المفسِّر التقدُّمي

عبد الرحمن أبو ذكري
"كان طالقاني من أشد أنصار الوحدة الإسلامية العاملين، والجادين في مسألة التقريب بين المسلمين"
"كان طالقاني من أشد أنصار الوحدة الإسلامية العاملين، والجادين في مسألة التقريب بين المسلمين"
شارك الخبر
برغم خلفيَّته الحوزويَّة، فقد مثَّل طالقاني نموذجا شديد الاختلاف عن مُجايليه، سواء من طبقة الإمام الخميني الذي كان أسنَّ منه بنحو عشر سنوات أو طبقة مُرتضى مطهري الذي كان أصغر منه سنّا بتسع سنوات. ففي حين انصبَّت عناية "الإخباريين" على علوم الحديث وروايته، وانصبَّت عناية "الأصوليين" على الفلسفة والكلام والأصول؛ فإن السيد محمود طالقاني -رحمه الله- قد صرف جُل همه إلى القرآن دون غيره، مثله في ذلك مثل العلامة محمد حسين طباطبائي؛ الذي ترك أثرا عميقا في شخص طالقاني. بيد أن الفارق الأهم بين الرجلين، يُمكننا إجماله -ببعض الاختزال الضروري- كأنه الفارق بين سيد قطب والشعراوي، رحمة الله عليهم أجمعين. ففي حين كانت عناية الطباطبائي فلسفية عرفانية، كان هم الطالقاني هو تيسير القرآن للعامة، والأخذ بأيديهم إليه؛ كي يتخذوه نبراسا في حياتهم اليوميَّة. فبينما عُني طباطبائي وقطب بضبط مُنطلقات الحركة الإنسانية على مستوى التصور، كانت عناية الشعراوي وطالقاني بإعادة عوام المسلمين إلى القرآن بلغة قريبة ميسورة.

هذه العناية بالقرآن، تشكَّلت إبَّان دراسة طالقاني الحوزويَّة؛ فقد درس في المدرستين الفيضيَّة والرضويَّة في قُم، على كبار أساتذة الحوزة أمثال عبد الكريم حائري ومرعشي نجفي. وهي الدراسة التي يُمكن أن نعُد أثرها فيه سلبيّا وإيجابيّا في الوقت نفسه، إذ جعلته يُدرك أوجه القصور الثلاثة في تلك الدراسة آنذاك: تهميش القرآن ودراسته، والركود الفكري، والسلبيَّة السياسيَّة في مواجهة الاستبداد والهيمنة الأجنبيَّة. فانتقل إلى طهران (نحو 1939م)، وأسس مركزا ثقافيّا للناشئة، بيد أنه حط رحاله بعدها (نحو 1948م) في مسجد الهداية (مقر بعض الجماعات المسلَّحة المناهضة للشاه) قرب جامعة طهران، والذي ظلَّ بؤرة لنشاطاته. وهناك، ألقى دروسه في تفسير القرآن، مُستعملا لغة وعناصر معرفيَّة معاصرة؛ أسهمت في إعادة القرآن إلى المجال الاجتماعي، وفي تنشئة قطاع مهم من جيل الثورة في العاصمة.

ولد السيد محمود علائي طالقاني (المفسر والمتكلم، والمصلح الديني الحداثي المتأثر بالشيخ محمد عبده، والناشط السياسي والاجتماعي المناصر للديمقراطية) في بعض قُرى مدينة طالقان (تقع حاليا في محافظة البُرز)، شمالي طهران؛ مثله في ذلك مثل ابن عمَّته وصديقه، المفكر والأديب والمترجم والأنثروبولوجي البارز جلال آل أحمد (المتوفى 1969م).

