غزة بين تكنوقراط بلا سيادة ومرجعية غائبة: هل تعود منظمة التحرير كمدخل للحل؟

فادي جمعة
"المدخل الحقيقي لا يبدأ من سؤال: من سيدير غزة؟ بل من سؤال أعمق: من يملك القرار السياسي الذي يمنح هذه الإدارة شرعيتها واتجاهها؟"- الأناضول
"المدخل الحقيقي لا يبدأ من سؤال: من سيدير غزة؟ بل من سؤال أعمق: من يملك القرار السياسي الذي يمنح هذه الإدارة شرعيتها واتجاهها؟"- الأناضول
شارك الخبر
في لحظة إقليمية ودولية مشحونة بالصراعات والتحولات، تبدو غزة وكأنها تُزاح تدريجيا إلى هامش الاهتمام العالمي، لا لأن مأساتها تراجعت، بل لأن العالم بات يعيد ترتيب أولوياته وفق منطق القوة لا الحاجة، والمصالح لا القيم. في هذا السياق، يُعاد طرح فكرة "لجنة التكنوقراط" كمدخل لإدارة القطاع، في محاولة للالتفاف على تعقيدات الانقسام، وتخفيف وطأة الكارثة الإنسانية المتفاقمة. غير أن هذا الطرح، رغم ما يحمله من وجاهة ظاهرية، يفتح الباب أمام سؤال أعمق: هل يمكن للإدارة أن تحل محل السياسة في واقع كغزة؟

من حيث المبدأ، تقوم فكرة التكنوقراط على افتراض بسيط: إمكانية فصل الإدارة عن الصراع، وتكليف كفاءات مهنية بإدارة الشأن اليومي بعيدا عن التجاذبات الفصائلية. لكن هذا الافتراض يصطدم سريعا بطبيعة الواقع في غزة، حيث لا توجد إدارة محايدة بالمعنى التقليدي، ولا بيئة مستقرة تسمح بنجاح أي نموذج إداري، مهما بلغت كفاءته. فغزة ليست وحدة خدماتية تحتاج إلى تحسين الأداء، بل هي ساحة صراع مفتوح، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والإنسانية بشكل يجعل من "الإدارة التقنية" فكرة قاصرة بطبيعتها.

غزة ليست وحدة خدماتية تحتاج إلى تحسين الأداء، بل هي ساحة صراع مفتوح، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والإنسانية بشكل يجعل من "الإدارة التقنية" فكرة قاصرة بطبيعتها

الأزمة في غزة ليست أزمة أدوات، بل أزمة إطار، أي أن المشكلة لا تكمن في غياب الكفاءات، بل في غياب المرجعية السياسية التي تمنح هذه الكفاءات الشرعية والقدرة على الفعل. وفي ظل هذا الفراغ، تتحول لجنة التكنوقراط، إن تشكلت، إلى محاولة لإدارة التدهور بدلا من معالجته، أو إلى صيغة مؤقتة لتخفيف الضغط دون القدرة على تغيير شروط الأزمة.

في موازاة ذلك، يتفاقم الوضع الإنساني إلى مستويات غير مسبوقة. لم تعد المجاعة احتمالا مؤجلا، بل واقعا يطرق أبواب الناس يوميا، فيما تتوسع دائرة الأمراض والأوبئة في ظل انهيار البنية الصحية ونقص الموارد الأساسية. هذه ليست أزمة إنسانية منفصلة عن السياسة، بل نتيجة مباشرة لها، ما يجعل أي استجابة إغاثية بمعزل عن معالجة جذور الأزمة أشبه بمحاولة إبطاء الانهيار لا إيقافه.

يزداد المشهد تعقيدا مع التهديدات الإسرائيلية المتكررة بالعودة إلى الحرب، وهو ما يُبقي غزة في حالة "تعليق دائم" بين هدنة هشة واحتمال انفجار واسع. في مثل هذا الواقع، لا يمكن لأي بنية إدارية أن تعمل بفاعلية، لأن شرط الاستقرار -وهو الحد الأدنى لأي إدارة- غائب بالكامل.

