إيران لم
تتحول إلى تهديد اليوم.. بل تُركت لتصبح كذلك؛ المشكلة لم تكن في قوتها، بل في
التردد الدولي الذي سمح لها بتحويل أدوات النفوذ إلى بنية ابتزاز، وما يحدث الآن
ليس تصعيدا مفاجئا، بل لحظة متأخرة لإعادة ضبط مسار تُرك طويلا دون حسم.
إيران لم
تعد تُفهم كدولة تقليدية داخل نظام إقليمي، بل كنموذج قائم على تحويل الجغرافيا
والطاقة والممرات الحيوية إلى أدوات ابتزاز. مضيق
هرمز ليس مجرد ممر، بل منصة
اختبار لمدى قدرة النظام الدولي على حماية نفسه من فاعل يستخدم موقعه لا لتعزيز
الاستقرار، بل لتعطيله.
الخلل
الاستراتيجي العالمي لا يكمن في تقدير حجم إيران، بل في سوء فهم طبيعة سلوكها؛ كل
مرة يُستبدل فيها الردع بالتفاوض، يتحول التهديد من حالة قابلة للاحتواء إلى بنية
قابلة لإعادة الإنتاج، وهذا ما يجعل هرمز اليوم مسألة تتعلق بشكل النظام الدولي،
لا بممر مائي فقط.
كل مرة يُستبدل فيها الردع بالتفاوض، يتحول التهديد من حالة قابلة للاحتواء إلى بنية قابلة لإعادة الإنتاج، وهذا ما يجعل هرمز اليوم مسألة تتعلق بشكل النظام الدولي، لا بممر مائي فقط
في هذا
السياق، لم يعد تهديد المضيق أداة ضغط فعالة، بل عامل تسريع لإعادة تشكيل النظام
الاقتصادي والجغرافي. الدول لا تبقى رهينة نقطة اختناق إلى الأبد، بل تبني بدائلها،
بذلك تتحول ورقة القوة الإيرانية إلى محفّز لإقامة نظام طاقة لا يمر عبرها.
واشنطن
تدرك هذه المعادلة بوضوح، وما يبدو ترددا ليس غياب قرار، بل انتقال من إدارة
الأزمات إلى إعادة هندسة البيئة التي تنتجها. الهدف لم يعد فقط احتواء إيران، بل
تقليص قدرتها البنيوية على التأثير عبر كسر مركزية الجغرافيا التي تستند إليها.
الاستراتيجية
الأمريكية تقوم على مبدأ واضح: عدم
مواجهة التهديد في شكله الحالي فقط، بل منع إعادة إنتاجه مستقبلا. ولهذا يتم دفع
الحلفاء نحو بناء بدائل، وتحميلهم مسؤولية أمنهم، وتحويل السلوك الإيراني من ورقة
ضغط إلى عبء يُسرّع فقدان طهران لموقعها.
في
المقابل، تكشف
أوروبا عن خلل أعمق من مجرد ضعف سياسي، هي لا تفشل في الردع فقط، بل
تختار تجنبه. المقاربة التي يتبناها بعض القادة، وعلى رأسهم إيمانويل ماكرون، تقوم
على شراء الاستقرار قصير الأمد حتى لو كان الثمن ترسيخ تهديد طويل الأمد.
هذا
السلوك ليس دبلوماسية، بل إدارة تأجيل، فتحويل إيران إلى شريك تفاوضي في ملف هرمز
لا يعالج الأزمة، بل يطبعها، وكل مرة يتم التعامل مع التهديد كواقع قابل للتكيف،
يتحول هذا الواقع إلى قاعدة، ويتحول الابتزاز إلى أداة مقبولة ضمن النظام الدولي.
ضمن هذا
الإطار، لا يمكن فصل النقاش حول مستقبل حلف شمال الأطلسي عن إعادة تعريف التوازنات.
إعادة ضبط الناتو ليست تفكيكا للتحالف، بل إعادة توزيع للعبء، فالولايات المتحدة
لم تعد ترى في استمرار الصيغة الحالية مصلحة استراتيجية دون التزام أوروبي موازٍ.
تبرز سوريا كعامل حاسم في كسر أحد أهم أركان النفوذ الإيراني؛ لم تعد ممر عبور استراتيجي، بل تتحول إلى دولة تسعى للحياد وإعادة التموضع، وضبط الحدود وتقليص النفوذ الإيراني سحب من طهران أحد أهم خطوطها الجيوسياسية
إذا لم
تتمكن أوروبا من بناء قدرة دفاعية مستقلة، فإنها لن تبقى شريكا، بل ستتحول إلى
مساحة مفتوحة لتوازنات خارجية. هذا الفراغ لن يُترك فارغا، بل ستملؤه قوى مثل
روسيا بقيادة فلاديمير بوتين والصين بقيادة شي جين بينغ، ما يعيد رسم ميزان القوة
الدولي.
وفي خضم
هذا التحول، تبرز
سوريا كعامل حاسم في كسر أحد أهم أركان النفوذ الإيراني؛ لم تعد
ممر عبور استراتيجي، بل تتحول إلى دولة تسعى للحياد وإعادة التموضع، وضبط الحدود
وتقليص النفوذ الإيراني سحب من طهران أحد أهم خطوطها الجيوسياسية.
هذا
التحول لا يغيّر موقع سوريا فقط، بل يفرض واقعا جديدا على إيران، ففقدان القدرة
على الربط بين الجغرافيا الداخلية والأذرع الإقليمية يعني تآكل القدرة على تحويل
النفوذ إلى تأثير. وهنا تبدأ إيران بفقدان ما هو أخطر من الأرض: قدرتها على
الاستمرار كقوة ممتدة.
العالم
اليوم لا يواجه أزمة في مضيق هرمز، بل لحظة حسم مؤجلة، والسؤال لم يعد إن كان
التهديد الإيراني قائما، بل إن كان سيتم إنهاء شروط إنتاجه، أم تركه يعيد تشكيل
نفسه ضمن بيئة دولية مترددة.
بالنسبة
لواشنطن، المعركة ليست في الخليج فقط، بل في بنية النظام الذي سيتشكل بعده.
بالنسبة للعرب، المسألة لم تعد توازنات، بل بناء منظومة تقلل قابلية الابتزاز. أما
أوروبا، فهي أمام اختبار وجودي بين أن تكون قوة.. أو ساحة.
الدول لا
تُقصى لأنها ضعيفة.. بل لأنها تدفع الآخرين، بسلوكها، إلى بناء نظام لا مكان لها
فيه.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.