واشنطن تواجه عزلتها الدولية وإيران تفرض معادلة الردع

أنيس منصور
"فشل واشنطن في تأمين هذا الممر المائي، رغم امتلاكها أقوى أسطول حربي في العالم"- إكس
"فشل واشنطن في تأمين هذا الممر المائي، رغم امتلاكها أقوى أسطول حربي في العالم"- إكس
شارك الخبر
في مشهد يصفه المراقبون بأنه الأسوأ للدبلوماسية الأمريكية منذ عقود، تجد إدارة الرئيس دونالد ترامب نفسها وحيدة في مواجهة واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في تاريخ الشرق الأوسط.

فبعد أكثر من أسبوعين على إطلاق عملية عسكرية واسعة ضد إيران، تحول مضيق هرمز، ذلك الشريان الضيق الذي لا يتسع عرضه لأكثر من ميلين بحريين (حوالي 3.7 كيلومتر) في بعض نقاطه، إلى كابوس استراتيجي يهدد هيبة الولايات المتحدة ويعصف بالاقتصاد العالمي.

فشل واشنطن في تأمين هذا الممر المائي، رغم امتلاكها أقوى أسطول حربي في العالم، لم يكشف فقط عن سوء تقدير كارثي لقوة الخصم، وإنما سلط الضوء أيضا على تراجع غير مسبوق في النفوذ الأمريكي، حيث قوبلت مناشدات الرئيس ترامب لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة بجدار من الصمت الدبلوماسي أو الرفض المبطّن.

الأزمة الحالية هي نتاج سلسلة من القرارات التي اتخذت رغم التحذيرات الواضحة. فوفقا لمصادر مطلعة على اجتماعات مجلس الأمن القومي والبنتاغون، حذر مستشارو ترامب مرارا من أن المواجهة العسكرية مع إيران تحمل مخاطر عالية، وأن طهران تمتلك أوراق ضغط قوية قد تستخدمها لقلب الطاولة على القوة الأعظم. لكن يبدو أن الرئيس الأمريكي كان "مفتونا بنجاحاته السابقة"، كما وصفه أحد المصادر المقربة لموقع "أكسيوس"، خاصة بعد الضربات التي وجهها لإيران في الصيف الماضي والاستيلاء على ناقلات نفط فنزويلية في كانون الثاني/ يناير الماضي، مما دفعه إلى المبالغة في تقدير قدرته على إسقاط النظام الإيراني دون الحاجة إلى قوات برية، وهذا الغرور الاستراتيجي قاد الإدارة إلى تجاهل التخطيط لأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو إغلاق مضيق هرمز ردا على الضربات.

هذا العجز الأمريكي عن فتح ممر مائي لا يتجاوز عرضه بضعة أميال، بأقوى أسطول في التاريخ، يمثل تحولا جذريا في مفهوم الردع

واقع الحال اليوم يؤكد خطأ هذا التقدير، فالمسؤولون في البنتاغون يعترفون الآن، في جلسات مغلقة مع أعضاء الكونغرس، بأنهم لم يخططوا بشكل كاف لاحتمالية قيام إيران بإغلاق المضيق، لأنهم اعتقدوا أن ذلك سيضر بطهران أكثر مما سيضر بالولايات المتحدة.

الاعتقاد الخاطئ استند إلى تهديدات إيرانية سابقة لم تنفذ، لكنه تجاهل حقيقة أن الظروف تغيرت وأن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي لديه حسابات مختلفة تماما، حيث أعلن صراحة أن المضيق سيبقى مغلقا كـ"أداة للضغط".

محاولات البيت الأبيض لتصدير الأزمة إلى حلفائه باءت بالفشل الذريع. فحين ناشد ترامب دولا مثل الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا إرسال سفن حربية لتأمين المضيق، قوبلت هذه الدعوات بفتور شديد.

اليابان وأستراليا كانتا من أوائل الرافضين، مؤكدتين عدم رغبتهما في التورط عسكريا في صراع متصاعد. أوروبا، وبصوت وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، عبرت عن تشككها في الانضمام إلى هذا الجهد، معتبرة أن برلين لا تتوقع أن تكون "جزءا نشطا من هذا الصراع". بريطانيا، الحليف التقليدي الأوثق، فضلت البقاء في إطار التنسيق الدبلوماسي بدلا من الالتزام العسكري. أما الصين، المستورد الأكبر للطاقة من الخليج، فاكتفت بالدعوة إلى "خفض التصعيد" عبر الحوار، رافضة بشكل ضمني أي تورط عسكري.

