سوريا بين مركزية القرار وفوضى التنفيذ: اختبار الدولة في لحظة ما بعد السقوط

كرم خليل
"الإنسان السوري هو جوهر قيام الدولة، وأي انزلاق نحو إدارة المزاج العام بدلا من إدارة القانون يهدد بإعادة إنتاج الانقسام بدل احتوائه"- سانا
"الإنسان السوري هو جوهر قيام الدولة، وأي انزلاق نحو إدارة المزاج العام بدلا من إدارة القانون يهدد بإعادة إنتاج الانقسام بدل احتوائه"- سانا
شارك الخبر
في المراحل الانتقالية، لا تُقاس قوة الدولة بقدرتها على اتخاذ القرار، بل بقدرتها على ضبط من يتخذ القرار. ما حدث مؤخرا لا يمكن قراءته كحادثة إدارية معزولة، بل كمؤشر بنيوي على خلل في فهم طبيعة السلطة وحدودها داخل الدولة السورية الجديدة، حيث يتقدّم التنفيذ أحيانا على القرار، وتُستبدل المركزية المفترضة باجتهادات فردية غير منضبطة.

الإعلان الدستوري حدّد بوضوح أن نظام الحكم في سوريا مركزي، وأن المرجعية القانونية خلال المرحلة الانتقالية تستند إلى القوانين النافذة سابقا. هذا الإطار لا يترك مجالا لاجتهادات محلية ذات طابع عام أو شمولي، ولا يمنح السلطات التنفيذية في المحافظات حق إنتاج سياسات عامة خارج المركز. وما صدر عن محافظي دمشق واللاذقية لا يمكن توصيفه إلا كاجتهاد خارج السياق الدستوري، وهو خطأ مؤسساتي جسيم، لأن الدولة لا تُدار بالاجتهادات، بل بالقوننة والانضباط الدستوري، وأي خروج -مليميتر واحد- عن هذا الإطار يفتح الباب أمام تفكك القرار وتحويل الدولة إلى مجموعة سلطات متوازية لا رابط بينها.

يصبح التدخل الرئاسي المباشر ضرورة سياسية لا خيارا إداريا؛ المطلوب ليس احتواء حادثة، بل إطلاق برنامج إصلاحي واضح يعيد تعريف حدود الصلاحيات، ويؤسس لمسار انتقالي قائم على الشفافية والانضباط، ويضمن تحويل مكتسبات الثورة إلى بنية دولة مستقرة لا إلى مساحة اجتهاد مفتوحة

المعضلة الأعمق لا تكمن في القرار ذاته، بل في البيئة التي سمحت بصدوره. حتى الآن، لم تفصح القيادة السورية عن مشروعها السياسي للمرحلة الانتقالية بشكل واضح ومتكامل، ما خلق فراغا تفسيريا انعكس استياء شعبيا متناميا، وفتح المجال أمام بعض المسؤولين لملء هذا الفراغ باجتهادات شخصية، غالبا ما تُبنى على منطق إرضاء الذات أو استرضاء فئات محددة، دون تقدير كلفة ذلك على مستوى الاستقرار الاجتماعي أو الثقة العامة.

هذا النمط من القرارات يعكس انتقالا غير مكتمل من عقلية "إدارة المناطق" إلى منطق "إدارة الدولة"؛ الفارق بينهما ليس شكليا، بل بنيوي: الأولى تقوم على التكيّف الميداني والمرونة الظرفية، بينما الثانية تقوم على الانضباط المؤسسي ووحدة القرار والسياسات العامة. استمرار استخدام أدوات المرحلة السابقة داخل بنية الدولة لا يُنتج استقرارا، بل يعيد إنتاج الفوضى ضمن إطار رسمي، ويحوّل المركزية إلى نص دستوري بلا مضمون فعلي.

في هذا السياق، تصبح العلاقة بين الدولة والمجتمع عاملا حاسما؛ الدولة ليست طرفا في صراع اجتماعي، ولا يجوز لها الانحياز إلى الأصوات الشعبوية -سواء المؤيدة أو المعارضة- بل يجب أن تحافظ على مسافة واحدة من الجميع، وأن تؤدي وظيفتها الأساسية: إدارة المجتمع بالقانون العادل الذي يضمن الحقوق والحريات. الإنسان السوري هو جوهر قيام الدولة، وأي انزلاق نحو إدارة المزاج العام بدلا من إدارة القانون يهدد بإعادة إنتاج الانقسام بدل احتوائه.

الاستياء الشعبي القائم ليس تفصيلا، بل مؤشر إنذار مبكر، وهو في جزء منه مبرر، ويقع على عاتق الدولة احتواؤه ضمن إطار مؤسساتي واضح. في المقابل، لا يمكن إغفال أن البيئة المحيطة بسوريا لا تزال معادية وهشة، وأن هناك أطرافا متربصة تعمل على تضخيم أي خطأ أو حدث عابر لتحويله إلى أزمة بنيوية. هذا لا يلغي وجود تجاوزات حقيقية، لكنه يفرض على الدولة التعامل معها بسرعة وحزم قبل أن تتحول إلى نقاط اختراق داخلية.

في المقابل، لا يمكن إنكار أن القيادة السورية اتخذت خطوات إيجابية باتت واضحة للعموم، وهو ما يمنحها رصيدا سياسيا قابلا للبناء، غير أن هذا الرصيد يبقى هشّا إذا لم يُترجم إلى إطار حاكم واضح يضبط الأداء الحكومي ويمنع الانحرافات الفردية، ويحوّل المبادرات المتفرقة إلى مسار استراتيجي متماسك.

السيناريو الأكثر خطورة لا يكمن في الخطأ ذاته، بل في استمراره؛ إذا لم يتم ضبط هذا النمط من السلوك الإداري، فإن النتيجة لن تكون مجرد تراجع في الأداء، بل انتقال تدريجي نحو تعدد مراكز القرار داخل الدولة، وهو المسار الذي يقود تاريخيا إلى تفكك السلطة وفقدان القدرة على الحكم.

بناء على ذلك، يصبح التدخل الرئاسي المباشر ضرورة سياسية لا خيارا إداريا؛ المطلوب ليس احتواء حادثة، بل إطلاق برنامج إصلاحي واضح يعيد تعريف حدود الصلاحيات، ويؤسس لمسار انتقالي قائم على الشفافية والانضباط، ويضمن تحويل مكتسبات الثورة إلى بنية دولة مستقرة لا إلى مساحة اجتهاد مفتوحة.

الدولة تُختبر اليوم في قدرتها على ضبط نفسها قبل ضبط الآخرين، وإما أن تُستعاد مركزية القرار فعليا، أو تتحول إلى غطاء لفوضى مقنّعة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل