الفيلسوف الشهيد

عبد الرحمن أبو ذكري
مرتضى مطهري- وكالة مهر
مرتضى مطهري- وكالة مهر
شارك الخبر
من كرامات الشهادة، أن تُدرك حجم خسارة الوجود في الشهيد ساعة عروجه؛ فإن الله تعالى لا يجتبي إليه الأراذل. لا يجتبي إلا خير الخلق، وأحراهم بهذه المكانة الكريمة. يجتبي هؤلاء الذين ينتقص غيابهم خير هذه الدار؛ لهوانها عليه وكرامتهم عنده. وقد روي عن والدة شهيدنا أنها رأت قبل وضعه -فيما يرى النائم- الملائكة تُخبرها أنه يخدم الإسلام. وكان ابنها عند حسن الظن؛ فقضى حياته -كما نحسب- في خدمة الإسلام والمسلمين، حتى لحق بربه على أكرم صورة. فكأن كرامة الحياة التي يختارها الإنسان، هي التي يصنع الله تعالى بها كرامة الميتة التي نلقاه بها سبحانه.

ولد الأستاذ مرتضى مطهري في بعض قُرى خُراسان نحو عام 1920م، وكان أبوه هو الذي أخذ بيده إلى القرآن. وقد تجلَّت محبته للعلم ظاهرة بارزة في تكوينه، منذ نعومة أظفاره. ففي الخامسة من عُمره، التحق بالكُتَّاب بغير أن يستأذن أهله. وفي الثانية عشرة، وبعد أن تلقَّى أوليات العلوم الإسلاميَّة على أبيه، الذي كان من علماء خراسان الموقَّرين؛ قر قراره بالاستزادة في طلب العلم الشرعي من مناهل شتَّى، حتى انتهى به المطاف في حوزة قُم حوالي 1944م/ 1315هـ.ش، وهناك سكن المدرسة الفيضيَّة، والتي كان الإمام الخميني يسكنها ويُلقي فيها دروسه. وقد تزامن إصرار مطهري في طلب العلم وصحبة أهله مع تضييق رضا خان على العلماء والمتدينين، وحظره للصلاة وللتعليم الشرعي في مشهد، محاولا تقويض نفوذ العلماء؛ حتى ضاق الخناق عليهم وعلى المقرَّبين منهم إلى درجة صاروا معها غير قادرين على الخروج من بيوتهم ولا قضاء حوائجهم، إلا تحت جنح الظلام.

وفي ظل هذا التضييق، يُقبِل الشاب مرتضى على طلب العلوم العقليَّة والنقليَّة، بشغف لا يفت فيه تضييق ولا حصار؛ فكأن همَّته قبسٌ من روح سيدي حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، الذي آمن بحضرة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في ذروة حصاره، والتضييق عليه، وإيذائه؛ فإذا إيمان هذا العم ومروءته نُصرة وتثبيت. وكأن إصرار مطهري على طلب العلم آنذاك، سيكون كذلك إيذانا باستعماله في خدمة الإسلام ونُصرته، بعد أن استنار بقبس من هذه الفروسيَّة الإيمانيَّة الهاشميَّة، بإصراره على السير في طريق يُضطهد أهله ويستأصلوا.

ويبدو أن فروسيَّته التي بزَّ بها أقرانه غلاما لم تكن محض إحسان ركوب للخيل، يتمتع به غلام حدث لم تتيسَّر له مُتعٌ أخرى في قريته النائية؛ وإنما كرم خُلق عربي وسم أهل خراسان ومن سكنها، تأثرا بطباع السادة من بني هاشم، الذين استقروا فيها من قديم (نأيا بأنفسهم عن تسلُّط بني أميَّة).

وقد تتلمذ الأستاذ مطهري على جمهرة أعلام عصره؛ أمثال السيد صدر الدين الصدر (والد الإمام موسى الصدر)، والسيد مرعشي نجفي (صاحب المكتبة المشهورة في قُم)، وآية الله بروجردي (المرجع الأكبر، وكان أستاذه في الفقه والأصول، وقد زامله مُنتظري في تلك الدروس)، وحاجي آغا آية الله روح الله الخميني (كان أستاذه في الأخلاق والفلسفة والأصول والعرفان)، قبل أن يحط مطهري رحاله عند العلامة المفسر والعارف الفيلسوف، السيد محمد حسين الطباطبائي؛ الذي ترك أثره غائرا في نفس الشهيد وفكره وسلوكه.

بدأ الأستاذ رحلة التدريس مبكرا، وبعد قضاء نحوا من عشر سنوات في مدينة ُقُم، انتقل إلى العاصمة طهران، ومكث يُدرِّس الفلسفة وعلم الكلام في جامعتها نحوا من ربع قرن. هذا الاحتكاك الطويل بالتعليم العلماني، وبيئته وطلابه؛ كان موطئ قدمه إلى الحياة الثقافيَّة خارج الحوزة، وسبب تعاظُم تأثيره الفكري والثقافي والحركي. وحين مُنع من الخطابة والدرس والمحاضرة نحو سنة 1976م، حوَّل الشهيد داره إلى حلقة درس، تتلمذ فيها أمثال سيد حسين نصر، وداريوش شايغان، وحميد عنايت. وقد كان الشهيد مطهري هو الذي وجَّه الشهيدين بهشتي وباهُنَر في مرحلة الدكتوراة، وهو الذي وجَّه الشهيد لاريجاني (زوج ابنته فريدة) إلى دراسة الفلسفة الغربيَّة في مرحلة الدراسات العليا عوضا عن دراسة علوم الحاسوب. فقد كان -رضي الله عنه- يؤمن بأن "التطور" المبتغى، ينبع من اعتماد المجتمع المسلم على الثقافة الذاتيَّة للأمة، وتنقية مصادرها باستمرار، مع دوام التعاطي الحذر والعقلاني مع الغرب. وهو يُدرك الاقتصاد في هذه العمليَّة بوصفه شرطا من شروط "التطور"، وليس غاية؛ فهو أحد مفاتيح تحرُّر الأمة، الحريَّة التي عدَّها ضروريَّة بوصفها شرطا للتكليف (المقدرة على الاختيار).

ورغم تمام انشغال الأستاذ بالتدريس، فإنه لم يكُن مُعلما خاملا ممن يؤثرون السكون على الحركة، والنظر المجرَّد على العمل؛ بل كان سياسيّا حركيّا، يُجاهد لتنزيل تلك المعرفة. فلم يُساهم فقط في تأسيس حسينيَّة الإرشاد، والمحاضرة في ذلك الصرح الثقافي؛ الذي عُدَّ بؤرة المعارف الإسلاميَّة في الإعداد للثورة، بل كان أهم مؤسسي جامعه روحانيت مبارز (بالعربيَّة: جمعيَّة العلماء المجاهدين)، التي صارت لاحقا أكبر فصيل سياسي في إيران الإسلاميَّة. وهي الجمعيَّة التي تأسست عشية انتفاضة خرداد واعتقال الإمام الخميني، بإيعاز من الأخير، وتنظيم مطهري ورفاقه المقرَّبين (الشهيد بهشتي، والشهيد مفتَّح، والشهيد باهُنَر، وآخرين)؛ لتتشكَّل أول نواة للجمعيَّة، حتى تصير قلب "التنظيم الثوري"؛ الذي قاد الحركة الاجتماعيَّة ضد نظام بهلوي. واستكمالا للجهد، أسهم في تأسيس ما يُعَدُّ الظهير الأكاديمي/ الجامعي (أو اللائكي) لجمعيَّة العلماء؛ وهو جمعيه مؤتلفه إسلامي (لاحقا صارت حزبا: حزب التحالُف الإسلامي)، وكان المسؤول عن أعمالها بتكليف من الإمام، خصوصا بعد ابتداء نفي الأخير بإبعاده أول الأمر إلى تركيا. وقد مثَّل هذا الحزب الكتلة الأكبر فيما عُرف بـ"أتباع خط الإمام"، وكان من مؤسسيه: الشهيد بهشتي، والشهيد رجائي، والشهيد باهُنَر، وأسد الله لاجوردي، وحبیب‌ الله عسگر أولادي، وحسن عباسپور، ونفر آخرون غيرهم من الجامعيين الإيرانيين المتدينين، أصحاب التعليم العلماني.

