بعد إعلان
الحكومة
اليمنية عن نزولٍ ميداني للجنة الوطنية للتحقيق إلى عدن وحضرموت وسقطرى،
والحديث عن فتح السجون وإخراج محتجزين والتحقيق في
انتهاكات نُسبت إلى
الإمارات أو
إلى مليشيات مرتبطة بها، عاد السؤال إلى الواجهة بصيغته الأكثر حساسية: هل تستطيع
الشرعية اليمنية مقاضاة دولة دخلت البلاد بطلبٍ منها، ثم غادرتها بطلبٍ منها أيضا؟
الجواب القانوني، بعيدا عن ضجيج السياسة، واضح في جوهره: الدعوة قد تُغطي مشروعية "الوجود"
في حدوده، لكنها لا تمنح حصانة عن "الأفعال" إذا كانت تلك الأفعال
انتهاكات جسيمة محظورة، ولا تُسقط المسؤولية عمّا وقع أثناء فترة التعاون أو
بعدها، ولا تمنع مطالبات الضحايا بالإنصاف والتعويض.
الفكرة
التي يختلط فهمها كثيرا أن موافقة الدولة المضيفة تعمل كغطاء قانوني محدود المدى؛
فهي قد تمنع وصف دخول القوات أو بعض عملياتها بأنها انتهاك للسيادة ما دامت ضمن
نطاق الرضا وضمن مدته وشروطه، لكنها لا تتحول إلى صكّ يبيح الاعتقال خارج القانون
أو
التعذيب أو الإخفاء القسري أو القتل خارج نطاق القضاء أو إدارة سجون سرية أو
نقل محتجزين إلى أماكن لا تخضع لرقابة القضاء.
وفي
القانون الدولي، هناك التزامات لا تُعلَّق بموافقة سياسية ولا تُدار بتفاهمات
أمنية، لأن جوهرها حماية الإنسان من السلطة حين تنفلت، ولهذا فإن نقطة البدء ليست أن
"الإمارات تدخلت في اليمن بطلب من الشرعية"، وإنما "ما الذي وقع
تحديدا؟ ومن فعله؟ وبأي نمط؟ وهل يمكن إثباته؟ وهل يمكن إسناده قانونا إلى دولة
بعينها؟".
أول ما تحتاجه الحكومة اليمنية، إذا كانت جادة في الانتقال من الإدانة الإعلامية إلى مساءلة قابلة للنفاذ، هو تحويل الحديث عن "تحركات ميدانية" إلى تحقيق بمعايير تُحتَرم أمام القضاء. ليس المهم عدد الزيارات إلى السجون، بقدر كيفية توثيق الوقائع
وبالتالي
فإن أول ما تحتاجه الحكومة اليمنية، إذا كانت جادة في الانتقال من الإدانة
الإعلامية إلى مساءلة قابلة للنفاذ، هو تحويل الحديث عن "تحركات ميدانية"
إلى تحقيق بمعايير تُحتَرم أمام القضاء. ليس المهم عدد الزيارات إلى السجون، بقدر
كيفية توثيق الوقائع: إفادات الضحايا والشهود بطريقة آمنة، فحوص طبية شرعية وفق
قواعد معترف بها، توثيق أماكن الاحتجاز والزمان والجهة المسيطرة، جمع الأدلة
المادية والرقمية وتثبيتها ضمن "سلسلة حيازة" تمنع الطعن بأنها عُدِّلت
أو صُنعت لاحقا.
التجارب
الدولية تُظهر أن الملفات التي تسقط في المحاكم الدولية هي نتيجة أن الأدلة لم تُجمع
بطريقة سليمة، أو لأن الشهود تعرضوا للتهديد أو لأن كل شيء اختلط بالسياسة.
الخطوة
الثانية هي بناء "خريطة مسؤولية" وليس فقط مجرد قائمة انتهاكات.. لأن
العالم القضائي لا يتعامل مع توصيفات عامة من نوع "انتهاكات واسعة"،
وإنما مع وقائع محددة: حادثة، وضحية، ومكان، وتاريخ، وجهة منفذة، وسياق. ثم يأتي
الجزء الأكثر تعقيدا في نزاع مع دولة: الإسناد، فإذا كان الاتهام موجها إلى عناصر
أو وحدات إماراتية مباشرة، فالإسناد أسهل نسبيا، أما إذا كان موجها إلى قوات محلية
تلقت دعما أو تدريبا أو تمويلا من الإمارات، فالمطلوب إثبات صلة تشغيلية تجعل
الدولة مسؤولة قانونا عن الفعل، وليس مجرد صلة سياسية أو تحالف.