بالتالي فإن هذا الموقف الجماعي ترك الولايات المتحدة تواجه إيران وحدها في معركة إرادات، وكسر قاعدة راسخة منذ عقود كانت تفرض فيها واشنطن إرادتها على الحلفاء في الأزمات الكبرى.

إن هذا العجز الأمريكي عن فتح ممر مائي لا يتجاوز عرضه بضعة أميال، بأقوى أسطول في التاريخ، يمثل تحولا جذريا في مفهوم الردع. فمنذ الحرب العالمية الثانية، ظلت القواعد الأمريكية وحاملات الطائرات مصانة بفضل هالة من القوة التي لا تقهر، لكن إيران استطاعت خلال أسبوعين فقط تدمير هذه الهالة عبر استراتيجية ذكية تعتمد على إغلاق الممر المائي واستهداف ناقلات النفط بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية، مما أربك حسابات البنتاغون وجعل تنفيذ عمليات مرافقة ناقلات النفط "أمرا شديد الخطورة" وفقا لتقييمات الجيش الأمريكي.

المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، وجه رسالة تحدٍ واضحة، نافيا تدمير القدرات البحرية الإيرانية، ومتحديا ترامب قائلا: "إذا كان قد دمر أسطولنا، فليُرسل سفنه إلى الخليج إن كان يستطيع".

الأبعاد الكارثية لهذه المواجهة تتجاوز بكثير حسابات النفط والغاز التي ركزت عليها وسائل الإعلام في البداية. صحيح أن مضيق هرمز يمر عبره حوالي خمس استهلاك العالم من النفط، لكن التقديرات الأولية تجاهلت حقيقة أن هذا الممر يعتبر شريانا حيويا لسلعة استراتيجية لا تقل أهمية عن الطاقة، بل ربما تفوقها في تأثيرها المباشر على حياة البشر: الأسمدة. فوفقا لتحليلات "سيتي بنك" الأخيرة، تعد منطقة الخليج المصدر الرئيسي لليوريا في العالم، حيث تسيطر على حوالي 36 في المئة من تجارتها العالمية، وحوالي 29 في المئة من تجارة الأمونيا، وحوالي 25 في المئة من تجارة سماد فوسفات ثنائي الأمونيوم. هذه النسب تعني ببساطة أن إغلاق المضيق يقطع شريان التغذية الأساسي للزراعة العالمية.

النتيجة المباشرة لذلك هي أن الأزمة من الطاقة انتقلت بسرعة إلى سلة الغذاء العالمية. فمع اقتراب موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي، حيث من المتوقع أن يشتري المزارعون الأسمدة في آذار/ مارس لتطبيقها في نيسان/ أبريل وأبريل/ مايو، يواجه العالم نقصا حادا في هذه المدخلات الأساسية. التقديرات تشير إلى أن تكلفة الأسمدة تمثل ما بين 50 في المئة إلى 60 في المئة من التكاليف المتغيرة لزراعة الحبوب الرئيسية. وهذا النقص سيؤدي حتما إما إلى تقليل استخدام الأسمدة، مما ينذر بانخفاض حاد في الإنتاجية والمحاصيل، أو إلى ارتفاع جنوني في أسعارها، مما سينعكس على سعر الخبز والحبوب في كل أنحاء العالم.

وبالفعل، سجلت أسعار الأسمدة العالمية ارتفاعا بنحو الثلث منذ بدء النزاع، ورفعت شركات كيميائية كبرى مثل "باسف" أسعار إضافات البلاستيك الأساسية بنسبة 20 في المئة، مما سيزيد من تكاليف التعبئة والتغليف والنقل.

أما التأثير الأشد قسوة، فسيكون على الدول النامية والفئات الفقيرة، التي تنفق جزءا أكبر من دخلها على الطعام. برنامج الأغذية العالمي حذر بالفعل من أن العمليات الإنسانية تواجه ضغوطا كبيرة بسبب اضطراب طرق الشحن وارتفاع التكاليف.

