ليس من الصعب نقد
أي فكرة.. لكن الصعب هو "نقدها دون تشويهها". والمقال محل
النقاش لا يقدّم نقدا علميا لمفهوم "
التمكين" عند جماعة
الإخوان المسلمين،
بقدر ما يعيد بناء المفهوم وفق افتراضات مسبقة، ثم يحاكم الجماعة على هذا البناء
المصطنع.
المقال ليس مجرد "مقال
نقدي" بل بناء سردي انتقائي يحاول إعادة تعريف مفهوم "التمكين"
عبر ثلاث أدوات: الاقتطاع- التعميم- الربط القسري بين الفكر والممارسة. المشكلة
في بعض المقالات ليست أنها تنتقد، بل أنها تحاكم قبل أن تفهم. لذلك ردي سينصب على أن
هدم المنهج قبل أن يهزم النتائج.
المقال الذي بين أيدينا
لا يناقش مفهوم "التمكين" عند جماعة الإخوان المسلمين مناقشة نقدية تحليلية
غير متحيزة، بل يعيد صياغته داخل إطار اتهامي جاهز (تنظيم يتسلل، يخطط، يخدع، ثم ينقض على الدولة)؛ هذه ليست قراءة نقدية لفكر بل هذه رواية
بوليسية.
أولا: مغالطة
"التبسيط المخل":
يبدأ المقال بتقديم تصور خطي لمفهوم التمكين (فرد → جماعة → مجتمع → سلطة → خلافة)
وهذا في ظاهره توصيف، لكنه في حقيقته اختزال أيديولوجي لأن أدبيات جماعة الإخوان المسلمين
لم تقدّم التمكين كخطة ميكانيكية مغلقة بل كمسار إصلاحي مفتوح يتداخل فيه الدعوي والاجتماعي
والسياسي؛ الخلل هنا أن الكاتب حوّل "الرؤية" إلى "مخطط حتمي"
وحوّل "الاحتمال" إلى "اتهام".
ثانيا: مغالطة "القطيعة
مع سيد قطب"
كل مشروع سياسي في العالم يسعى للسلطة لكن معيار الحكم هو: كيف تُمارَس؟ لا "هل تُطلب؟"
يدّعي المقال أن سيد
قطب نقل المفهوم من "التدرج" إلى "
العنف الثوري". وهذا طرح شائع..
لكنه غير دقيق علميا للأسباب التالية:
1.
كتابات قطب -رغم حدّتها الفكرية- لم تؤسس تنظيميا لعنف داخل الجماعة.
2.
الجماعة نفسها تاريخيا لم تتبنَّ طرحه الحركي كنموذج عمل ملزم.
3.
هناك خلط متعمد بين: التحليل الفكري (قطب) والقرار التنظيمي (الجماعة).
بمعنى أوضح: الكاتب
يحاسب "تنظيما" على "اجتهاد مفكر" لم يتحول إلى سياسة رسمية.
ثالثا: مغالطة "الانتقاء
النصي" في الاستدلال الشرعي
يستشهد المقال بآية
النبي يوسف وحديث النهي عن طلب الإمارة، ليصنع تعارضا وهميا، لكن الحقيقة أن التراث
الإسلامي نفسه جمع بين جواز طلب الولاية للمصلحة العامة وكراهة طلبها للهوى الشخصي،
وهذا الجمع قرره كبار الفقهاء، وليس اجتهادا إخوانيا.
ويفرّق الفقهاء في
حكم طلب الولاية بين النية والغاية؛ فبينما يُذم طلبها رغبة في الجاه والمنصب (الهوى
الشخصي)، يُشرع طلبها إذا كان القصد منها تحقيق المصلحة العامة لمن يثق في كفاءته وأمانته.
وفي ذلك تفصيل:
جواز طلب الولاية
للمصلحة العامة:
يرى الفقهاء أن طلب
المناصب والمسؤوليات يكون مشروعا، بل قد يصبح واجبا في حالات معينة، بناء على الضوابط
التالية:
- ثبوت الكفاءة والأمانة: يُباح
لمن علم من نفسه القوة والأمانة والقدرة على القيام بحقوق الولاية أن يطلبها لتحصيل
مصالح المسلمين.
- الضرورة والحاجة: يُشرع
الطلب إذا دعت المصلحة الشرعية لذلك، كأن لا يوجد غيره ممن يصلح للمنصب، أو لسد ثغرة
ضائعة في أمور المسلمين.
