سلف منَّا بيان أمر التقاطُعات اللغوية والعرقيَّة بين آخر ثلاث
إمبراطوريَّات كُبرى، حكمت ديار الإسلام قبل الهجمة الغربيَّة. وكيف أن هذه
التقاطُعات نفسها؛ هي التي حتَّمت -بشكل أو بآخر- الخيار المذهبي، الذي يُتيح
للصفويين قدرا من الاستقلال عن أبناء عمومتهم.
وعليه، نعود إلى المقولات المذهبيَّة ثانية، فإن المشتهر تاريخيَّا
أن الأناضول، مثلها مثل العراقين؛ ظلَّت من الأقاليم التي اختلط فيها التصوف
بالتشيُّع، وكانت جمهرة التجليات الدينيَّة التي تبلورت في تلك البقاع -إبَّان
العصر الوسيط إلى المتأخر- محض تنويعات على صيغ صوفيَّة، أقرب في الممارسة إلى
التشيُّع الشعبي البِدعي (بوصفه نقيضا للتشيع الإمامي المدرسي) منها للتسنُّن
بصوره المدرسيَّة المختلفة. وعليه، فليس من المستغرَب ارتباط
غلو الأناضول وشمال
إيران -موطن
الصفويين، وجمهرة من الأعراق التركيَّة- إبَّان الحقبة التالية على
الغزو المغولي، بالتصوف؛ خصوصا تصوف القبائل التُُّركمانيَّة البعيدة عن حواضر
الإسلام الكبرى التي حطَّمها أبناء عمومتهم من المغول. فقد صار التصوف هو الملاذ
اﻵمن -والأكثر شيوعا- في البقاع التي وطئتها قدم المغول الوحشيَّة. ومن ثم، كان
الغلو الذي مهَّد لظهور الصفويين، وظلَّ مركبهم الثقافي والسياسي الأهم طوال القرن
الأول من حكمهم؛ غلوّا صوفيّا تُركمانيّا "بدويّا"، وليس غلوّا شيعيّا
فارسيّا "حضريّا" كما يُتوهَّم. وهو نموذج يجوز توظيفه -كذلك- في محاولة
إدراك الفارِق بين "غلو" النجديين أهل البداوة أتباع المذهب الوهابي،
و"غلو" بعض سكان الحضر الحجازيين من الصوفيَّة والشيعة.
كان التقاطُع والتراكُب -العرقي واللغوي والديني- بين العثمانيين والصفويين ومغول الهند، وحكام الخانات التركية؛ من الأسباب المحورية، التي دفعت إسماعيل الصفوي -وخلفاءه- لمحاولة فرض التشيُّع "مذهبا رسميّا" لدولته، لا ليحشد الإيرانيين على مظلوميَّة آل البيت فحسب -بوصفها "مشروعا قوميّا" إن جاز لنا تسميته بذلك!- وإنما ليُجرِّد ملامح "الهويَّة القوميَّة" المتخيَّلة، التي أراد فرضها ابتداء، حتى تستبين المعايير التي يمكن التولي والتبرؤ القومي-الديني على أساسها
وقد ظهرت عدَّة مراجعات أكاديميَّة جذريَّة -في حقل "الدراسات
الإيرانية"- خصوصا عن الحقبة الصفوية المبكرة؛ وخُلاصتها أن هيمنة علماء
الشيعة الإماميَّة القلائل (الذين يُفترض أن الصفويين "استجلبوهم" من
حواضر التشيُّع؛ في الشام والجزيرة العربية) على مقاليد الدولة الصفويَّة؛ لم تبدأ
على الحقيقة إلا بعد مُضي القرن الأول من حكم أحفاد الشيخ صفي الدين الأردبيلي،
وبالتزامُن مع انتقال عاصمة الحكم إلى أصفهان عام 1590م. فقد ظلَّ غُلاة الصوفيَّة القزلباش هم أصحاب النفوذ الحقيقي داخل
الدولة لأول مئة سنة تقريبا من عُمرها؛ لأنهم هم من حمل شيوخ الطريقة الصفوية إلى
أريكة السلطة. وهو النفوذ الذي منعت هيمنته وغلوه كثيرا من علماء الشيعة
الإماميَّة العرب من الاستجابة لدعوة الصفويين بالهجرة آنذاك إلى إيران. أما
القلَّة التي هاجرت، مثل المحقق الكركي (العاملي، والشهير بالمحقق الثاني)؛ فقد
عمدت إلى التماهي مع غلو هذا التيار الصوفي البِدعي بأقصى ما تستطيع لتُفسح لنفسها
مكانا في بلاط الصفويين؛ فلم تَسلَم من ثم من سهام انتقادات علماء الشيعة، خصوصا
القاطنين في شرق الجزيرة العربيَّة. ولم يتغيَّر الوضع، ويشرع الفقهاء الإمامية
بالسيطرة الفعليَّة على مقاليد الأمور؛ إلا حين مكَّنهم الشاه عباس الكبير من ذلك
بالقوة، في إجراءٍ أراد به إضفاء مزيد من التجانُس والاستقرار والصبغة الحضريَّة
المؤسسية على مُلكه.