وسط هذا المشهد القاتم، تبدو الأسواق المالية هي الباروميتر الأكثر دقة لحجم الكارثة. فمع كل اتصال يجريه ترامب بحثا عن دعم دولي لا يأتي، تزداد حالة عدم اليقين وتنحدر البورصات بشكل أسرع. هذه الاتصالات في حد ذاتها باتت تشكل مؤشرا سلبيا، لأنها تعني أن أقوى دول العالم عاجزة عن إيجاد مخرج سريع، وأي حلول مطروحة (مثل تشكيل تحالف بحري) ستحتاج إلى شهور من المفاوضات والترتيبات، وهي مدة كافية لإحداث ركود عالمي عميق. استجابة السوق كانت واضحة: رفع "سيتي بنك" توقعاته لأسعار الذرة والقمح وفول الصويا بشكل حاد، مراهنا على أن استمرار إغلاق المضيف لأكثر من ستة أسابيع سيعيد تشكيل خريطة أسعار الغذاء العالمية بالكامل.

إن ما يحدث في مضيق هرمز اليوم هو لحظة فارقة في تاريخ النظام العالمي. اللحظة التي يكتشف فيها العالم أن القوة العسكرية وحدها، بغض النظر عن حجمها، لا تستطيع فرض الإرادة إذا غاب التحالف الدولي وضاعت هيبة الردع.

ما يحدث في مضيق هرمز اليوم هو لحظة فارقة في تاريخ النظام العالمي. اللحظة التي يكتشف فيها العالم أن القوة العسكرية وحدها، بغض النظر عن حجمها، لا تستطيع فرض الإرادة إذا غاب التحالف الدولي وضاعت هيبة الردع

أمريكا التي خرجت منتصرة من حروب الخليج السابقة، تجد نفس اليوم عاجزة عن فتح ممر مائي ضيق، أمام دولة تعرضت بنيتها التحتية للقصف وقُتل قائدها الأعلى، لكنها استطاعت أن تفرض معادلة جديدة. وهذه المعادلة تقول إن إغلاق هرمز هو سلاح استراتيجي طويل المدى يهدد بتفكيك الاقتصاد العالمي من قاعدته: الطاقة والغذاء. وواشنطن، التي راهنت على سرعة النصر، وجدت نفسها في مستنقع استنزاف مكلف، بينما يقف حلفاؤها على الشاطئ يتفرجون، تاركين إياها تواجه تداعيات مغامرة انفرادية، كلفتها أغلى ما تملك

المفارقة الأكبر في هذه الأزمة لا تكمن فقط في عجز واشنطن عن فتح مضيق، فذاكرة الأمس القريب التي تشهد على تآكل النفوذ الأمريكي بشكل مطرد ففي أواخر عام 2023، وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف لا يقل حرجا عندما حاولت تشكيل تحالف بحري لمواجهة هجمات جماعة الحوثي في البحر الأحمر تحت اسم "حارس الازدهار".

المفارقة الصارخة أن الحوثيين، ورغم ترسانتهم العسكرية المتواضعة مقارنة بالجيش الإيراني، تمكنوا حتى آذار/ مارس 2026 من تعطيل حركة الملاحة في باب المندب رغم الجهود البحرية الأمريكية والأوروبية. وكان الرفض الدولي للانضمام إلى ذلك التحالف صاعقا لواشنطن؛ فالدول الأوروبية الكبرى كفرنسا وإيطاليا وإسبانيا رفضت وضع سفنها تحت القيادة الأمريكية، وأعلنت إسبانيا صراحة عدم مشاركتها، بينما شككت ألمانيا في جدوى المهمة برمتها.

كل ذلك أجبر واشنطن في النهاية على إعادة تقييم وجودها، تاركة البحر الأحمر ساحة مفتوحة للمواجهات دون تحقيق ردع حقيقي، وإذا كان هذا هو المصير الذي لاقاه التحالف ضد جماعة الحوثي التي تمتلك "ترسانة أصغر بكثير" من إيران، فكيف لواشنطن أن تتوقع اليوم، في آذار/ مارس 2026، أن تنجح في حشد العالم لخوض مغامرة أعظم خطورة في مضيق هرمز، حيث الألغام الإيرانية تنتظر، وحيث الخزانة الأمريكية منهكة، وحيث الحلفاء أنفسهم (مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان) يعلنون رفضهم المسبق للمشاركة في مهمة يعتبرونها "غير قانونية" ومستحيلة التحقق؟
التعليقات (0)