عن الفارق بين المصلح الفارس والمدعي

محمد ثابت
"استخدم الطغاة أساليب متعددة؛ كان منها في مصر تفريق المُتفقين على إنجاح الحراك الثوري"- عربي21/ علاء اللقطة
"استخدم الطغاة أساليب متعددة؛ كان منها في مصر تفريق المُتفقين على إنجاح الحراك الثوري"- عربي21/ علاء اللقطة
شارك الخبر
لا تنفي المقالات السابقة أن كل مصلح بل إنسان -مهما كان نقيا- هو في النهاية بشر له أن يخطئ مثلما يحرص على أن يصيب؛ وحتى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عاتبه الله تعالى في بعض الأمور ليثبت بشريته، وجاء العتاب في إحدى المرات بعد أن صدره تعالى بـ"عفا الله عنك" (من الآية 43 من سورة التوبة) في حادثة أسرى بدر. والشاهد هنا أن نفرق بين الخطأ الوارد غير المتعمد لمئات الآلاف من المصلحين أو الراغبين بهذا في مصر وغيرها؛ وبين تفاقم الأخطاء حتى لتقارب الخطايا أو تجاوزها، حتى يصبح أمر الثورة أو مجرد الإصلاح ذكرى تذهب ويبقى غيرها مما لا ينفع الناس، لا قدر الله تعالى.

من أساطير العرب ذات الدلالة في سياقنا هذا ما يروى من أن فارسا نبيلا كان يسير في قلب الصحراء فلقيه رجل يبدو الإعياء عليه، توقف فارسنا عارضا المساعدة ككل نبيل؛ تهدج صوت الرجل الذي يبدو المرض والضعف عليه رافضا أن يأخذه الفارس أمامه على الجواد، وبعد قليل تبين أنه يريد أن يركب الحصان بمفرده لأنه من شدة إعيائه لا يريد أن يتقاسمه معه أحد؛ ولو كان صاحبه.

ورغم غرابة الطلب إلا أن الرجل النبيل وافق قائلا: "نعم ونعمة عين". نزل الفارس عن أغلى ما يمتلكه في قلب صحراء لن ترحمه -إن فقد حصانه- تاركا إياه لرجل لا يعرفه ولا خبرة له به، لمجرد أنه لمح تعبا في ملاحه. أما الرجل الغريب فقد شد اللجام حول معصميه شد الخبير، وأسرع بالجواد مُطلقا صيحة وضحكة جنونيتينِ، فلما أن وقف بعيدا آمنا من ردة فعل صاحب الحصان قال في شماتة: هل أنت عاقل يا رجل؟ تترك جوادك بمتاعك وبإدامك؛ يعني حياتك بين يديّ غريب لا تعرفه لمجرد أنك رأيته متعبا، وما قولك فلربما كنتُ أدعي الإعياء؟ وما ردة فعلك لو أخبرتك الآن أنني أُمثل هذا الدور كل حين، ولكنني لم أر مَنْ هو أكثر طيبة منك؟

لم يأخذ الفارس نفسا وإنما قال على الفور: اسمع مني يا هذا وأنت في منأى عن يميني، فإن لم يعجبك قولي فخذ كل ما أملك ودعني لأقداري!

- حتى في هذا ما تزال لا تُحسنُ القول المناسب، أنت في موقف صعب ينجيك منه الاستعطاف لكي أترك لك ولو قليلا من الطعام والشراب بدلا من موتك جائعا ها هنا، ولن تجد مَنْ يأخذك أو يعينك، فسأذهب فورا برجالي المُتخفين الذين تركوني في طريقك وستموت.

- يا آخا العرب فقط أطلب منك ألا تروي ما فعلته لأحد فحسب، ودعني لحكم الله فيَّ!

- أمرك عجيب: فإني لا أعرفك ولا تعرفني، فلن يضرك أن أذكر أني سرقتُ في الحقيقة حياتك لا جوادك، ولن يضيرك الأمر.. فلِمَ هذا الطلب المعيب الآن؟!

