من أين يأتي رصيد الثقة الذي يدفع الخصوم إلى باب سلطنة عُمان؟

أنيس منصور
"تثق بها أطراف متباعدة في العداوة"- جيتي
"تثق بها أطراف متباعدة في العداوة"- جيتي
شارك الخبر
كثيرة هي البلاد التي تزدحم بالأسماء، قليلة هي البلاد التي تصير معنى. وكثيرة هي العواصم التي ترفع الصوت حتى يُسمَع، وقليلة هي المدن التي تُصغي حتى تُصدَّق. وعُمان، على نحوٍ يثير الحيرة تبدو كأنها اختارت منذ وقت بعيد أن تكون "مساحة" أكثر مما تكون "ساحة"، وأن تكون "جسرا" أكثر مما تكون "متراسا".

فمن أين يأتي هذا الرصيد الذي يجعل الخصوم -وهم في ذروة الخصومة-يطرقون بابها مطمئنين؟ وكيف استطاعت أن تنجو من عدوى الاصطفاف، وأن تقف على حافة النار دون أن تحترق أو تُحرق غيرها؟

ليس الأمر معجزة دبلوماسية تُختصر في براعة مسؤول أو ابتسامة وسيط، إنما هو تاريخ طويل من بناء الثقة بالحذر، وصناعة المكانة بالصمت، وتربية السياسة على قيمةٍ قلَّ من يعتني بها: الاستمرارية، فالبلاد تُجرَّب كما تُجرَّب الكلمات؛ والكلمة التي تُبدِّل معناها كل صباح لا تُؤتمن، وكذلك الدولة التي تغيّر وجهها مع كل ريح.

 هل يمكن لعُمان أن تقوم بهذا الدور دون قبول أمريكي؟ في منطقة الأمن فيها مشدود بخيوط كثيرة، والقوة الأمريكية فيها لاعب لا يمكن تجاهله، من الواقعي أن يكون وجود هذا الدور محكوما بعدم اصطدامه بالمصالح الأمريكية الحيوية. نعم، هناك "رضا" أو على الأقل "عدم اعتراض" أمريكي، لكن هذا لا يعني تلقائيا أن عُمان أداة

وإذا عدنا إلى عام 1970، بوصفه منعطفا يتبدّل عنده مسار بلدٍ بأكمله، سنرى عُمان وهي تنتقل من عزلةٍ تكاد تكون قَدَرا إلى انفتاحٍ صار لاحقا سياسة وفلسفة. لم تكن الدولة يومها "حديثة" بالمعنى الذي نستخدمه اليوم بتهاون: الطرق قليلة، والمؤسسات محدودة، والتعليم محكوم بحدود ضيقة، والمجال العام شبه محجوب. وكانت ظفار، في أقصى الجنوب، جرحا مفتوحا في جسد الدولة، حربا تتغذّى من هشاشة الداخل ومن صخب الخارج في زمن الحرب الباردة، حيث كل تمردٍ محلي يمكن أن يصير مرآة لصراعٍ عالمي.

في ذلك المناخ جاءت لحظة انتقال السلطة، انتقال قيل عنه إنه "أبيض"، لكنه كان في عمقه انتقالا من منطق إلى منطق: من دولةٍ تكتفي بأن تحرس أبوابها إلى دولةٍ تحاول أن تبني بيتا من الداخل، وأن تُعيد ترتيب علاقتها بالناس وبالعالم.

ولا يمكن لمن يقرأ التاريخ بعينٍ واحدة أن يفهم دور القوى الكبرى في تلك اللحظة؛ فالبريطانيون لم يدعموا التحول حبا في التغيير من أجل التغيير، ولكن لأن الجغرافيا العُمانية ليست جغرافيا هامشية: مضيق هرمز وخطوط الطاقة ليست حاشية، وكل فراغٍ في هذه المنطقة يمكن أن يتحول إلى حفرةٍ يتدحرج فيها الجميع. هكذا تتداخل براغماتية الإمبراطوريات مع حاجة الدول الصغيرة إلى تثبيت أقدامها، ويولد من هذا التداخل مسارٌ جديد، لا يخلو من التعقيد، ولا ينقصه الذكاء.

لكن الأهم من كل ذلك ما الذي صنعه هذا التحول؟ هنا تتضح ملامح الاختيار العُماني الذي سيصير لاحقا عقيدة في السياسة الخارجية. كان على الدولة أن تنهي الحرب في ظفار، وأن تستعيد معنى المركز، وأن تجمع الأطراف في فكرةٍ واحدة، غير أن الدولة التي تخوض حربا في الداخل لا تستطيع أن تُفتح عليها جبهات في الخارج، ولا تستطيع أن تعيش على حافة العداءات وهي لا تزال تبني مؤسساتها الأولى. لذلك بدا الخيار العُماني -ببطءٍ وصبر- كأنه قولٌ غير معلن: لن نضيف إلى جراحنا جرحا جديدا، ولن نفتح على أنفسنا أبوابا لا نملك مفاتيحها.

