يفرض الموقع
الجيوسياسي لسوريا عبئا ثقيلا على صانع القرار في دمشق عشية اشتعال نيران
الحرب في
المنطقة، والتي تدور رحاها بين طرفين لا يخفيان عداءهما للسلطة الجديدة في دمشق،
كما يسعيان إلى استخدام جميع أوراقهما في حرب شرسة يُنتظر أن يكون لها تداعيات
عميقة على مستوى إعادة تشكيل المنطقة، ومستقبل توازنات القوى فيها.
حتى كتابة هذه
السطور، ينصب تركيز سلطات دمشق على إدارة التداعيات الناجمة عن هذه الحرب، وقد
تجلى ذلك بشكل عملياتي من خلال عمليات الانتشار التي أجراها الجيش السوري على
الحدود مع العراق ولبنان، وكان الهدف المعلن من ورائها ضبط الحدود ومنع عمليات
التسلل وتقل السلاح، ربما لسد أي ذرائع قد تسعى إسرائيل إلى التلطي خلفها لخلط
الأوراق في المنطقة وتحقيق أهداف جيوسياسية في
سوريا، في ظل حربها على
لبنان
ومساعيها للقضاء على
حزب الله وترسيم منطقة عازلة في جنوب لبنان، ما قد يدفع
إسرائيل إلى التفكير بتوسيع نطاق هذه المنطقة لتشمل أجزاء واسعة من جنوب سوريا،
ولا سيما الجزء الذي يربط لبنان مع سوريا من جبل الشيخ حتى ريف دمشق الغربي.
نظريا، يبدو من غير المرجح أن تقوم سلطة دمشق في هذه المرحلة بدور غير دفاعي، مثل الضغط على حزب الله، وبالتالي الانخراط بطريقة ما في الحرب الدائرة، ليس فقط لأن هذا الأمر فيه خدمة مجانية لإسرائيل، وقد تكون له عواقب سلبية على صورة السلطة في دمشق
غير أن الهدف لا
يقتصر على عدم منح إسرائيل الفرصة لاستهداف سوريا وحسب، بل يتعلق باستشعار السلطة
في دمشق لمخاطر قد ترتبها الحرب وفوضى الحدود وسيولة الأحداث وتراكبها وتعقيداتها،
حيث تتخوف دمشق من مخاطر أمنية قد تقوم بها أذرع
إيران (حزب الله مثلا)، بالتنسيق
مع أطراف داخلية سورية، للقيام بأعمال أمنية تهدّد السلطة الحالية في دمشق، وفرض انكفائها
عن الحدود لاستعادة وظيفتها كممر لوجستي بعيدا عن سيطرة دمشق.
نظريا، يبدو من
غير المرجح أن تقوم سلطة دمشق في هذه المرحلة بدور غير دفاعي، مثل الضغط على حزب
الله، وبالتالي الانخراط بطريقة ما في الحرب الدائرة، ليس فقط لأن هذا الأمر فيه
خدمة مجانية لإسرائيل، وقد تكون له عواقب سلبية على صورة السلطة في دمشق وطبيعة السردية
التي تقدمها للرأي العام العربي من كونها قوّة ثورية ضد ظلم النظام السابق، وليست
لها أي مطامح خارجية أو نوايا للتدخل بالشأن اللبناني، بالإضافة إلى أن سلطة دمشق لا
تزال في مرحلة بناء المؤسسات التي ما تزال هشة إلى حد بعيد، لا سيما المؤسستين
العسكرية والأمنية، كما أنها لا زالت تواجه مخاطر وتحديات داخلية، ومن شأن
الإنخراط في حرب خارجية أن يودي بجميع الترتيبات التي أقامتها في الداخل السوري
بصعوبة بالغة.. فإضافة لتلك المحاذير، من الواضح أن ثمة دور تركي يسعى إلى إدارة
التوتر في الإقليم وضبط التداعيات السلبية للحرب إلى أقصى درجة ممكنة.
وقد رشح أن تركيا
وجهت نصائح أو تحذيرات للسلطة في دمشق من مخاطر التفكير في أي عمل تجاه لبنان وحزب
الله في هذه المرحلة، لما قد يستتبعه من تداعيات يصعب ضبطها، وبالتالي فإن على
دمشق عدم الإنجرار وراء الإغراءات التي تهيئها لها اللحظة الإقليمية وفاعلون خارجيون
للانخراط في الحرب الدائرة في المنطقة.
لكن المشكلة أن
السلطة السورية، التي جاءت على خلفية صراع مديد مع الأسد والمنظومة التي دعمته طويلا،
والتي يشكل حزب الله أحد أهم فاعليها، قد تجد في الحرب فرصة، ليس للانتقام وحسب،
بل لإنهاء شبح احتمال عودة النفوذ الإيراني عبر ذراعه اللبناني وامتداداته في
العراق، وهو في تقييم سلطات دمشق مصدر تهديد موجود ويمكن تفعيله في أي لحظة،
رشح أن تركيا وجهت نصائح أو تحذيرات للسلطة في دمشق من مخاطر التفكير في أي عمل تجاه لبنان وحزب الله في هذه المرحلة، لما قد يستتبعه من تداعيات يصعب ضبطها
لذا
فإن التفكير الاستراتيجي بعيد المدى قد يحتم عليها انتهاز اللحظة الراهنة، حيث تقع
إيران وأذرعها في موقف ضعيف عسكريا ونفسيا، والانقضاض على ما تبقى من شبكات لهما
في لحظة ربما لن تتكر مرة أخرى، وقد تتحول من فرصة إلى خطر ما لم يتم استثمارها.
وربما يتعزز هذا
التفكير بدفع إقليمي أو حسابات من سلطة دمشق، التي باتت ترى نفسها جزءا من محيط
عربي يجري استهدافه من قبل إيران وأذرعها، ولا سيما حزب الله الذي بات ينشر شبكاته
التجسسية والتخريبية في أكثر من بلد عربي، وهو ما كشفته السلطات الأمنية في أكثر
من بلد خليجي، ما قد يدفع دمشق التي تعوّل كثيرا على الدعم العربي لها إلى محاولة
رد الدين الخليجي عبر مبادرتها إلى القضاء على حزب الله وإنهاء مفاعيله في المنطقة.
وثمّة تخوّف من
تورط دمشق بالفعل في هذه الحرب، وذلك على خلفية التوتر الحاصل بين الطوائف
اللبنانية، واحتمالية إندلاع صدامات داخلية، ويبدو أن بعض الأطراف اللبنانية تحاول
الاستقواء بالورقة السورية لردع حزب الله عن التفكير في الحرب عليها.
بناء على ذلك،
تبدو دمشق على عتبة الانخراط في الحرب الدائرة، وتحديدا في جانبها اللبناني، إذ
رغم ما تنطوي عليه هذه الخطوة من مخاطر، إلا أن حسابات المكاسب وإغراءات التدخل
وضغوط الفاعلين الإقليميين والدوليين قد تسرّع من وتيرة الانخراط، إلا إذا انتهت
الحرب باتفاق دولي وإقليمي ينزع فتائل التوتر في المنطقة.
x.com/ghazidahman1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.