ولم تغرُب شمس الحكم الصفوي إلا وقد هيمن علماء الشيعة على "إيران"
هيمنة كاملة، إلى الدرجة التي جعلت من السلطة آنذاك مُعادلة دقيقة بين نفوذ الحكام
وسلطان العلماء. فلم ينقضِ عمر الدولة الصفويَّة (في 1736م)، إلا وقد تمكَّن نفوذ العلماء كُليّا من السلطة، وتغلغل عميقا في
المجتمع. وكان العلَّامة محمد باقر المجلسي (مُصنف: "بحار الأنوار"،
والمشهور بالمجلسي الثاني)؛ حالة نماذجيَّة، شهدها عهد آخر الحكام الصفويين
الفعليين (الشاه سلطان حسين). وقد صار العلماء الشيعة -مذذاك فصاعدا- هُم القيادة
الاجتماعيَّة الحقيقيَّة، طوال فترات الاضطراب غير القصيرة، سواء التي أعقَبَت
سقوط الصفويين على يد الغُزاة الأفغان أو تلك التي أعقبت فترة حكم نادر شاه آفشار
الاستثنائيَّة القصيرة نسبيّا (1736-1747م).
ولم يصل آل قاجار إلى الحكم (حوالي 1780م) بعد حقبة اضطراب طويلة، وحكم دول إقليمية أو قصيرة الأجل (مثل آل
زند)؛ إلا وقد تمكَّن نفوذ العلماء، بوصفهم المعامل الوحيد الثابت في الحياة
الإيرانية، بل صار سلطانهم -فعليّا- فوق نفوذ الحكام. وهو ما ستتكشَّف الأحداث عن
حقيقته تدريجيّا، ويختبره مرور الأيام فعليّا، خصوصا إبَّان الحروب الفارسيَّة
الروسيَّة، وذلك قبل أن يبلُغ هذا النفوذ ذروته بفتوى تحريم التبغ (سنة1890م)، التي التزمت بها حاشية ناصر شاه
ونساؤه؛ فأسقطت الامتياز الذي عقده الشاه، وكانت إعلانا حقيقيّا عن تغلغُل نفوذ
العلماء وتمكُّنه حتى داخل قصره!
ولعلَّ مَنْ عرف حجم خوف السلطان المملوكي الظاهر بيبرس على مُلكه،
من هيبة الإمام العز بن عبد السلام؛ يُدرك كيف صار حكام آل قاجار يخشون العلماء
فعليّا على مُلكهم، وكيف صار مخرج السلطة الوحيد -هي وحلفائها الأجانب الطامعين- هو
الانقلاب العسكري الذي يُزيح آل قاجار، ويضع مكانهم جُنديّا مُطيعا للغرب (رضا
خان)؛ يُسرع عجلة التحديث، ويستجلب آلياته القمعيَّة بعد أن مهَّد لها البيئة
لتعمل بكفاءة.
* * *
لقد كان التقاطُع والتراكُب -العرقي واللغوي والديني- بين العثمانيين
والصفويين ومغول الهند، وحكام الخانات التركية؛ من الأسباب المحورية، التي دفعت
إسماعيل الصفوي -وخلفاءه- لمحاولة فرض التشيُّع "مذهبا رسميّا" لدولته،
لا ليحشد الإيرانيين على مظلوميَّة آل البيت فحسب -بوصفها "مشروعا قوميّا"
إن جاز لنا تسميته بذلك!- وإنما ليُجرِّد ملامح "الهويَّة القوميَّة" المتخيَّلة،
التي أراد فرضها ابتداء، حتى تستبين المعايير التي يمكن التولي والتبرؤ
القومي-الديني على أساسها؛ معايير تسمح باستقلال الإمبراطورية عن المحيط "المشابه"
في كل شيء تقريبا. ولاحِظ أن ورقة الحشد الجاهلي على قاعدة الفروق العرقيَّة بين
العشائر؛ كانت معدومة الوجود تقريبا -رغم الاستمرار الفطري لوجود النعرات
الاجتماعيَّة!- في إسلام ما قبل العصر الحديث.
