تعكس لحظة تاريخية شهدت تداخلا غير مسبوق بين علم
النفس والحياة العامة، وأكاد أجزم أن معارضي ما جاء في الكتاب، في غالبيتهم
العظمى، من مؤيدي ترامب وأنصاره من الحزب الجمهوري..!
غير
أن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن في تشخيص رجل بعينه، بل في تعرية زمن كامل
صار فيه المزاج الشخصي يتحكم في مصير الأمم؛ فحين تبلغ السياسة مرحلة يصبح فيها
العالم رهينة نزوات فردية، وحين يخرج الأمر عن كون القائد يعاني خللا نفسيا؛ يبرز
السؤال المركزي عن كيفية سماح نظام كامل، ومؤسسات كاملة، وجمهور كامل، بأن تُسلَّم
مفاتيح القوة إلى شخصية لم تختبر نفسها إلا في مرايا الإعجاب وفي عيون المعجبين! ذلك
أن الخطر لم يقتصر على رجل واحد، بل على منظومة، وعلى دولة عظمى قبلت أن يحكمها مزاج
رجل متوثب للغضب، أو باحث عن التصفيق..!
ومن
زاوية حيادية تفرضها المهنية الصحافية، يمكن القول بأن ما يقدمه الكتاب لا يرقى
إلى حكم طبي قاطع، لكنه يلفت الانتباه إلى نمط سلوكي متكرر في الأداء السياسي يقوم
على الاندفاع الخطابي، والتصعيد السريع، والاعتماد المكثف على التأثير الجماهيري
المباشر. غير أن الإشكال، كما يطرحه المشاركون، يكمن في توافق بين نزعة الغضب
والضحك والتلون والتغيير المستمر للمواقف مع حساسية شديدة في منظومة القرار، حيث
تتحول ردود الفعل اللحظية إلى سياسات، ويتحول الخطاب الانفعالي إلى إشارات ينظر
إليها دوليا بوصفها مواقف رسمية.
وعليه،
فإن التقييم الأكثر توازنا لسلوك ترامب، انطلاقا من روح الكتاب، لا يذهب إلى إدانة
مطلقة، ولا تبرئة كاملة، بل يضعه في منطقة رمادية، لكنها أقرب إلى السواد؛ شخصية
ذات حضور قوي، تجيد مخاطبة جمهورها بفعالية، لكنها تعتمد، في الوقت نفسه، على
أسلوب شخصي شديد الغرور، عالي النبرة، سريع التقلب، ومشحون بالاستجابة العاطفية..
هذا المزيج قد يمنح هذه الشخصية قدرة على الحشد والتأثير في فئة محددة من الشعب،
لكنه يثير أيضا تساؤلات مشروعة حول الاستقرار والعقلانية في إدارة الأزمات. وهنا
تحديدا يتجلى جوهر النقاش؛ ليس في إصدار حكم نفسي على فرد، بل في مساءلة الحالة
السياسية التي تسمح بأن تصبح السمات الشخصية، أيا كان تفسيرها، عنصرا حاسما في
توجيه مسار دولة، وربما العالم بأسره.
إن
القيمة الحقيقية لهذا الكتاب تكمن في تعرية زمن كامل صار فيه المزاج الشخصي لاعبا
أساسيا في مصير أمة؛ فحين تبلغ السياسة مرحلة يصبح فيها العالم رهين نزوات فردية؛ لا
يمكن إلا أن نتساءل عن معاناة القائد خللا نفسيا. بل عن كيفية سماح نظام كامل،
ومؤسسات كاملة، وجمهور كامل بتسليم مفاتيح القوة إلى شخصية لم تعرف نفسها إلا من
خلال مرايا الإعجاب.. وهنا لا يتوقف الخطر على رجل واحد، بل على الحضارة التي قبلت
أن تحكمها غريزة رجل يحسن التوتر والغضب، ويحتاج إلى التصفيق حاجته إلى الماء
والهواء.
وفي
امتداد هذا الجدل حول شخصية ترامب، يبرز سؤال يتعلق بالوضع الراهن، وذلك عن مدى انعكاس
هذه السمات الشخصية على المواجهة القائمة اليوم مع إيران من منظور تحليلي..
