كيف يفكر الإيراني بالتفاوض؟ قراءة نفسية بعقل الدولة الإيرانية في صراعها مع أمريكا

محمد زويل
"طهران لا ترفض التفاوض من حيث المبدأ، لكنها تحرص على الشكل الذي لا يبدو داخليا كخضوع سياسي مباشر لواشنطن"- جيتي
"طهران لا ترفض التفاوض من حيث المبدأ، لكنها تحرص على الشكل الذي لا يبدو داخليا كخضوع سياسي مباشر لواشنطن"- جيتي
شارك الخبر
إذا كان العقل التفاوضي الأمريكي يميل إلى الضغط، والغموض، ورفع سقف المطالب قبل النزول إلى الطاولة، فإن العقل التفاوضي الإيراني يعمل بمنطق مختلف: التفاوض بوصفه إدارة صبر، وحماية للنظام، وتراكما للأوراق، لا تسليما سريعا تحت الضغط. وهذه ليست مجرد سمة دبلوماسية، بل هي جزء من علم النفس السياسي للدولة الإيرانية كما تشكل عبر الثورة، والعقوبات، والحرب، وتجربة الاتفاق النووي ثم الانسحاب الأمريكي منه.

1- التفاوض عند إيران ليس بحثا عن صفقة فقط، بل عن اختبار للثقة:

أهم مفتاح نفسي لفهم السلوك الإيراني هو الشك البنيوي في الولايات المتحدة. المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي كرر في شباط/ فبراير 2025 أن التفاوض مع واشنطن "لا يحل مشكلات البلاد"، واستند صراحة إلى تجربة الاتفاق النووي السابق باعتبارها دليلا على أن الأمريكيين "لم يلتزموا" بما تعهدوا به. لذلك يدخل الإيراني أي تفاوض وهو لا يسأل فقط: ما الذي سنحصل عليه؟ بل يسأل أولا: كيف نضمن ألا يُنقض الاتفاق لاحقا؟

عقل تفاوضي تشكّل بعد صدمة خيانة متصورة. ولهذا فالإيراني لا يتعامل مع الوعود الأمريكية بوصفها ضمانات، بل بوصفها احتمالات قابلة للانقلاب

من منظور علم النفس السياسي، هذه ليست مجرد "ممانعة"، بل عقل تفاوضي تشكّل بعد صدمة خيانة متصورة. ولهذا فالإيراني لا يتعامل مع الوعود الأمريكية بوصفها ضمانات، بل بوصفها احتمالات قابلة للانقلاب.

2- إيران تفضّل التفاوض غير المباشر لأنها تريد تقليل الكلفة الرمزية:

في شباط/ فبراير 2026 أعلنت الخارجية الإيرانية أن الجولة الثانية جرت بشكل غير مباشر مع الوفد الأمريكي في مقر البعثة الدبلوماسية العُمانية بجنيف، ثم تحدثت بعد ذلك عن "فهم عام" لمبادئ توجيهية يمكن البناء عليها. هذا يوضح أن طهران لا ترفض التفاوض من حيث المبدأ، لكنها تحرص على الشكل الذي لا يبدو داخليا كخضوع سياسي مباشر لواشنطن.

هذه النقطة نفسية بامتياز، فإيران تريد نتائج التفاوض من دون أن تدفع ثمنا رمزيا يمس سردية الثورة والكرامة والسيادة. لذلك كثيرا ما تفضّل الوساطات، والقنوات الخلفية، والرسائل غير المباشرة، لأنها تمنحها مساحة للمناورة أمام جمهورها الداخلي ومؤسساتها الصلبة. كما أن تحليل كارنيغي لمفاوضات 2025 أشار إلى أن طهران أصرت على الصيغة غير المباشرة، بينما فضلت واشنطن التفاوض المباشر.

3- الإيراني لا يحب "الصفقة الكبرى" السريعة؛ يفضّل الصفقة المرحلية التراكمية:

أحد أوضح الفروق النفسية بين الطرفين أن واشنطن مالت في 2025 إلى اتفاق شامل واسع، بينما فضلت طهران اتفاقا مرحليا أو سلسلة اتفاقات متدرجة. ووفق تحليل كارنيغي، طرحت إيران خطة ثلاثية المراحل تقوم على تنازلات متبادلة تدريجية: تخفيض مستويات التخصيب أولا مقابل إجراءات أمريكية مثل الإفراج عن أصول مجمدة والسماح بالنفط، ثم خطوات تفتيش والتزامات أوسع لاحقا، ثم معالجة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب في مرحلة أخيرة.

هذا يكشف قاعدة نفسية مهمة: إيران تفاوض بمنطق "خطوة مقابل خطوة" لا بمنطق "الاستسلام ثم المكافأة". فهي تريد بناء الثقة بالتقسيط، لأنها لا ترى في الطرف الأمريكي شريكا مضمونا، ولذلك تُصمّم تفاوضها بطريقة تجعل أي تنازل كبير مؤجلا إلى ما بعد رؤية العائد الفعلي.

4- الورقة النووية عند إيران ليست مجرد مشروع تقني، بل رصيد تفاوضي:

تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال 2025 أبقت ملف إيران مفتوحا بسبب مسائل تعاون وضمانات معلقة، كما أشارت إلى أن طهران عكست إجراءات كانت تهدف إلى وقف نمو مخزون اليورانيوم المخصب حتى 60 في المئة بعد تحرك في مجلس المحافظين. هذا يعني أن البرنامج النووي، في السلوك الإيراني، ليس ملفا تقنيا منفصلا عن السياسة، بل رافعة تفاوضية متحركة.

من زاوية علم النفس السياسي، تحتفظ إيران بهذه الرافعة لسببين:

الأول: منع التفاوض من التحول إلى إذعان.