وقد اشتهرت مدينة طالقان تاريخيّا بكونها مفرخة لعلماء الدين ودُعاته، فكان جمهرة من أسلاف السيد محمود وذويه من طبقة العلماء، وعلى رأسهم أبوه السيد أبو الحسن طالقاني الذي عُدَّ من علماء الوقت المبرَّزين في زمان رضا خان. وكعادة هذه البيئات التقليديَّة، فقد كان الأب هو المُعلم الأول؛ الذي أخذ بيد ابنه محمود إلى علوم الآلة، ثم سائر العلوم الشرعيَّة. وبالاشتراك مع عباس‌قُلی‌آقا بازرگانِ تبریزي (التاجر الكبير ووالد المهندس والسياسي الشهير مهدي بازرگان)، أسس الأب -السيد أبو الحسن علائي- رابطة "البلاغ"؛ للدعوة إلى الإسلام بين أتباع "الأديان الإبراهيميَّة" في إيران، والتي مارست نشاطها الدعوي منذ 1924م، حتى أغلقتها السلطة. وعبر أنشطة تلك الرابطة، تعرف مهدي بازرگان ومحمود طالقاني، وتشكَّلت صداقتهما الوطيدة ونضالهما المشترك، بل وتضافرت انشغالاتهما (مثل: التوفيق بين الإسلام والديمقراطيَّة، وبين الإسلام والحداثة، وبين الإسلام والعلوم الطبيعيَّة/ الماديَّة) فكأنها اتَّحدت، ليستمرَّا مُقرَّبين حتى وفاة الأخير.

لم يكُن السيد مُعارضا شرسا ومستمرّا لنظام بهلوي فحسب، بل كان من قيادات هذه المعارضة طوال عقود، وهو ما أدى إلى اعتقاله وسجنه عدَّة مرات، خلال مدة ربع قرن -منذ الانقلاب على الدكتور مصدق، وحتى انتصار الثورة- فبلغ مجمل فترات سجنه إبَّانها ما يربو على الخمس عشرة سنة؛ منها -مثلا- ما كان بسبب إيواءه لمؤسس تنظيم "فدائيان إسلام": نواب صفوي (المتوفى 1956م). وقد التقى بالشيوعيين إبَّان سجنه (خصوصا المجموعة التي ستؤسس لاحقا حزب تودِه)، وتطوَّرت علاقته بهم. وقد وُصِفَت أفكاره -بسبب قربه من الشيوعيين، وافتتانه بسعيهم إلى "مثال" العدالة الاجتماعيَّة- بأنها مثَّلت "توليفة" من مُثل التشيُّع والمثل الماركسيَّة. وهو مزيجٌ كان الهدف منه مُقارعة الأيديولوجيات اليساريَّة المتفشية، ومنافسة نفوذها في أوساط الشباب. وقد تجلَّى هذا الأثر واضحا في كتابه المشهور: "الإسلام والمُلكيَّة"، الذي تبنى فيه رؤية الماركسية في الملكيَّة الجمعيَّة، وعدَّها رؤية "إسلاميَّة"؛ فكأنه قد مثَّل في ذلك توازيا -في الرؤية والتوقيت معا!- مع الفقيه والأكاديمي السوري والقيادي الإخواني مصطفى السباعي، مؤلف الكتاب المشهور: "اشتراكيَّة الإسلام".

وقد لعب طالقاني -رحمه الله- دورا محوريّا إبَّان الستينيات في تأسيس تنظيم "مُجاهدي خلق" -قُبيل انقلاب التنظيم لاحقا على الثورة وقادتها- الذي كثيرا ما عُدَّ مؤسسوه من تلاميذ طالقاني، بل ومن حواريي صديقه وصفيه المفكر الإيراني الفذ علي شريعتي. ورغم أنهما كانا -معا- من المعادين للشيوعيَّة، ومن أشرس نُقادها؛ فقد سعيا -مجتمعين ومنفردين!- إلى توظيف بعض مقولاتها داخل سياق الفكر الإسلامي. ويبدو أن الوعود الورديَّة المثاليَّة للشيوعيَّة، وخفاء كوارث تطبيقها في تلك الحقبة؛ قد جعلا من تلافي أثرها البنيوي مسألة شديدة المشقَّة على جمهرة مفكري الإسلام آنذاك، عربا وعجما، في أوساط السنَّة والشيعة.

