منذ 2011، سقطت أنظمة؛ لم تكن المشكلة يوما في ما تريد إسقاطه، بل في
ما تعجز عن تحمّله.
الوهم الأول: أن المشكلة في النظام
حين سقط بن علي، كان السؤال واحدا: أيّ نظام سيحل محله؟ ديمقراطية
ليبرالية؟ دولة إسلامية؟ نظام عسكري "مُصلح"؟
تبنّينا الإجابات، وخسرنا جميعها؛ لكن الخسارة الحقيقية لم تكن في
الميادين، كانت في العقل السياسي نفسه الذي أثبت أنه لا يملك سوى أن يختار بين
نماذج جاهزة؛ معظمها مستورد وجميعها فشل. المشكلة لم تكن غياب النظام، المشكلة كانت غياب
الخيال.
الوهم الثاني: أن المعارضة تختلف عن السلطة
هذا هو التابو الذي لا يُقال: المعارضة والسلطة يتشاركان نفس الخيال السياسي؛ كلاهما يفكر
بمنطق الغنيمة، كلاهما يرى السياسة صراع إرادات لا تدبير مصالح، كلاهما يُصنّف
المواطنين: موالون أو معارضة؛ لا أصحاب حقوق، كلاهما يعجز عن تصور سلطة تُؤسَّس أو
معارضة تُعظَّم حدّ.
المعارضة والسلطة يتشاركان نفس الخيال السياسي؛ كلاهما يفكر بمنطق الغنيمة، كلاهما يرى السياسة صراع إرادات لا تدبير مصالح، كلاهما يُصنّف المواطنين: موالون أو معارضة؛ لا أصحاب حقوق، كلاهما يعجز عن تصور سلطة تُؤسَّس أو معارضة تُعظَّم حدّ
حين تستولي المعارضة على السلطة تصبح سلطة؛ ليس لأن الناس يفسدون
بالضرورة، بل لأن الأدوات ذاتها، والمفاهيم ذاتها، والخيال ذاته، ينتج نفس النتيجة
بأسماء مختلفة.
هذا ما حدث في تونس، وفي مصر، وفي كل مكان أسقط الربيع فيه حاكما دون
أن يُسقط نمط التفكير في الحكم.
السؤال الذي لا أحد يطرحه
ثلاثة مشاريع كبرى جرّبها
العرب في قرن واحد: الديمقراطية
الليبرالية، والقومية العربية، والدولة الإسلامية؛ ثلاثة إخفاقات موثّقة. والسؤال الذي لا يُطرح: لماذا لا ننتج نحن شيئا لم يُنتَج
بعد؟
ليس تعريفا، وليس "خصوصية" وهمية تُبرر الاستبداد، بل خيالا
سياسيا ينبع من واقعنا؛ من مجتمعات تجمع الحداثة بالتقليد، والهشاشة الاقتصادية
بالطموح السياسي، والهوية العميقة بالانتماء للعالم.
ما معنى "الخيال السياسي"؟
الخيال السياسي ليس أحلاما، هو القدرة على تصور ما هو ممكن لكنه لم
يحدث بعد، هو ما جعل الحركات النسوية ترى حق التصويت حين كان مستحيلا، وما جعل
غاندي يرى في اللاعنف سلاحا حين كان المستعمر يملك المدافع، وما جعل الحركات
العمالية تبتكر الضمان الاجتماعي من لا شيء.
في المقابل، غياب الخيال هو ما يجعل
الثورة تأكل أبناءها، وما يجعل
كل
إصلاح يعود إلى نقطة البداية. العالم العربي لا يعاني من نقص في الغضب، ولا في الشجاعة، ولا في
الضحايا؛ يعاني من نقص في الخيال.
التابو الأكبر: نحن من نُعيد إنتاج أزمتنا
هذه الجملة يرفض كثيرون قولها؛ لأنها تبدو كأنها تُبرئ المستعمر
والمتآمر والخارج، لكن الحقيقة المرّة: الخارج لا يُحكم قبضته علينا لو لم نُزوّده
بأدوات القبضة من الداخل.
نحن من ننتج ثقافة الزعيم الضروري، ونحن من نُمجّد القوة ونحتقر
التفاوض، ونحن من نُبرّر أحيانا أن الحل ينتظر من فوق ولا يتحيّل أن يتشكّل من
تحت. هذه ليست ثقافة موروثة لا تتغير، هذه خيارات تُعاد باستمرار. وما
يُعاد.. يمكن أن يُكسر.
السؤال ليس: أيّ نظام نريد؟ السؤال: هل نملك الخيال الذي يجعل أيّ نظام ممكنا؟لأن الأنظمة لا تُستورد، تُتخيّل أولا، ثم تُبنى، وما
لا يُتخيّل.. يُعاد إنتاج فشله.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.