وبهذا الجهد المتراكم بين النظر والحركة، أسهم مطهري في بناء الخطاب الإسلامي للثورة، ودفع بحدود التجديد الإسلامي في الفكر والحركة إلى أقصى مدى. وكان بنفسه أوثق رابطة بين الحوزة والجامعة، وبين الأكاديميين وعلماء الحوزة. وهي رابطة توثَّقت بحضوره الفعال في المجالين، إضافة إلى وعيه بمكامن الضعف في كل منهما ومكامن القوَّة.

وقد كان رحمه الله تعالى مفكرا رصينا؛ لا يستخفه العمل الحركي، ولا يُشتت ذهنه، ولا ينخدع بالظاهر؛ فكان من أشد نقاد علي شريعتي، وحمل عليه حينا إذ أدرك حجم تأثره بالديباجات الماركسيَّة، وتشرُّبه لبعض صياغاتها، وربما لهذا كانت كتاباتهما تكمل بعضها بعضا لا في فهم التيارات الفكريَّة المختلفة التي أفضت إلى الثورة فحسب، بل وفي بلورة منظور تجديدي للإسلام والتشيُّع؛ يلفظ قدرا كبيرا مما علق به من الخرافة، ويؤسس لما يمكننا أن نعُدُّه عقلنة أصوليَّة شيعيَّة حديثة. كذلك امتد نظره إلى نتاج العلامة محمد إقبال اللاهوري، وانتقد نزعته الحداثيَّة التي نجمت عن سطحية علاقته بتراث الأمة -رغم صدقه ورهافته- ووهن ارتباطه بتقاليدها الثقافيَّة. فكان على عكس أكثر الحداثيين المتدينين، الذين تصدق عاطفتهم وتخونهم معرفتهم وإدراكهم لتراثهم؛ فصار مثالا للمفكر الذي ترسَّخت أقدامه في التقاليد الإسلاميَّة، واستطاع أن ينطلق منها تفكيكا وتركيبا لبناء واقع جدلي قادر على الاشتباك الفعال مع التحديات الفكرية التي تواجهها الأمة. فصار أبرز من تصدوا للفلسفات الماديَّة الحديثة، وعلى رأسها الماركسيَّة. وإن من يطالع نقده وتفكيكه يتذكر العلامة البوطي، ونضج طرحه في مقارعة هذه الفلسفات، مع قلة تأثره بها.

ويبدو أن نقده لهذه الفلسفات الماديَّة، ولغُلاة معتنقيها، الذين تشربوها وألبسوها غطاء إسلاميّا (خوصا تنظيما الفرقان، ومجاهدي خلق)؛ قد جعل منه هدفا لجنوحهم، وأدَّى إلى استهدافهم إياه. فكان أن اغتيل أهم مرشح لخلافة الإمام الخميني بطلقٍ ناري، على يد رئيس تنظيم الفرقان الإرهابي، بعد أقل من ثلاثة أشهر على انتصار الثورة الإسلامية، وخُلِّدَت ذكرى استشهاده بأن صارت احتفالا سنويّا بيوم المعلم في إيران (2 أيار/ مايو). وقد بلغت عدد الكتب التي نشرت له بعد عروجه (وأكثرها كان محاضرات أو مخطوطات غير مكتملة) ستين كتابا.

فاللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر اللهم لنا وله.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)