ابتداء،
علينا أن نعترف بأنه لا يمكن اختزال مسار أي صراع دولي في شخصية قائد واحد،
فالمؤسسات العسكرية والدبلوماسية، وموازين القوى، والتحالفات الدولية، كلها عوامل
حاسمة، ومع ذلك، فإن نمط القيادة القائم على التصعيد الخطابي والردود السريعة، كما
أشار مؤلفو الكتاب، قد يضيف عنصرا من عدم التنبؤ إلى إدارة الأزمات. ففي حالات
التوتر المرتفع، يمكن للتصريحات الحادة أو الإشارات المتقلبة أن ترفع مستوى
المخاطر، سواء عبر سوء الفهم، أو عبر دفع الأطراف الأخرى إلى مواقف أكثر تصلبا.
في
المقابل، يرى بعض المراقبين أن هذا الأسلوب نفسه قد يُستخدم كأداة ردع، إذ إن
الغموض في ردود الفعل، والميل إلى المبالغة في التهديد، قد يدفع الخصم إلى تجنب
التصعيد خشية خطوات غير متوقعة. ومن هنا يتشكل تأثير مزدوج.. شخصية قادرة على
الحشد والتأثير، لكنها في الوقت ذاته تزيد من حساسية التوازنات، لأن القرارات
تُقرأ في ضوء المزاج السياسي والشخصي، بقدر ما تُقرأ في إطار الحسابات
الاستراتيجية. وبذلك، فإن انعكاس هذه الشخصية على أي مواجهة مع إيران لا يتمثل في
تغيير قواعد اللعبة وحدها، بل في إدخال عامل نفسي إضافي في معادلة معقدة، حيث يصبح
هامش الخطأ أضيق، ويغدو ضبط الإيقاع بين التصعيد والتهدئة أكثر دقة وحساسية.
هذا النوع من الردع يظل سلاحا ذا حدين؛ فهو قد ينجح في التقليل من إمكانية المواجهة المباشرة، لكنه، في الوقت نفسه، يزيد من خطر سوء التقدير، خاصة عندما تتكاثر الإشارات المتناقضة أو تتغير النبرة بسرعة
وإذا
أضيف إلى ذلك البعد التاريخي، يتضح أن أي توتر مع إيران يتسم أصلا بحساسية عالية،
نظرا لتشابك الملفات العسكرية والنووية والإقليمية. في مثل هذه البيئات، تلعب
اللغة السياسية دورا يوازي أحيانا وزن التحركات الميدانية؛ فقد تُقرأ التصريحات على
أنها رسائل ردع أو إشارات تصعيد.. وعندما تصدر هذه الرسائل عن قيادة توصف، وفق ما
أشار الكتاب، بأنها تميل إلى الحدة والتبدل السريع، وهنا يتسع هامش التأويل، وتصبح
الأطراف المقابلة أكثر ميلا إلى الاستعداد للأسوأ بدلا من افتراض التهدئة.
ومن
ناحية أخرى، قد يسهم هذا النمط القيادي في خلق ما يمكن تسميته "ردعا نفسيا"،
حيث يبني الخصم قراءته على احتمال اتخاذ قرارات غير تقليدية أو مفاجئة، فيتجه إلى
الحذر الشديد. غير أن هذا النوع من الردع يظل سلاحا ذا حدين؛ فهو قد ينجح في التقليل
من إمكانية المواجهة المباشرة، لكنه، في الوقت نفسه، يزيد من خطر سوء التقدير،
خاصة عندما تتكاثر الإشارات المتناقضة أو تتغير النبرة بسرعة. وهنا يصبح المشهد
أقرب إلى لعبة أعصاب طويلة، لا تُحسم فقط بالقوة العسكرية، بل بقدرة كل طرف على
قراءة مزاج الطرف الآخر بدقة.
وفي
الأثناء، فإن إيران، حسبما أرى، تستفيد من تصريحات ترامب المتناقضة، وتحتاط مسبقا
لكل تصريح يصدر عنه، فهو في الغالب يصرح بما سيفعله، وهو ما يصب في مصلحة إيران
التي تقرأ تصريحاته جيدا، وتحللها بعمق، وتعرف حقيقة كل تصريح، ومدى كذبه من صحته،
ولا أظنها تخشى تلك التصريحات النارية، لأنها استعدت مسبقا لأسوأ الاحتمالات..
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.