وهكذا تشكّل، عاما بعد عام، هذا السلوك الذي يراه الناس اليوم "حيادا"، وهو في جوهره أعمق من الحياد. الحياد كلمةٌ رخوة إذا لم يسندها نظام من الضوابط، أما حين يتحول إلى ميثاق عملي -لا يتغير بتغير الوجوه- فإنه يصبح خلقا سياسيا؛ أن لا تتدخل في شؤون غيرك، وأن لا تسمح لأرضك أن تكون منصة ضد أحد، وأن تُبقي القنوات مفتوحة حتى مع من يختلفون معك حدّ القطيعة، وأن تجعل الوساطة سرا وليس مباهاة، وأن لا تبيع دورك في سوق الإعلام.. ومن هنا تأتي الثقة، لأن الجميع يعرف حدودك، ويعرف أنك لا تلدغه من حيث ظنّك ملاذا.

ثم إن "غرفة المفاوضات" ليست غرفة من إسمنتٍ وزجاج، فقط هي غرفة من أعصاب باردة. تحتاج إلى بلد لا يلهث وراء التصفيق، ولا يخاف من تهمة "الرمادية" وتحتاج إلى بلدٍ يملك شجاعة أن يكون أقل صخبا من الآخرين، وأكثر انشغالا بتفاصيل ما يُنقِذ الأرواح والاقتصادات والعلاقات من الانهيار. وفي هذا، تكون السرية مهمة؛ لأن كثيرا من المصالحات لا تولد أمام الكاميرا، وإنما تولد في المسافة بين الجملة والجملة، وفي اللحظة التي يستطيع فيها طرفٌ أن يتراجع خطوة دون أن يُكسَر أمام جمهوره.

يبقى السؤال الذي لا يجرؤ كثيرون على طرحه بصراحة: هل يمكن لعُمان أن تقوم بهذا الدور دون قبول أمريكي؟ في منطقة الأمن فيها مشدود بخيوط كثيرة، والقوة الأمريكية فيها لاعب لا يمكن تجاهله، من الواقعي أن يكون وجود هذا الدور محكوما بعدم اصطدامه بالمصالح الأمريكية الحيوية. نعم، هناك "رضا" أو على الأقل "عدم اعتراض" أمريكي، لكن هذا لا يعني تلقائيا أن عُمان أداة. الفرق كبير بين دولة تُتاح لها مساحة لأنها مفيدة في تخفيف الاحتكاك، ودولة تُستخدم كسوط على رقاب الآخرين.

عُمان، كما تبدو، تفعل الحدّ الأدنى الذي يحفظ لها هامش الحركة: تعاون عسكري محدود، وتسهيلات لوجستية، وعدم عرقلة مصالح كبرى.. وفي المقابل تحمي صورتها الأساسية: أنها ليست منصة ضد أحد. هذه المعادلة تشبه السير على حبل: إن مِلت كثيرا سقطت في "محور"، وإن ابتعدت كثيرا سقطت خارج اللعبة كلها. لذلك تكتفي بالقدر الذي يجعلها مقبولة هنا وهناك، دون أن تتحول إلى "مكتب بريد" لطرف واحد.

والنتيجة أن الجميع يجد عندها شيئا لا يجده عند غيرها: مكانا لا يُهينك إن جئت، ولا يفضحك إن جلست، ولا يبتزك إن احتجت. لهذا تثق بها أطراف متباعدة في العداوة، لأنها لا تحاول أن تربح من خصومتهم، بقدر ما تحاول أن تمنع الخصومة من أن تصير حريقا عاما.

عُمان، وهي تفتح موانئها للتسهيلات، وتستضيف أشكالا من التعاون العسكري، لا تفعل ذلك لتكون يدا لأحد، ولكن لتضمن حدا من الاستقرار يسمح لها بأن تبقى ليست ضد أحد. إنها تشبه من يقف على حافة البحر، يُحسن السباحة كي لا يغرق، لكنه لا يُشهر السباحة سيفا في وجه الآخرين. فهي تعرف، بحكمةٍ قديمة، أن الدولة التي تُغلق كل الأبواب تُخنق، والدولة التي تفتح كل الأبواب بلا حراسة تُنهك. لذلك حافظت على الباب المفتوح، وعلى الحارس الهادئ في الوقت نفسه.