وفي الخلفية، يبرز عامل لا يقل تأثيرا: انشغال العالم؛ فالأزمات الإقليمية والدولية المتلاحقة تسحب البوصلة السياسية والإعلامية بعيدا عن غزة، ما يقلل من مستوى الضغط الدولي، ويمنح الأطراف الفاعلة مساحة أوسع لإدارة الصراع وفق حساباتها الخاصة. هذا التراجع في الاهتمام لا يخفف من حجم المأساة، بل يزيد من خطورتها، لأنه يتركها تتفاقم بعيدا عن الرقابة والمساءلة.

في هذا السياق المركّب، يبرز سؤال المرجعية السياسية بوصفه المدخل الأكثر إلحاحا لأي حل جدي. وهنا، لا يمكن تجاوز منظمة التحرير الفلسطينية، ليس بوصفها مجرد كيان قائم، بل باعتبارها -من حيث المبدأ- الإطار التمثيلي الأوسع الذي يمكن أن يشكّل قاعدة لإعادة بناء وحدة القرار الفلسطيني.

غير أن استدعاء منظمة التحرير في هذا السياق لا يمكن أن يتم بصيغة الحنين إلى الماضي، أو باعتبارها حلا جاهزا، بل بوصفها إطارا يحتاج إلى إعادة إنتاج سياسي. فالمنظمة، رغم ما أصابها من تراجع وتهميش، ما تزال تمتلك عناصر لا تتوفر في غيرها: الشرعية التاريخية، والاعتراف الدولي، وإمكانية -إذا ما أُعيد بناؤها- أن تتحول إلى مظلة جامعة بدلا من أن تبقى بنية شكلية.

إعادة تفعيل منظمة التحرير لا تعني فقط إعادة ترتيب مؤسساتها، بل تعني بالأساس إعادة تعريف مفهوم الشراكة الوطنية، وتوسيع قاعدة التمثيل، وإدماج مختلف القوى ضمن إطار واحد قادر على إنتاج قرار سياسي موحد

إن إعادة تفعيل منظمة التحرير لا تعني فقط إعادة ترتيب مؤسساتها، بل تعني بالأساس إعادة تعريف مفهوم الشراكة الوطنية، وتوسيع قاعدة التمثيل، وإدماج مختلف القوى ضمن إطار واحد قادر على إنتاج قرار سياسي موحد. عندها فقط يمكن لأي صيغة إدارية -بما في ذلك لجنة تكنوقراط- أن تعمل ضمن سياق واضح، بدل أن تبقى معلقة بين التوافقات الهشة والتجاذبات المتضاربة.

المشكلة، إذن، ليست في غياب الحلول الجزئية، بل في غياب الإطار الذي يمنح هذه الحلول معنى واستدامة. فالإدارة دون سياسة تتحول إلى إجراء مؤقت، والسياسة دون وحدة تتحول إلى صراع داخلي، والوضع الإنساني دون أفق يتحول إلى كارثة مفتوحة.

في النهاية، تبدو غزة اليوم وكأنها تقف عند تقاطع ثلاث أزمات كبرى: أزمة حكم ومرجعية، وأزمة إنسانية خانقة، وأزمة أمنية مفتوحة على احتمالات التصعيد، وأي محاولة لمعالجة أحد هذه الأبعاد بمعزل عن الآخرين ستبقى قاصرة بحكم الواقع.

لذلك، فإن المدخل الحقيقي لا يبدأ من سؤال: من سيدير غزة؟ بل من سؤال أعمق: من يملك القرار السياسي الذي يمنح هذه الإدارة شرعيتها واتجاهها؟ وفي غياب إجابة واضحة عن هذا السؤال، ستبقى كل الحلول -مهما بدت منطقية- تدور في حلقة مفرغة، بين إدارة بلا سيادة، ومساعدات بلا أفق، وهدوء لا يلبث أن ينكسر.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)