"من
تحقيق صحفي إلى كاشف لنمط نفوذ عابر للحدود": لم يكن ما كشفه موقع ميديابارت
مجرد تسريب لوثيقة دبلوماسية عابرة، بل نافذة واسعة على نمط جديد من الدبلوماسية
الخفية التي تمارسها دولة إقليمية ذات طموح سياسي واسع، تسعى إلى إعادة تشكيل
النقاشات العامة في قلب الديمقراطيات الغربية، وفي مقدمتها
فرنسا.
التحقيق
يضعنا أمام وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية
الإماراتية، تتضمن
خطة ممنهجة، طويلة
النفس، تهدف إلى توجيه الرأي العام والسياسات الفرنسية تجاه جماعة الإخوان
المسلمين، دون أن يظهر ذلك بوصفه تدخلا أجنبيا مباشرا.
لماذا
فرنسا تحديدا؟
بيئة مثالية لدفع الدولة الفرنسية نحو تشريعات وسياسات أكثر صرامة ضد ما يُصنَّف "إسلاما سياسيا"، وعلى رأسه الإخوان المسلمون
تنظر
الإمارات إلى فرنسا بوصفها "بلدا هدفا"، ليس فقط بسبب ثقلها الأوروبي،
بل لأن المشهد السياسي والإعلامي الفرنسي يشهد منذ سنوات مناخا متشددا تجاه
الإسلام والمسلمين، مع تقارب متزايد بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف، وتراجع
قدرة اليسار على تقديم خطاب موحد.
هذا
المناخ، وفق الوثيقة، يشكّل بيئة مثالية لدفع الدولة الفرنسية نحو تشريعات وسياسات
أكثر صرامة ضد ما يُصنَّف "إسلاما سياسيا"، وعلى رأسه الإخوان المسلمون.
إنه
التأثير الناعم بدل التدخل الفج حيث آن اللافت في الخطة الإماراتية هو اعتمادها
على ما يُعرف بـالتأثير الناعم، لا عبر السفارات والبيانات الرسمية، بل من خلال
شبكة معقدة من الوسطاء: صحفيين، باحثين، خبراء مراكز تفكير، أكاديميين، ومستشارين
سياسيين، يُعاد توظيفهم لإنتاج خطاب يبدو "فرنسيا داخليا"، بينما هو في
جوهره مستوحى من رؤية خارجية.
وتشير
الوثيقة إلى تزويد مؤسسات فرنسية بتقارير غير موقعة، قابلة لإعادة الصياغة والنشر،
بحيث تظهر على أنها تحليلات محلية مستقلة.
استهداف
مراكز القرار الحقيقي
لا تخفي
الخطة تركيزها على قصر الإليزيه، ووزارة الخارجية، ودائرة مستشاري الرئيس إيمانويل
ماكرون، باعتبارهم مراكز صنع القرار الفعلي في النظام السياسي الفرنسي، أكثر من
البرلمان أو الأحزاب. وهنا تتحول السياسة الخارجية إلى هندسة وعي داخل غرف القرار،
قبل أن تظهر في صورة قوانين أو تصريحات رسمية.
يلعب
الإعلام دورا محوريا في هذه الاستراتيجية، إذ يتم تغذية الصحف والقنوات بسردية
جاهزة تربط بين الإخوان المسلمين والإرهاب، وتهديد "القيم الجمهورية"،
والانفصالية، دون تمييز بين العمل الدعوي، أو الاجتماعي، أو السياسي. ولتفادي تهمة
التسييس، يتم توظيف باحثين معروفين في الجامعات ومراكز الدراسات، لإضفاء طابع "علمي
ومحايد" على خطاب سياسي موجَّه سلفا.
ثم يأتي
البرلمان الفرنسي كساحة نفوذ، فلا تتوقف الخطة عند الإعلام، بل تمتد إلى بناء شبكة
علاقات داخل البرلمان الفرنسي، بهدف التأثير على مشاريع القوانين، واللجان،
والتحقيقات البرلمانية المتعلقة بالإسلام، والجمعيات، والتمويل، والتعليم الديني. وبذلك
يتحول النقاش التشريعي نفسه إلى جزء من صراع نفوذ خارجي.