وهنا يدخل
معيار "السيطرة الفعلية" على الفعل محل الاتهام، أو معيار "المساعدة
مع العلم"، حيث تُسأل الدولة إن كانت قد أعانت على فعل غير مشروع وهي تعلم
بالظروف التي تجعله كذلك، أو إن كان الدعم قد استمر رغم نمط متكرر من الانتهاكات.
النقاش في هذا الأمر مهم ولا يعد هامشيا لأنه هو ما سيُبنى عليه قبول الدعوى أو
رفضها، وما سيقرر إن كان الملف "قضائيا" أم "دعائيا".
ثم تأتي
عقدة ثالثة لا تقل أهمية: أين تُقاضى الإمارات؟ كثيرون يقفزون مباشرة إلى محكمة
العدل الدولية، لكن هذه المحكمة لا تنظر النزاع لمجرد وجود مظالم؛ لا بد من "باب
اختصاص" واضح تقبله الدولتان، سواء باتفاق خاص، أو بإعلان قبول، أو بشرط
اختصاص وارد في معاهدة نافذة بينهما من دون تحفظات تُغلق الباب.
وهنا
بالذات تظهر فائدة التجربة السودانية كدرس عملي؛ السودان حاول أن يفتح باب محكمة
العدل الدولية عبر اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، لكن الدعوى تعثرت عند عتبة
الاختصاص، والسبب أن التحفظات والاشتراطات الإجرائية تستطيع في كثير من الأحيان أن
تُغلق الطريق قبل أن تبدأ المحكمة في سماع الموضوع.
مغزى
التجربة أن البدء دون تدقيق دقيق في التحفظات والآليات الإجرائية هو مقامرة خاسرة
تُبدد وقتا وموارد وتُعطي الخصم فرصة إعلان "انتصار" شكلي، بينما النزاع
الحقيقي لم يُبحث بعد.
لهذا، فإن
الاستراتيجية الأكثر واقعية لليمن، إذا أراد مساءلة دولة الإمارات، هي ألا يراهن
على منبر واحد، وعليه أن تفتح مسارات متوازية: مسار أممي يهدف إلى تثبيت الوقائع
وحفظ الأدلة بقدر أعلى من الاستقلالية، ومسارات قضائية وطنية خارج اليمن تستهدف
المسؤولين الأفراد، حيث تسمح القوانين بملاحقة جرائم جسيمة ذات طابع دولي، ومسار
سياسي-قانوني يضع ملف المسؤولية على طاولة الدول والمنظمات مع مطالب محددة قابلة
للقياس: كشف مصير المختفين، وإتاحة الوصول إلى أماكن الاحتجاز السابقة والحالية، وتسليم
أو محاكمة المتهمين، وجبر ضرر الضحايا. فهذا التعدد لا يعني التخلي عن التقاضي بين
الدول، لكنه يعني عدم ترك الملف رهينة لعائق اختصاصي واحد.
وفي قلب
كل ذلك، لا بد من ترتيب البيت الداخلي؛ لا يمكن لحكومة أن تطالب العالم بمحاسبة
دولة أخرى وهي غير قادرة على ضمان سلامة الشهود في مناطق نفوذ متنازع عليها، أو
غير قادرة على توحيد مسار التحقيق بين أجهزة متعددة، أو تسمح بأن يتحول التحقيق
إلى أداة خصومة داخلية. حماية الشهود شرط وجود وكذلك استقلالية اللجنة وشفافيتها،
وتوثيقها للمقابلات دون إكراه، وامتناعها عن التسريب الذي يعرض الضحايا للخطر. وكلما
اتسع النزاع المسلح وتعددت السلطات، ازدادت ضرورة الاستعانة بخبرات دولية فنية في
الطب الشرعي والتوثيق الرقمي وإدارة الأدلة، لأن الخصم سيطعن في كل ثغرة.