- كي لا يستحقر المعروف والمروءة بين الذين سيسمعون خبرك معي؛ فكلما سمع بما فعلته أحد فلن يجير مضطرا، ولو كان الأخير صادقا وليس مثلك!

تقول بقية الأسطورة إن الغريب اللص نزل عن الجواد وأعطاه لفارسه قائلا: لا والله لن أدعك وأن يحتقر المعروف والمروءة بسببي، ولا أفعلها مع غيرك.

1- تعطي القصة دلالة هي الأهم في سياقها، ولا يجب أن تتطابق بحذافيرها أو حتى أبعادها مع المواقف الإصلاحية أو الثورية في النهاية، لكن الأهم في سياقنا الموقف الأخير منها، أي نبل الموقف الأخير، بحسب ما سيراه البعض على الأقل.

2- مواقف الحياة -في الأعم المطلق- تحتاج إصلاحا وثورية على النفس -أولا- خاصة تلك التي تأنس لما وصلت إليه؛ وتحب أن تتناسى الرفاق الذين أضيروا بسبب نصرتهم.

3- لما بدأت رحلة التخلص من الربيع العربي؛ استخدم الطغاة أساليب متعددة؛ كان منها في مصر "تفريق المُتفقين" على إنجاح الحراك الثوري، ولم يتحقق للفسدة الهدف بحذافيره؛ ويصعب هذا مع وجود الله تعالى وأقداره النافذة -سبحانه- ولكن كثيرا من المطلوب تحقق في جزئيات ولم يتحقق في أخرى.

4- كان من تمام المطلوب بعد 3 تموز/ يوليو 2013م استهداف القادة والمخلصين إما بالاستشهاد أو السجن الطويل، وهو هدف تحقق جانب منه، وكان منهم القادة المختصون في الصف الأول، والذين اعتادوا الإدارة سواء في واقع الحياة أو الثورة، لما سيحدثه ذلك من تخبط لدى الرفاق الباقين من بقية الصفوف.

5- عمد المفسدون لترك باب السفر مواربا لدى البعض، إذ إن مواجهة ملايين الثوريين في آن واحد لن يكون مجديا لديهم.

6- من الطبيعي أن تتم تحالفات جديدة في المنطقة حيال أنظمة قمعت شعوبها واستأثرت بالسلطة، مقابل انتقال سلطوي سابق كان يتم على نار أقل سخونة، أدرك بعض المهاجرين شيئا من هذا التحالف غير قليل الأهداف لدى مسخريهم.. ربما ليس سياقه هنا!

7- الزمن ومروره أقوى عدو لصلاح نفس بشرية لم تعتد البقاء في الأخطار طوال الوقت، وفي نفس التوقيت لاستتباب مقاعد الظالمين؛ خاصة بتبرع آخرين عبر المدة الزمنية الأليمة لتحقيق "مصالح" بإفهام الغالبية أن نصرها قادم!

8- هاجر مع القوم البعض ممن لم يقبلوا استمرار الحياة ودماء أحباب وأقران لهم تسيل، فلتكثير سواد الثوريين ذهبوا وعانوا ثم سافروا؛ أولاء ليسوا مرتبطين أيديولوجيا بتنظيم أو حراك، وإنما غلبت عليهم النخوة كمثل الفارس في القصة، واستئثار المؤدلجين بعدم نصرة إلا ذويهم. وترك غيرهم (ممن يذكرونهم بأن الحياة ليست داخل الأدلجة وحدها) ظلم فادح!

9- تمتحن الأقدار أولاء بهؤلاء والنقيض بالنقيض، وقد كان الرسول العظيم يعتمد -كعادته صلى الله عليه وسلم- النصيحة متى جاءت من الصف المسلم وليس بالضرورة من المقربين إليه.

10- سيتأخر النصر -بل معالمه- كثيرا ما لم نقرأ بروية قصة الفارس الماضية وكل ما يشبهها، وصلى الله على المصطفى وسلم: إنما تفوقون عدوكم بأخلاقكم.

وللحديث بقية ما دام في العمر بقية بإذن الله تعالى.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)