الإخوان
وقطر: الصراع الإقليمي في قلب أوروبا
يكشف
التحقيق أن هذا التحرك لا ينفصل عن الصراع الإماراتي- القطري، حيث ترى أبو ظبي أن
استهداف الإخوان في أوروبا هو طريق غير مباشر لضرب النفوذ القطري، الذي يُقدَّم
إعلاميا بوصفه داعما لتيارات الإسلام السياسي، وهكذا يصبح ملف الإخوان أداة في حرب
جيوسياسية بالوكالة داخل العواصم الأوروبية.
تقارب
محسوب مع اليمين واليمين المتطرف
تُظهر
الوثيقة تقاربا واضحا مع اليمين واليمين المتطرف الفرنسي، باعتبارهم الأكثر
استعدادا لتبنّي الخطاب المعادي للإخوان، والأكثر تأثيرا في إعادة تعريف "الأمن"
و"الهوية" في فرنسا. هذا التقارب لا يعني تحالفا معلنا، بل تلاقحا سرديا
يخدم الطرفين.
الخطة لا
تُنفّذ دفعة واحدة، بل على مراحل: بناء الثقة، اختبار الرسائل، توسيع الشبكات، ثم
الانتقال إلى التأثير العلني عبر الإعلام والسياسة، بعد أن يكون الإطار الذهني قد
تَشكَّل.
نموذج
جديد للدبلوماسية
ما تكشفه
الوثيقة هو ممارسة الإمارات لنمط جديد من الدبلوماسية: دبلوماسية الخبراء والإعلام
والشبكات، بدل الاكتفاء بالسفارات والبيانات الرسمية. وهو نمط يعكس قدرة أنظمة
سلطوية على التخطيط طويل المدى، واستثمار المال والعلاقات، لاختراق فضاءات يُفترض
أنها محمية بالديمقراطية والشفافية.
التحقيق
يضع علامة استفهام كبرى حول هشاشة الديمقراطيات الغربية أمام هذا النوع من النفوذ
المنظم، ويكشف أن حرية الإعلام وتعدد مراكز القرار قد تتحول إلى ثغرة استراتيجية.
ليس مجرد قصة عن الإخوان المسلمين، بل عن كيف تُدار الحروب السياسية في القرن الحادي والعشرين: بلا دبابات، وبلا بيانات حرب، بل عبر الخبراء، والإعلام، وصناعة السرديات
يخلص
التحقيق إلى حقيقة لافتة: النقاش حول الإخوان المسلمين في فرنسا لم يعد مسألة
داخلية تتعلق بالعلمانية أو الأمن، بل أصبح جزءا من صراع دولي على النفوذ
والهيمنة، تُستخدم فيه الجماعة كعنوان، بينما المعركة الحقيقية أوسع وأعمق.
الدور
العالمي للإمارات في تصنيف الإخوان ومحاربتهم
خارج
فرنسا، لعبت الإمارات دورا محوريا في:
- الدفع
نحو تصنيف الإخوان جماعة إرهابية في عدد من الدول.
- تمويل
ودعم حملات إعلامية دولية لتشويه الجماعة وربطها بالعنف.
- الضغط
داخل منظمات دولية ومراكز أبحاث لإعادة تعريف “الإسلام السياسي” كتهديد أمني.
- دعم
أنظمة إقليمية تتبنى سياسات الإقصاء الكامل ضد التيارات الإسلامية.
هذا الدور
لا ينطلق من مقاربة أمنية فقط، بل من رؤية سياسية تعتبر أي تنظيم إسلامي مستقل
تهديدا بنيويا لنموذج الدولة السلطوية.
ختاما:
ما كشفه
تحقيق ميديابارت ليس مجرد قصة عن الإخوان المسلمين، بل عن كيف تُدار الحروب
السياسية في القرن الحادي والعشرين: بلا دبابات، وبلا بيانات حرب، بل عبر الخبراء،
والإعلام، وصناعة السرديات. وهو تحذير صريح بأن المعركة على الوعي، في أوروبا
والعالم العربي، أصبحت أخطر من المعركة على الأرض.