ما تفعله مسقط، في حدود ما يظهر من سلوكها العام، هو إدارة علاقة دقيقة حدّ أدنى من التعاون مع واشنطن يكفي لتبديد الشكوك الاستراتيجية (تسهيلات، ترتيبات، قنوات)، وحدّ أعلى من الاستقلال يكفي ليظل الباب مفتوحا مع خصوم واشنطن وحلفائها المختلفين في آن.

فلو قطعت عُمان صلتها بالكامل بالمنظومة الأمنية الغربية، لصارت قدرتها على لعب دور الوسيط أضعف، لأنها ستبدو خارج توازنات المنطقة أو ضدّها، ولو اندمجت اندماجا كاملا في محور بعينه، لفقدت صفتها كقناة "نظيفة". لذلك فالمسألة ليست طهارة سياسية ولا تبعية سياسية، إنها هندسة موقع: أن تكون الدولة صغيرة بما لا يُخيف، ومتماسكة بما لا يُبتز، وهادئة بما لا يستفز، ومتصلة بالجميع بما يكفي لإمرار الكلام عندما تتعطل اللغة بين الخصوم.

من أشد الوظائف حساسية: أن تُبقي الخيط رفيعا لكنه غير مقطوع، وأن تسمح للخصمين أن يجلسا دون أن يتبادلا الإهانة، وأن تُقدّم للأقوياء نافذة لا تُحرجهم، وللضعفاء ملاذا لا يُذلّهم، وأن تظل في المعادلة دون أن تتحول إلى طرفٍ يطلب الثمن

وبكلمات أخرى، عُمان تعطي واشنطن الحدّ الذي يضمن عدم تصادم المصالح الحيوية: تعاونا محسوبا، وتسهيلات هنا وهناك، وطمأنة بأنّ أرضها ليست منصة لإطلاق النار على أحد، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح لنفسها أن تُختزل إلى وظيفة أمريكية، لأنها تعلم أن الوسيط إذا ارتدى بزّة محورٍ واحد فقد ثقة المَحاور الأخرى، وإذا فقد الثقة فقد وظيفته، وإذا فقد وظيفته صار دولة صغيرة عادية تُؤكل في أول منعطف. لذلك فهي لا تبيع "دورها" لأحد، بل تدير هذا الدور كحاجة مشتركة للجميع: بما في ذلك أمريكا.

هذه هي المفارقة التي تُسيء منطقتنا فهمها: ليست كل دولة تفتح نافذة للغرب تصبح غرفة للغرب، وليست كل دولة تُبقي خيطا مع الشرق تصبح ذراعا للشرق. السياسة ليست أبيض وأسود، السياسة درجات رماد كثيرة، ومن لا يعرف الرماد يظلّ يتهم النار بأنها لا تشتعل على طريقته. وعُمان اختارت أن تعيش في الرماد الذكي: لا تنطفئ لتُرضي أحدا، ولا تشتعل لتُثبت وجودها. وفي زمنٍ تتكاثر فيه العواصم التي تريد أن تكون "مركز العالم"، تبدو عُمان كأنها لا تريد أكثر من أن تكون مركزا للكلام حين ينقطع الكلام.

وهذه وظيفة تبدو متواضعة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة من أشد الوظائف حساسية: أن تُبقي الخيط رفيعا لكنه غير مقطوع، وأن تسمح للخصمين أن يجلسا دون أن يتبادلا الإهانة، وأن تُقدّم للأقوياء نافذة لا تُحرجهم، وللضعفاء ملاذا لا يُذلّهم، وأن تظل في المعادلة دون أن تتحول إلى طرفٍ يطلب الثمن.

لهذا، حين يسأل الناس: لماذا يثق بها الجميع؟ يمكن القول إن الثقة عملٌ شاقٌ على النفس والدولة معا؛ أن تتعلم كيف تقول "لا" دون أن تجرح، وكيف تقول "نعم" دون أن تُباع، وأن تكتشف أن السياسة ليست دائما خطبة في ساحة، لكنها في بعض الأحيان همسٌ ينقذ بلدين من حرب، وأن البلاد التي لا تتاجر بوساطتها، ولا تتفاخر بما تفعل، تضع في قلب المنطقة درسا بسيطا: ليس كل عَظَمةٍ تُعلن عن نفسها، وبعض الأدوار الكبيرة تنمو في الظلّ.. مثل شجرةٍ تعرف أن ثمرتها لا تحتاج إلى ضجيج كي تنضج.
التعليقات (0)