والثاني: امتلاك ورقة ردع نفسية تقول للطرف الآخر، فكلما زاد الضغط زادت كلفة الوصول إلى النقطة التي تريدها. لذلك لا تتعامل طهران مع أوراقها الحساسة بوصفها أشياء تُسلَّم أولا، بل بوصفها ضمانة ضد الغدر. وهذا ينسجم مع ما أورده تحليل كارنيغي عن رفض إيران التخلي المبكر عن مخزونها عالي التخصيب قبل رؤية رفع حقيقي للعقوبات.

5- العقوبات لا تدفع إيران فقط إلى التنازل؛ أحيانا تدفعها إلى التشدد:

القراءة الأمريكية التقليدية تفترض أن زيادة العقوبات تعني زيادة احتمالات الانحناء، لكن نفسيا، إيران لا تستجيب دائما بهذه الخطية. خامنئي ربط مرارا بين الضغوط الأمريكية وبين ضرورة "الاعتماد الداخلي"، والخطاب الإيراني الرسمي يقدّم الصمود الاقتصادي باعتباره جزءا من الاستقلال والسيادة لا مجرد سياسة اقتصادية.

لهذا، فإن الضغط حين يتجاوز حدا معينا قد لا ينتج مرونة، بل تصلبا دفاعيا. فالقيادة الإيرانية تخشى أن أي تنازل تحت وطأة الإكراه سيُقرأ داخليا كمشهد هزيمة، وهذا خطر على توازنها الداخلي، لذلك يكون هدفها في كثير من الأحيان منع صورة الانكسار، حتى لو كانت راغبة عمليا في التهدئة أو التسوية.

6- إيران تفاوض لحماية النظام أولا قبل حماية أي ملف تفاوضي:

الدولة الإيرانية لا تتعامل مع الملف النووي أو العقوبات كقضايا منفصلة عن بقاء النظام، لذلك فإن معيارها الأول ليس: هل الاتفاق اقتصاديا أفضل؟ بل: هل الاتفاق يضعف شرعية النظام أو يفتح الباب لتآكل سلطته؟ هذه الفكرة تظهر ضمنيا في تمسكها بالحفاظ على "الحق في التخصيب" ورفضها الصيغ التي تبدو كإملاء خارجي أو تفكيك كامل للقدرات. تحليل كارنيغي وصف مطلب "صفر تخصيب" بأنه كان "غير قابل للقبول" بالنسبة لطهران.

سياسيا ونفسيا، النظام الإيراني يمكن أن يساوم على السرعة، وعلى النِسب، وعلى آليات التنفيذ، لكنه لا يريد أن يوقّع على صيغة تُفهم داخليا وخارجيا باعتبارها إعلان هزيمة استراتيجية، لذلك يبني تفاوضه حول خطين أحمرين: السيادة والاستمرارية.

7- الإيراني يريد "مخرجا مشرفا" لا "نهاية سعيدة" للطرف الآخر:

في علم النفس السياسي، بعض الدول تبحث عن النصر، وبعضها يبحث عن تفادي الإذلال؛ إيران تقع غالبا في الفئة الثانية. ولهذا فهي مستعدة للدخول في ترتيبات مرنة إذا ضمنت أنها ستخرج بخطاب يقول: لم نستسلم، بل انتزعنا اعترافا بحقوقنا وحققنا رفعا حقيقيا للعقوبات. وهذا يفسر إصرارها في المفاوضات الأخيرة على أن رفع العقوبات هو معيار الجدية الأمريكية، كما قالت الخارجية الإيرانية في أيار/ مايو 2025، ثم عادت في شباط/ فبراير 2026 للحديث عن توقعات واضحة في مسألة رفع العقوبات قبل مواصلة الجولات.

أعقد ما في التفاوض الأمريكي الإيراني ليس الملف النووي نفسه، بل تصادم علمي نفسين سياسيين: أمريكا تفاوض بمنطق الضغط قبل الثقة، وإيران تفاوض بمنطق الضمان قبل التنازل

إذن، العقل الإيراني لا يرى التفاوض كمسار تقني لإنهاء نزاع، بل كمعركة ضبط صورة: كيف أحصل على مكاسب، وأحمي النظام، وأُبقي شعار المقاومة قائما، وأمنع الطرف الآخر من الظهور كمن انتزع مني كل شيء؟

يمكن تلخيص ما سبق في سبع قواعد:

أولا: لا تثق بالضمانات الأمريكية المجردة.

ثانيا: فاوض عبر مراحل، لا عبر استسلام شامل دفعة واحدة.

ثالثا: احتفظ بأوراق الضغط إلى أن ترى المقابل فعليا.

رابعا: استخدم الشكل التفاوضي الذي يحفظ الكرامة السياسية داخليا، ولو كان غير مباشر.

سابعا: لا توقع على اتفاق يُنتج صورة هزيمة للنظام.

عقل المفاوض الإيراني ليس عقلا رافضا للتفاوض، بل عقلٌ شديد الارتياب، طويل النفس، تدريجي، ومهووس بمنع الإذلال السياسي. هو يقبل المساومة، لكنه لا يقبل أن يُرى كمن انكسر، ويقبل التدرج، لكنه يرفض أن يُطلب منه تفكيك أوراقه قبل أن يرى الثمن، ويذهب إلى الطاولة، لكنه يظل واقفا نفسيا في ساحة صراع لا في قاعة تسوية.

ولذلك، فإن أعقد ما في التفاوض الأمريكي الإيراني ليس الملف النووي نفسه، بل تصادم علمي نفسين سياسيين: أمريكا تفاوض بمنطق الضغط قبل الثقة، وإيران تفاوض بمنطق الضمان قبل التنازل.



المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)