ورغم هذا التداخل الشديد بين الأعراق واللغات التُركيَّة، للدولة
الصفويَّة ومحيطها، إضافة إلى تشابه المزاج الديني؛ فإن كُتاب "السرديات
القوميَّة" الحديثة قد طمسوا هذه الحقائق التاريخيَّة (تآمُرا؟)، حتى صار
جمهور المحدَثين يجهل مثلا أن القوة العسكريَّة الضاربة للعثمانيين (أي الانكشاريَّة)
كانت صوفيَّة على الطريقة البكتاشيَّة. وهي فرقة صوفيَّة من غُلاة الشيعة، صارت
بقاياها اليوم أقرب إلى اعتقاد "العلويَّة" الأتراك؛ الذين يعدُّون
أنفسهم دينا مُستقلا، وليسوا فرقة إسلاميَّة! وربما لهذا، بدأ السلاطين العثمانيون
-مع تزايُد معدلات التحديث- ينظرون إلى الانكشارية بوصفهم طابورا إيرانيّا خامسا،
ويُدبرون للقضاء عليهم،
يجب علينا إعادة صياغة سؤالنا؛ لا للاستعلام عن حقيقة تسنُّن إيران قبل الصفويين فحسب، بل وعن حقيقة تشيُّعها في العصر الصفوي المبكر؛ الذي يُفتَرض أن التشيُّع قد فُرِضَ فيه قسرا على إقليمها، إضافة إلى التشكُّك المبرَّر في مدى دقَّة صورة إيران الشيعيَّة وليدة التحديث،
إذ إن انضباطهم ومُنجزهم العسكري قد بدأ يتأثُّر بما امتزج
فيهم من أبرز عناصر الغلو الصوفي والشيعي؛ فانحلَّ بذلك ولاؤهم، بل صاروا أشد غلوّا
من نموذج التشيُّع الإمامي "المدرسي" الذي بدأ بالهيمنة على إيران
آنذاك.
ويبدو أن مفهومنا اليوم عن "دين الدولة الرسمي" يطوي خللا
شنيعا يُعمينا عن فهم الحركيات الدينيَّة، وآليات توظيف الدين والمذهب، وتجاور هذا
التنوع الهائل في عالم الإسلام قبل الحداثة. وبعبارة أخرى، فإننا كلما أوغلنا في
التاريخ؛ تكشَّفت لنا استحالة الفرض الكامل لسرديَّة دينيَّة واحدة على أي سياق
اجتماعي قبل عصر التحديث، الذي تميَّز بظهور أدوات دعائيَّة وتسلُّطية وقمعيَّة
تسمح للدولة بفرض سرديتها قسرا على كامل إقليمها. ولم يكن التشيُّع تحت الصفويين
أنفسهم بدعا، وكما قرَّر بعض الباحثين صادقا، فإن عُمق السلطة التي يحوزها اليوم
أمير دولة هامشيَّة صغيرة -مثل قطر أو الإمارات- على إقليمه ورعيته، تفوق حجم ونوع
وعمق السلطة التي كانت لهارون الرشيد العباسي، أو للمعز الفاطمي، أو لصلاح الدين
الأيوبي، أو لسليمان القانوني، أو غيرهم من أعاظم ملوك الإسلام. وهذا كله بفضل
آليات التسلُّط الحديثة، وعمق هيمنتها على الواقع.
وهاهنا، يجب علينا إعادة صياغة سؤالنا؛ لا للاستعلام عن حقيقة تسنُّن
إيران قبل الصفويين فحسب، بل وعن حقيقة تشيُّعها في العصر الصفوي المبكر؛ الذي
يُفتَرض أن التشيُّع قد فُرِضَ فيه قسرا على إقليمها، إضافة إلى التشكُّك المبرَّر
في مدى دقَّة صورة إيران الشيعيَّة وليدة التحديث، والذي بدأ مُتعثرا مع آل قاجار
منتصف القرن التاسع عشر -رغم إفساحهم المجال نسبيّا للطرق الصوفيَّة!- وحتى الثورة
الدستوريَّة مطلع القرن العشرين. وأخيرا؛ أن نُعنى بالبحث فيما إن كان انتصار
"الثورة الإسلاميَّة" في إيران استعادة حقيقيَّة لإسلام القرن الأول
الهجري -كما وصفها بعضهم- أم إمعانا في إسباغ ثوب التحديث عليها، مثله في ذلك مثل
التحول الديني المؤسسي، الذي كان أهم لبنة في بلورة وتشكيل أعتى جاراتها: الدولة
السعوديَّة الثالثة..
وإلى لقاءٍ في المقال الأخير.