عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: أكثر الصراعات إما "صراعات اصطناعيَّة"، قد اصطنعت الحداثة مُحفزاتها ومقوماتها وعناصرها، وهيأت لها البيئة، حتى تتجذَّر في مناخ من التجهيل والتضليل؛ لتتمكَّن من إشعالها عند الطلب، أو أنها "صراعات تاريخيَّة" دأبت الإمبريالية على نفخ النار فيها والحفاظ على درجة حرارتها؛ لتستغلها وتفجرها متى دعت إليها الحاجة. وهذا يعني بالضرورة أنها بذلت خلاصة دهائها إضافة إلى أموال الخصوم، للحفاظ على مستويات الخصومة التاريخيَّة، بل ولافتعال خصومات جديدة؛ تطبيقاً للقاعدة الإمبرياليَّة الشهيرة: فَرِّق تَسُد
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: يتغيَّر إدراك الباحث للواقع إذا أدرك أن طبقة العلماء الإماميَّة ليست بطبقة طفيليَّة تسلَّطت بانقلاب عسكري، ولا هي بالفئة العميلة التي جاءت بها دبابة أجنبيَّة، وإنما هي جزء محوري من النسيج الاجتماعي؛ اكتسبت نفوذها ببطء خلال أربعة قرون تقريبا، لا بمُجرَّد وجودها الاجتماعي المتغلغل في كافَّة طبقات المجتمع، وإنما بمشاركتها الحيَّة بوصفها قيادة اجتماعيَّة تصدَّرت لإرشاد الناس في أمور الدين والدنيا، مهما اضطربت الأحوال
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: من مساهماته المبكرة في أنشطة الوحدة -إبَّان خمسينيات القرن العشرين- سفره إلى مصر بصحبة الحاج میرزا خلیل کمرهای -نيابة عن آية الله بروجردي- للقاء الشيخ شلتوت، ثم مشاركته في المؤتمر الإسلامي بدار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، وسفره إلى القدس الشريف مرتين على رأس الوفد الإيراني للمشاركة في برنامج المؤتمر الإسلامي العام، وسفره إلى باكستان لحضور فعاليات مؤتمر العالم الإسلامي في كراتشي
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: أسهم مطهري في بناء الخطاب الإسلامي للثورة، ودفع بحدود التجديد الإسلامي في الفكر والحركة إلى أقصى مدى. وكان بنفسه أوثق رابطة بين الحوزة والجامعة، وبين الأكاديميين وعلماء الحوزة. وهي رابطة توثَّقت بحضوره الفعال في المجالين، إضافة إلى وعيه بمكامن الضعف في كل منهما ومكامن القوَّة
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: قد يبدو لكثيرين أن ثمة مُفارقةٌ صارخة في كون الرجل الذي تعرَّى من المطامِع الدنيويَّة إلى هذا الحد، هو نفسه الذي "نجح" نجاحا كاسحا على الصعيد الدنيوي؛ حتى قوَّض نظاما سياسيّا دون أن يرفع سلاحا في وجهه. لكنَّ الإسلام يُعلمنا أنها ليست بمفارقة على الإطلاق، إذ إن هجر النفس لكافة صنوف التعلُّق بهذا العالم (أي تخلية القلب من الدنيا)؛ يجعل الإنسان شديد الفعالية والنشاط في عين هذا العالم (أي يجعله يملك الدنيا دون أن تملكه هي)
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: النيل من شخص الرجل بالبهتان؛ حتى ينفر المتلقي من سيرته بإطلاق، ولا يعود ثمة مجال حتى لطرح ما يقوله أو يفعله على بساط البحث والجدل، والأخذ والرد. وهو ما يُسمَّى في تقاليد البروباغاندا بـ"الشيطَنَة"؛ أي تحويل الشخص (أو الجهة) إلى شيطان، مرفوض شكلا وموضوعا؛ وهو ما يُيسر كذلك استئصال شأفته بغير أدنى تأنيبٍ للضمير
