لم
تعد
الهزيمة حدثا منفردا، بل حالة نعيشها اليوم بكل تفاصيلها، والهزيمة لا تقاس
بما نخسر من الأرض فقط، بل بما يُنتزع من ضمائرنا وعقولنا بصمت.. ذلك أن المعارك
لا تُدار في جبهات الميدان فقط، بل في جبهات رؤوسنا، وصفحات قلوبنا التي باتت
ساكنة، لا تتحرك إلا حين تخترقها السهام؛ فتتحرك لتحسن البكاء، لا لتقوم بشحن
طاقتها للقاء العدو.. ليست المشكلة في عدوّ يتفوق عسكريا، بل في موازين اختلّت، حتى
اقتصر السؤال على القدرة على الفعل، لا على الرغبة فيه.. ومن هذا الموضع المربك،
يمكن قراءة ما كان؛ لفهم ما هو كائن اليوم.
ثمة
شيء ينكسر، من دون أن يُسمع له صوت.. ذلك ليس في الخسارات فقط، بل في المعنى ذاته..
معنى القرار، ومعنى السيادة، ومعنى أن يكون للإنسان حضور فيما يدور حوله. وفي هذا
الصمت الثقيل، تتبدّل الأدوار: فاعلون ينسحبون، ومؤثرون يتقدّمون، وتغدو القضايا
الكبرى مجرّد ملفات مطوية على أمل ضعيف بفتحها من جديد..!
ليس
أشدّ ما يُقلقنا أن تتغيّر خرائط العالم، بل أن تتغير خرائط الوعي، ومراكز الإحساس
التي يسيل منها دم الحياء والشعور بالمسؤولية، حين يصبح الاعتياد على الارتباك
والخسارات شكلا من أشكال التعاطي الجيد مع الأزمات؛ بحيث يستقر الخلل بوصفه نوعا
من أنواع الراحة والطمأنينة، وأن يتم تأجيل السؤال المركزي: كيف وصلنا إلى هنا،
ومتى سنستعيد وجودنا؟!
بين واقع يزداد تعقيدا، وتاريخ يزداد وضوحا كلما ابتعد؛ تبرز الحاجة إلى قراءة تُدين الماضي ولا تُبرّئ الحاضر، بل تبحث في الخيط الخفي الذي يصل بينهما
بين
واقع يزداد تعقيدا، وتاريخ يزداد وضوحا كلما ابتعد؛ تبرز الحاجة إلى قراءة تُدين
الماضي ولا تُبرّئ الحاضر، بل تبحث في الخيط الخفي الذي يصل بينهما..
* * *
لم
يكن سقوط طليطلة سنة 1085م مجرد حدث عسكري عابر في سياق الصراع بين المسلمين
والممالك المسيحية في
الأندلس، بل كان لحظة كاشفة لانهيار داخلي سبق الهزيمة
العسكرية بسنوات طويلة؛ فقد استطاع ألفونسو السادس أن يدخل المدينة، ليس فقط بقوة
السلاح، بل عبر استغلاله انقسامَ خصومه، إذ استغل صراعات ملوك الطوائف وتحالفاتهم
المتناقضة ليُحكم قبضته على واحدة من أهم حواضر الأندلس.. ولم تكن طليطلة مجرد
مدينة؛ كانت مركزا رمزيا وسياسيا، وسقوطها كان بداية إعلان عن تحوّل استراتيجي في
ميزان القوى. لكن الأخطر من السقوط ذاته، هو الطريقة التي حدث بها؛ فلم تسقط
الأندلس من الخارج فقط، بل تفككت من الداخل أولا..
بعد
انهيار الخلافة الأموية في الأندلس، ظهرت دويلات صغيرة متناحرة، عُرفت بممالك
الطوائف؛ ملوكها لم يكونوا مجرد حكّام ضعفاء، بل كانوا فاعلين في تعميق الضعف، فقد
دفعوا الجزية لألفونسو، وتحالف بعضهم معه ضد بعض، حتى أصبحت العلاقة مع العدو
الخارجي جزءاً من توازناتهم الداخلية. ولم يكن هذا مجرد خضوع، بل كان إعادة تعريف موجعة
للسيادة الوطنية (كما هي في مصطلحات الراهن)؛ حيث لم تعد السيادة تُقاس
بالاستقلال، بل بالقدرة على البقاء في الحكم، حتى لو كان الثمن الخيانة للأمة والارتهان
لأعدائها.