اشتهر ذلك المجاهد صاحب الوجه المهزول والمسلك الجاد المسؤول، لا بسماحته وسعة صدره ولين عريكته فحسب، وهو ما خلق له شعبيَّة عريضة بين شتى التنظيمات والأحزاب، على اختلاف توجُّهاتها (فكان وسيط الإمام الخميني مثلا في التفاوض مع الأكراد -وغيرهم من المجموعات المتمردة- عقب الثورة)؛ بل عرف أيضا بتجلُّده وإخلاصه في مواقفه، واطراده في الثبات على التمسُّك بها. فكان من المعمَّمين القلائل -إضافة إلى الإمام موسى الصدر- الذين دافعوا عن صديقه الشهيد شريعتي بعد الثورة، وذلك مثلا في خطبة ألقاها في جامعة طهران.

كذلك ظلَّ مخلصا وفيّا لمحمد مصدق منذ أيده إبان تأميمه للنفط الإيراني، فقصد -بعد انتصار الثورة- إلى ضريحه، وألقى هناك خطابا دافع فيه عن الرجل وإنجازه. كان طالقاني عضوا قديما في الجبهة الوطنيَّة الأولى التي أسسها مصدق سنة 1949م، وعقب الانقلاب الذي أعاد الشاه؛ انضم السيد إلى حركة المقاومة الوطنيَّة (نهضت مقاومت ملی)، وبعد منع نشاطاتها؛ شارك في إحياء الجبهة الوطنيَّة، وهو ما عُرف تاريخيّا باسم: الجبهة الوطنيَّة الثانية (جبههٔ ملی دوم)، وانتُخب عضوا في مجلسها المركزي وألقى الخطاب الافتتاحي لمؤتمرها (سنة 1962م). ثم شارك -مع يد الله سحابي وعلي شريعتي وصديق عمره مهدي بازرگان- في تأسيس حركة تحرير إيران (نهضت آزادی ایران) عام 1961م.

كذلك كان طالقاني من أشد أنصار الوحدة الإسلامية العاملين، والجادين في مسألة التقريب بين المسلمين. وقد دعم الجهاد الفلسطينيين علانية منذ وقت مبكر، واضطهد ونُفي داخل إيران بسبب ذلك. ومن مساهماته المبكرة في أنشطة الوحدة -إبَّان خمسينيات القرن العشرين- سفره إلى مصر بصحبة الحاج میرزا خلیل کمره‌ای -نيابة عن آية الله بروجردي- للقاء الشيخ شلتوت، ثم مشاركته في المؤتمر الإسلامي بدار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، وسفره إلى القدس الشريف مرتين على رأس الوفد الإيراني للمشاركة في برنامج المؤتمر الإسلامي العام، وسفره إلى باكستان لحضور فعاليات مؤتمر العالم الإسلامي في كراتشي.

وعقب انتصار الثورة بأشهر قلائل، تولى سيد محمود طالقاني رئاسة المجلس الثوري خلفا للشهيد مطهري، عقب اغتياله، ثم انتُخب عضوا في البرلمان، ولاحقا في مجلس خبراء الدستور. وقد عيَّنه الإمام الخميني أول إمام جمعة لمدينة طهران، وأمَّ آخر صلاة جمعة له في السادس من أيلول/سبتمبر عام 1979م، إذ توفي ذلك المدخن الشره في التاسع عشر من الشهر نفسه (وقد بلغ من عمره ثمانية وستين عاما)، ودفن في بهشت زهرا على مشارف طهران. وقد وصفه الإمام -في تأبينه له- بأنه: "أبو ذر زمانه"، وأنه كان ذا "لسان فصيح حاد قاطع، كسيف مالك الأشتر".


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)