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: العلمنة في إيران ظلَّت وستظل -رغم شدَّة توحُّشها اجتماعيّا في بعض القطاعات- فعلا يحكمه إطار "خفي" وراسخ من التقاليد الفكرية والثقافية الحيَّة -والمهيمنة- والتي يُمكن الرجوع إليها. ومهما بلغ حجم تقويضها للمقدَّسات -سواء الزائفة أو الحقيقية- بوصفها أهم عمليات العلمنة، وأولى مراحلها؛ فإن المجتمع الإيراني يظلُّ محتفظا -في وعيه الجمعي، وحركته اليومية، بل وأدبياته- بصورة حيَّة للتقاليد الاجتماعيَّة والثقافيَّة السابقة على التحديث/ العلمنة، وإن همَّشها تهميشا آنيّا وأخرجها من بؤرة الفعل؛ إذ أن نزوعه القومي وشوفينيته تجعله يحتفظ بهذه القيم -ولو منفصلة عن مصادرها الأصليَّة- بوصفها المكون الأهم في هويته، التي لا يُمكن أن يختلف الملحدون الإيرانيون مع المتدينين أبدا في وجوب الحفاظ عليها
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: مفهومنا اليوم عن "دين الدولة الرسمي" يطوي خللا شنيعا يُعمينا عن فهم الحركيات الدينيَّة، وآليات توظيف الدين والمذهب، وتجاور هذا التنوع الهائل في عالم الإسلام قبل الحداثة. وبعبارة أخرى، فإننا كلما أوغلنا في التاريخ؛ تكشَّفت لنا استحالة الفرض الكامل لسرديَّة دينيَّة واحدة على أي سياق اجتماعي قبل عصر التحديث، الذي تميَّز بظهور أدوات دعائيَّة وتسلُّطية وقمعيَّة تسمح للدولة بفرض سرديتها قسرا على كامل إقليمها
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: لعل الإشارة إلى طبيعة تديُّن الفرس والأعراق التركية -قبل الإسلام مباشرة- تُسهم في فهمنا لمدى "تجرُّد" كل أمة عند قبولها للإسلام. إذ بينما كانت الأغلبية الكاسحة من الفرس "فلاحين" على وشك الخروج من دينهم الطبقي القديم، الذي يُرسخ استعبادهم ويُكرس اضطهادهم، وكانت المسيحيَّة تقِفُ على أبواب إيران الشماليَّة الغربية تنتظر فرصة تسنح لها؛ أرسل الله الفتح الإسلامي من الغرب ليستنقذهم، فدخل الفرس في دين الله أفواجا بعد أن كانوا قد انسلخوا قبلها نفسيّا من دين زرداشت الطبقي. هذه الهزيمة النفسيَّة والروحيَّة جعلتهم يصحبون أقل القليل من ديانتهم القديمة في رحلة التسليم لله
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: لعل من الأمور القليلة، التي أجمع عليها المؤرخون الجادون (في كل عصر، ومن كل ملَّة)، في تاريخ الإسلام الديني هي: عروبة التشيُّع. بل إن هؤلاء الذين اختلفوا في تاريخ ظهوره المبكر، وسياقه؛ لم يسعهم إلا الإقرار بأنه نشأ وتطور في محضن عربي خالص، طوال نحو عشرة قرون؛ سبقت وصول الصفويين إلى سُدَّة الحكم في إيران، مطلع القرن السادس عشر الميلادي. بل ولم تعرف إيران التشيُّع إلا في مرحلة مُتأخرة نسبيّا من إسلامها، وذلك عن طريق الأشعريين القُميين -لا الأشاعرة- وهم عربٌ أقحاحٌ من قحطان، ولد زيد بن كهلان؛ الذين وفدوا إلى إيران قادمين من الكوفة
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: وأيّا كان موقفنا من هذه الرحلة وصاحبها، ورأينا في جهاده الناضح بالصدق؛ فستتجلَّى لنا في غمارها هيمنة الرؤية الكونيَّة للإسلام، وذلك بوصفها طريقا ثالثا بين طريقي الشرق والغرب؛ طريقٌ ينضح فيه تأويله الحداثي للإسلام بجمعه "التلفيقي" بين التقاليد المتضادة
