في ظل الحرب الدائرة
الآن بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جانب، وبين الولايات المتحدة الأمريكية
والكيان الصهيوني من جانب آخر تثور تساؤلات عديدة حول
استقلالية القرار في دول المنطقة
كقوة إقليمية، فهل يمكن بناء قوة إقليمية مستقلة؟
في عالمٍ لم يعد يعترف
بالفراغ ولا يترك المساحات بلا إدارة يبرز سؤال يتكرر بصيغ مختلفة: هل يمكن لدولة ما
أن تبني قوة إقليمية مستقلة، خارج هندسة النفوذ الدولي؟ السؤال في ظاهره نظري.. لكنه
في عمقه سياسي بامتياز، لأنه يمس جوهر
السيادة: من يملك القرار؟ الحقيقة التي قد لا
تُقال بوضوح: الاستقلال ليس شعارا يُرفع بل كلفة
تُدفع.
لقد علّمتنا التجارب
أن الدول لا تُقاس بما تعلنه، بل بما تستطيع تحمله. فكل مشروع استقلالي حقيقي يدخل
فورا في دائرة الاختبار (اختبار الاقتصاد، واختبار التماسك الداخلي، واختبار القدرة
على الصمود أمام الضغوط).
ليس هناك نموذج سهل،
فالدول التي حاولت بناء استقلالها دفعت أثمانا متفاوتة: ضغوط اقتصادية، أو عزلة
نسبية، أو صراعات مفتوحة، ومع ذلك بقيت الحقيقة الأهم؛ أن من لا يملك قراره
لا يملك مستقبله.
القوة الإقليمية المستقلة
لا تُبنى من الخارج، ولا تُستورد عبر التحالفات بل تبدأ من الداخل: اقتصاد منتج، ومؤسسات متماسكة، ورؤية
ممتدة، ونخبة قادرة على إدارة التوازن لا التبعية، لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في
الداخل.. بل في البيئة الدولية نفسها.
فالعالم لا يرحب بسهولة
بقوى مستقلة، لأنه قائم على توازنات دقيقة، وأي لاعب جديد يحاول إعادة تعريف موقعه،
يُقابَل عادة بثلاثة مسارات: المراقبة، أو الاحتواء، أو الإعاقة.
وهنا تكمن المفارقة
فالدول التي تسعى للاستقلال تحتاج إلى الانفتاح، لكنها لا تستطيع الارتهان تحتاج إلى
التحالف، لكنها لا تقبل التبعية تحتاج إلى القوة، لكنها لا تبحث عن المواجهة إنها معادلة
دقيقة.. بين الاستقلال والتوازن.
ولذلك، فإن السؤال
الحقيقي ليس: هل يمكن بناء قوة مستقلة؟ بل هل تملك
الدولة الإرادة لتحمل كلفة الاستقلال؟
إذا نجح هذا المشروع
في أي دولة، فإن رسالته لن تكون خطابا سياسيا بل واقعا يُقرأ أن الاستقلال ممكن، لكنه
لا يُمنح بل يُنتزع وأن من لا يبني قوته بنفسه سيظل جزءا من قوة غيره، فبناء قوة إقليمية
مستقلة ليس خيارا تكتيكيا، بل مشروع استراتيجي طويل الأمد ونجاحه يعتمد على القدرة
على تحقيق توازن دقيق بين الداخل والخارج، وبين الاستقلال والانفتاح. وفي جميع الأحوال
فإن هذا المسار يظل محفوفا بالتحديات لكنه يمثل الطريق الوحيد نحو سيادة حقيقية.
كيف تُبنى القوة؟
من الداخل لا من الخارج؟
الخطأ الشائع في فهم
الاستقلال هو اعتباره قرارا سياسيا، بينما الحقيقة أنه نتيجة تراكمية لبناء طويل ومعقد،
فالدول لا تصبح مستقلة لأنها أرادت ذلك بل لأنها أصبحت قادرة عليه.
أولا: الاقتصاد..
عصب الاستقلال الحقيقي: لا يمكن الحديث عن
استقلال سياسي دون استقلال اقتصادي نسبي، فالدولة التي تعتمد على الخارج في غذائها
أو طاقتها أو عملتها لا تملك رفاهية القرار المستقل؛ الاقتصاد هنا ليس أرقام نمو فقط،
بل قدرة على الإنتاج التحمل
والصمود
أمام الضغوط، ولهذا فإن أول ما يُستهدف في أي مشروع استقلالي هو الاقتصاد.