أدلة الجواز:
- قصة يوسف عليه السلام:
استدلالا بقوله تعالى: "اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ
عَلِيمٌ"؛ حيث طلب الولاية لعلمه بقدرته على الإصلاح في وقت الشدة.
- حديث عثمان بن أبي
العاص: حين قال للنبي ﷺ: "اجعلني إمام قومي"، فأجابه ﷺ: "أنت إمامهم"، وهو
ما يدل على جواز طلب المنصب الديني والقيادي للمصلحة.
كراهة وحرمة طلب الولاية
للهوى الشخصي:
اتفق الفقهاء على
كراهة الحرص على الولاية وطلبها إذا كان الباعث عليها الرغبة في الترفع أو تحقيق مكاسب
دنيوية، وذلك للأسباب التالية:
- مبدأ "طالب
الولاية لا يولى": استنادا لقول النبي ﷺ: "إنا لا نولي هذا من
سأله ولا من حرص عليه"، فمن طلبها لحظ نفسه يُمنع منها غالبا.
- انقطاع العون الإلهي: حذر
النبي ﷺ عبد الرحمن بن سمرة بقوله: "لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة
وُكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعنت عليها".
- الخطر والندامة: تُعتبر
الولاية "خزي وندامة" يوم القيامة لمن لم يأخذها بحقها، وطلبها للهوى يعرض
صاحبها للفتن والتقصير في الأمانات.
إذن نحن لسنا أمام
انحراف في الفهم، بل انتقاء لنصوص دون سياقها الفقهي.
رابعا: مغالطة "نظرية
المؤامرة التنظيمية":
يتحدث المقال عن:
"خطة التمكين" وفتح مصر" و"التغلغل في مؤسسات الدولة"، وهنا
يقع في واحدة من أخطر المغالطات: تحويل أي نشاط اجتماعي أو سياسي إلى "اختراق"،
بينما نفس الأنشطة (طلاب- نقابات- إعلام) هي جوهر العمل السياسي في أي حركة مدنية في
العالم فهل مشاركة الأحزاب في النقابات = اختراق؟ وهل بناء قواعد شعبية = مؤامرة؟ أم
أن المشكلة فقط حين يكون الفاعل "إسلاميا"؟
خامسا: مغالطة "إعادة
تفسير تجربة ثورة 25 يناير":
يحاول المقال تفسير
صعود الإخوان بعد الثورة كدليل على "مشروع تمكين خفي" بينما الحقيقة السياسية
الأبسط:
الجماعة كانت القوة
التنظيمية الأكثر جاهزية في مقابل فراغ سياسي وانهيار مؤسسي، وهذا ليس "مؤامرة"
بل قاعدة علمية في علم السياسة "من يملك التنظيم يملأ الفراغ".
سادسا: مغالطة "الخلط
بين تجربة انتقالية والنوايا":
يفترض المقال أن تجربة
حكم محمد مرسي كشفت "النوايا الحقيقية"، وهذا استنتاج غير علمي، لأن عدم
نجاح التجربة لا يعني إثبات أن هناك مؤامرة، كما أن التعثر السياسي ليس دليلا على مشروع
سري، بل إن القراءة الأكثر موضوعية تقول كانت تجربة انتقالية مرتبكة في بيئة معادية
ومعقدة.
سابعا: مغالطة "شيطنة
الهدف":
ينتهي المقال إلى
أن "التمكين" هو مجرد سعي للسيطرة وهنا يتم خلط متعمد بين: التمكين كـقدرة
على التأثير والإصلاح- والسيطرة كـاحتكار للسلطة.. وهذا خلط خطير، لأن: كل مشروع
سياسي في العالم يسعى للسلطة لكن معيار الحكم هو: كيف تُمارَس؟ لا "هل تُطلب؟".
الخلاصة: المقال لا
يناقش مفهوم "التمكين" بل يعيد إنتاجه داخل إطار اتهامي مسبق، ثم يحاكمه.
وهو نص انتقائي في "الاستدلال- تعميمي في الأحكام- يخلط بين الفكر والتاريخ والسياسة"
والأخطر: أنه يستبدل التحليل العلمي بسردية تشويهية جاهزة فليس كل حديث عن "التمكين"
مشروع هيمنة، لكن كل قراءة مؤدلجة قادرة على تحويل أي فكرة إصلاحية إلى تهمة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.