وقد
أدى هذا الواقع المر المشين إلى تقوية العدو اقتصاديا وعسكريا، إذ كانت الجزية
موردا مهمّا، من شأنه أن دعم توسع مملكة قشتالة، وأضعف اقتصاد الطوائف، وفي لحظة
استعادة الوعي المتأخرة، شعر ملوك الطوائف بأن الخطر بات وجوديا، فاستنجدوا بـيوسف
بن تاشفين. الذي لبى النجدة؛ فجاءت معركة الزلاقة سنة 1086م، حيث مُني ألفونسو
بهزيمة قاسية أوقفت زحفه مؤقتا، لكن هذه اللحظة، رغم أهميتها، كشفت مفارقة مؤلمة،
إذ لم يكن العجز في القدرة على المقاومة، بل في الإرادة السياسية الفاشلة التي
استمرت، ولم تتوقف؛ فما إن زال الخطر المباشر، حتى عادت
الانقسامات والتنافس بين
الممالك أسوأ من ذي قبل، بل إن بعض ملوك الطوائف خافوا من يوسف بن تاشفين أكثر من
خوفهم من ألفونسو، لأن الأول كان يحمل مشروع توحيد، بينما الثاني يكتفي بإبقائهم
ضعفاء لينقض عليهم في الوقت المناسب.
ولأن
الدرس
التاريخي يقول لنا بأن الهزيمة نمط لا حادثة.. فإذا تأملنا تلك المرحلة من
التاريخ؛ نجد أن الهزيمة لم تكن نتيجة قوة ألفونسو فقط، بل نتيجة عوامل منها: تفكك
الداخل/ الارتهان للخارج/ غياب المشروع الجامع..
وهذه
ليست مجرد وقائع تاريخية، بل نمط يتكرر في سياقات مختلفة؛ فمن الأندلس إلى الراهن،
هل تغيّر المشهد؟!
حين
ننتقل إلى الواقع
العربي المعاصر، قد تبدو الصورة مختلفة في الشكل، لكنها في العمق
تحمل ملامح مقلقة أو نمطا عميقا من التشابه.
في
الأندلس، كانت الجزية تُدفع نقدا، أما اليوم، فالتبعية تأخذ أشكالا أكثر تعقيدا:
فالجزية لم تعد مقتنعة بالمليارات، فصارت تجترح التريليونات.. وتحالفات أمنية غير
متكافئة، وارتهان اقتصادي، وخضوع سياسي في قضايا مصيرية.. لم تعد المسألة مجرد دفع
مال، بل إعادة تشكيل القرار الوطني نفسه، ضمن منظومات نفوذ تقودها الولايات
المتحدة، وتُترجم ميدانيا في دعم غير مشروط للعدو التاريخي للعرب والمسلمين.
الضعف الداخلي، يجعل الخارج قادرا على إعادة تشكيله كما يشاء، ومثال ذلك، تغيير المناهج في الدول العربية، بما يتواءم مع رغبات وأهواء الكيان المحتل، وتخريب أخلاق المجتمعات كما يحدث في السعودية من خلال قطاع الترفيه الذي يكاد يدمر الجيل الصاعد، ويفقده البوصلة تماما
وكما
انشغل ملوك الطوائف بصراعاتهم الداخلية؛ تعيش المنطقة اليوم حالة من غياب وعي
الأولويات، حيث الصراعات الداخلية، والنزاعات الإقليمية، وغياب الرؤية المشتركة.
وفي ظل هذا التفكك، تصبح القضايا الكبرى كالسيادة أو قضية الشعب الفلسطيني ثانوية
أو مؤجلة.
وكما
خاف ملوك الطوائف من مشروع يوسف بن تاشفين، تخاف أنظمة اليوم من أي مشروع تغيير
داخلي، حتى لو كان يعيد لها التوازن أو الكرامة الوطنية. وهنا تتكرر المفارقة، حيث
تفضَّل الدول العربية الضعف المستقر على القوة التي لا يسعون لها لمخاوف قد تنشأ
بسبب السعي لامتلاكها..!
لا شك
بأن ثمة فارقا بين الماضي والحاضر، فهناك اختلافات عميقة؛ فالنظام الدولي اليوم
أكثر تعقيدا، والدولة الحديثة تختلف عن الكيانات الوسيطة في الأندلس، وأدوات
الهيمنة لم تعد عسكرية فقط، بل إعلامية واقتصادية وثقافية ونفسية (ترهيبية). لكن
رغم هذه الفوارق، يبقى القاسم المشترك: أن الضعف الداخلي، يجعل الخارج قادرا على
إعادة تشكيله كما يشاء، ومثال ذلك، تغيير المناهج في الدول العربية، بما يتواءم مع
رغبات وأهواء الكيان المحتل، وتخريب أخلاق المجتمعات كما يحدث في السعودية من خلال
قطاع الترفيه الذي يكاد يدمر الجيل الصاعد، ويفقده البوصلة تماما.
التاريخ
لا يعيد نفسه تماما، لكنه يفضحنا، ويجعلنا نسأل: هل نحن أمام مرحلة ضعف عابرة؟ أو
أمام نمط مستقر من التبعية والتجزئة؟!
وبين
ألفونسو الذي استغل الانقسام، ويوسف بن تاشفين الذي حاول توحيد البلاد؛ يبقى
السؤال معلقا: هل كانت المشكلة في العدو؟ أم في الانبطاح والهشاشة والقابلية للاستغلال؟!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.