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: تشكَّل علي عزَّتبيغوڤيتش ووعيه، بوصفه جزءا لا يتجزأ من هذا "التوتُّر الإصلاحي" داخل المشهد الإسلامي البوشناقي، بل والمشهد الأممي. وهو مشهد تشكَّل من شدٍّ وجذب بين القوى والفاعلين، المختلفين في تأويلاتهم وخلفياتهم وإن كانوا جميعا يَعُدون الإسلام مُنطلَقَهم. وقد أفرز هذا التوتُّر دوريات وجرائد وصحف عبَّرت عنه، وقدَّمت الإسلام بوصفه وحيا أخلاقيّا فعالا ومصفوفة "نهضة ثقافية" للبوشناق. وربما كانت هذه التركيبة هي التي جعلت لإقبال اللاهوري القدح المُعلَّى، لا في إمداد هذا الرافد القديم فحسب؛ بل في صياغة سقف المخيلة السياسيَّة وتشكيل أفق المثال الذي سعى إليه عزَّتبيغوڤيتش بعدها، ربما بغير وعي كامل
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: إذا كانت الرؤية الكاثوليكيَّة -ومثلها النحل والأديان الشرقيَّة الآسيويَّة- تُرسخ تصورا للخلاص الفردي المجرَّد، وتُخالفها اليهودية والبروتستنتية بانتظارها لـ"تمكين" جمعي أو فردي حتمي؛ فإن الإسلام "وسطٌ" ما بين الرؤيتين، إذ يُرسخ خلاصا فرديّا في إطار خلاص اجتماعي، مع فتح الأفق لإمكان تنزُّل "مِنَّة" إلهيَّة بتمكين للدين على يد بعض دُعاته المجاهدين، كما أسلفنا. ولهذا، فالمكلَّف مسؤول يسعى للخلاص في الدنيا وفي الآخرة، أما صاحب الحقوق الطوباوية فمتألّه لا يرى نفسه إلا مركزا للكون؛ يسعى لبناء فردوس أرضي ليتحصَّل فيه على "حقوقه" المادية اللانهائيَّة
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: نيل العوائد الماديَّة أو أسبابها؛ فهو ليس تمكينا، وإنما هو النتيجة المقدورة في نواميس الله لكل من سعى في الأرض واجتهد في أسبابها. وهاهُنا أيضا يفترق مفهوم "عمارة الأرض" عمَّا شاع بسبب هؤلاء المشوَّشين؛ فإن المكلَّف المخلص هو الذي استُخلف واستُعمِر لأنه مؤمن قادر على الانسجام بحركته العابدة مع الكون العابد المهيأ بالقهر، وتعميره بالعبادة مُختارا. فليست عمارة الأرض ها هنا هي اتخاذ المصانع والمعابد والمساكن الفخمة، وإنما هي استكمال "معزوفة" العبادة التي قُهِرَ عليها الكون كله، بعبادة المكلَّف مُختارا مُريدا؛ فهذا السعي المخلص للخلاص هو وحده الذي يرفع قدر الإنسان، ليصير مُعمرا للأرض قائما بواجب الاستخلاف فيها
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: هذه الخبرات أو المكابدات الخمس تُبلور في نفسك قوَّة روحيَّة، وبأسا نفسيّا، وحدَّة عقليَّة؛ لا يمكن ادعاؤها أو تزييفها أو التظاهُر بها
عبد الرحمن أبو ذكري يكتب: هذه المكابدة ليست موافقة إجمالا للنواميس الإلهية فحسب، بل هي أولا وقبل كل شيء مُفصَّلةٌ على مقاس إنسانيَّة ابن آدم وخصاله المركبة، ومجعولة له جعلا؛ فإنه الكائن الوحيد المكلَّف المفطور على الاختيار، وعلى مكابدة خياراته، ومكابدة وجوده كله -نتيجة هذه الحريَّة- لهذا كانت المكابدة ناموسا لتحقُّق إنسانية الإنسان أولا، ثم لاكتمال إيمانه، وأخيرا لاتساقه مع فلسفة التاريخ الإنساني الموافقة لتركيبه وإيمانه