ثانيا: التماسك الداخلي..
الحصن الأول: لا توجد قوة مستقلة
في ظل انقسام داخلي حاد التاريخ يثبت أن كل تدخل خارجي يبدأ من شق داخلي، فالدولة القوية
ليست التي لا تختلف بل التي تدير اختلافها دون أن تتحول إلى ساحة صراع مفتوح.
ثالثا: القوة.. ليست
عسكرية فقط: حين نتحدث عن الردع
يتجه الذهن فورا إلى السلاح، لكن الواقع أكثر تعقيدا، فالقوة اليوم شبكة متكاملة (عسكريا- استخباراتيا- سيبرانيا - إعلاميا- سردية قادرة على التأثير)،
والدولة التي لا تملك روايتها ستُكتب روايتها من الآخرين (تحالفات قوية- وأمور أخرى).
رابعا: الرؤية.. الزمن
الطويل: الدول لا تُبنى في
دورة انتخابية ولا تُدار بعقلية رد الفعل أي مشروع استقلالي يحتاج إلى رؤية تمتد لعقود (استمرارية في السياسات- نخبة قادرة على التفكير الاستراتيجي)،
فالدولة التي تعيش يومها تفقد غدها فالعالم لا يرحب بالقوى المستقلة.
هنا نصل إلى الحقيقة
الأكثر حساسية النظام الدولي لا يعمل بالفراغ، بل بالتوازن، وأي دولة تحاول إعادة تعريف
موقعها خارج هذا التوازن تدخل تلقائيا في دائرة ثلاثية:
1. المراقبة: قراءة
نواياها وقدراتها.
2. الاحتواء: إدماجها ضمن منظومة النفوذ.
3. الإعاقة: إذا تجاوزت
الخطوط المرسومة.
وهنا يظهر الاختبار
الحقيقي هل تمتلك الدولة القدرة على المناورة.. أم ستُجبر على الاصطفاف؟
المعادلة الصعبة:
الاستقلال دون عزلة
الخطأ الأكبر الذي
وقعت فيه بعض التجارب هو فهم الاستقلال باعتباره "انسحابا من العالم"،
بينما الحقيقة العكس تماما الاستقلال الناجح يقوم على الانخراط الذكي لا
الانسحاب الأعزل.
* علاقات متعددة.. لا علاقة واحدة.
* شراكات مرنة.. لا تحالفات مقيدة.
* توازن بين القوى.. لا تبعية لمحور.
الاستقلال ليس أن
تقف وحدك بل أن تقف وأنت تختار موقعك بنفسك. كل حديث عن الاستقلال
دون الحديث عن كلفته هو تضليل (ضغوط اقتصادية
- حملات
إعلامية- تهديدات
أمنية- أو حتى
صراعات مباشرة)، لكن التاريخ يثبت أن هناك ثمنا آخر، أقل ظهورا لكنه أخطر "ثمن
البقاء في التبعية".
حين تنجح التجربة..
ما الرسالة؟
إذا نجحت دولة ما
في بناء قوة إقليمية مستقلة فإن رسالتها لن تكون خطابا سياسيا، بل نموذجا حيا، فإنها
ليست نصيبا محتوما لا فكاك منه، وهي ليست
قدرا مكتوبا لا مناص عنه، وأن الاستقلال
ممكن لكن بشروط، وأن بناء
القوة يبدأ من الداخل لا من الخارج.
والسؤال ليس: لماذا
لا نستطيع؟ بل: لماذا لم نحاول بجدية كافية؟ الاستقلال ليس حلما
بل قرار مكلف، والقوة الإقليمية المستقلة ليست معجزة وليست أيضا طريقا سهلا، إنها خيار
استراتيجي طويل يتطلب شجاعة في القرار، وصبرا في التنفيذ، ووعيا في إدارة التوازنات.
وفي النهاية، تبقى
الحقيقة الأوضح أن الدول التي لا تبني قوتها بنفسها ستظل دائما جزءا من قوة غيرها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.