أما سؤال "الدعوة
بطلب من الشرعية ثم الخروج بطلب الشرعية" فلا يغير جوهر المسؤولية عن
الانتهاكات، لكنه يفرض على اليمن أن يُحسن صياغة سرديته القانونية. التركيز على "وجود
الإمارات" قد يرتد عليه إذا كان الوجود نفسه تم بموافقة رسمية في مرحلة ما،
بينما التركيز على "الأفعال المحظورة" يتجاوز هذا الجدل ويضع القضية في
قالبها الصحيح: هل وقعت انتهاكات؟ هل كانت ممنهجة؟ هل كانت هناك مرافق احتجاز خارج
رقابة القضاء؟ هل كان هناك نقل قسري أو إخفاء أو تعذيب؟ وهل يمكن ربط ذلك بقرارات
أو توجيهات أو إدارة أو إشراف أو دعم حاسم من دولة الإمارات؟ فإذا كانت الإجابة
مثبتة بأدلة معيارية، فخروج القوات لا يمحو المسؤولية، تماما كما أن إنهاء علاقة
تعاقدية لا يمحو المسؤولية عن الضرر الذي وقع خلالها.
سياق يخلق نافذة سياسية وقانونية مواتية أمام الحكومة اليمنية لتقديم ملف متماسك يربط بين الوقائع والأدلة والإسناد القانوني، ويحوّل الاتهامات إلى مطالبات قابلة للتقاضي والمساءلة الدولية عن الانتهاكات الجسيمة التي طالت اليمنيين
علاوة على
ذلك، فإن النجاح في هذا النوع من القضايا يقاس بقدرة الحكومة على إنتاج ملف يُقنع
قاضيا: وقائع محددة، وأدلة محفوظة، وإسناد قانوني مضبوط، ومسار اختصاص قابل للنفاذ.
الفرصة
مواتية للحكومة اليمنية لإنصاف مواطنيها من تلك الانتهاكات التي ارتكبتها الإمارات
بحق المئات من اليمنيين، حيث وتشير تقارير منظمات حقوقية دولية ومواد صادرة عن
خبراء أمميين إلى أن نمط الانتهاكات المنسوبة إلى قوات مدعومة من الإمارات في
اليمن -من احتجاز تعسفي وإخفاء قسري وتعذيب وسوء معاملة داخل مرافق احتجاز غير
خاضعة للرقابة القضائية- إذا ثبت بأدلة معيارية وبإسناد قانوني واضح، فإنه قد
يرتقي إلى جرائم حرب ذات طابع منهجي بحكم تكراره واتساعه وطبيعته، وهو ما يفرض على
الحكومة اليمنية التعامل مع الملف بوصفه ملف مساءلة دولية وليس مجرد سجال سياسي،
عبر توثيق الوقائع وفق منهجيات تحقق صارمة، وحماية الشهود، وتحديد المسؤوليات
وسلاسل القيادة، ثم اختيار المسارات القابلة للنفاذ لملاحقة المسؤولين وإقامة
دعاوى المسؤولية والتعويض.
وإلى جانب
البعد اليمني، باتت سمعة الإمارات في قضايا ترتبط بانتهاكات أو ادعاءات موثقة
تتعلق بالنزاعات الإقليمية محل اهتمام متزايد لدى جهات دولية، سواء عبر تقارير
وتحقيقات حول السودان، أو عبر تقارير أممية وصحفية بشأن ليبيا، أو عبر تقارير عن
خروقات لحظر السلاح في الصومال؛ وهو سياق يخلق نافذة سياسية وقانونية مواتية أمام
الحكومة اليمنية لتقديم ملف متماسك يربط بين الوقائع والأدلة والإسناد القانوني،
ويحوّل الاتهامات إلى مطالبات قابلة للتقاضي والمساءلة الدولية عن الانتهاكات
الجسيمة التي طالت اليمنيين.
أخيرا،
نشدد على الاستفادة من درس التجربة السودانية بأن التقاضي الدولي ولا يُختزل في
بوابة قضائية واحدة؛ إنه مسار تراكمي طويل تُحسم نتائجه بقدر الانضباط الإجرائي
قبل أي تصعيد إعلامي، وبقدر سلامة الاختيار القانوني للجهة المختصة قبل إعلان
المقاضاة، وبقدر اكتمال الأدلة والإسناد قبل طرق أبواب المحاكم. وإذا أحسن اليمن
بناء هذا المسار بهذه العقلية، فإن أعمال اللجان والنزولات الميدانية ستتحول من
مادة سجالية إلى نقطة انطلاق لعملية مساءلة راسخة ومؤثرة، بدل أن تُستهلك في جدلٍ
إعلاميٍ عابر.