راشد الغنوشي.. أكثر من ألف يوم خلف القضبان

محمد عماد صابر
"الفكرة التي تبدأ في حلقات العلم، وتُختبَر في المنفى، وتُجرَّب في السياسة، قد تنتهي -مؤقتا- في الزنزانة، لكنها لا تموت هناك"- جيتي
"الفكرة التي تبدأ في حلقات العلم، وتُختبَر في المنفى، وتُجرَّب في السياسة، قد تنتهي -مؤقتا- في الزنزانة، لكنها لا تموت هناك"- جيتي
شارك الخبر
سيرة فكرة.. من الزيتونة إلى الزنزانة

لم يولد الرجل في كواليس السياسة، بل خرج من رحم العلم. من الزيتونة بدأ الطريق؛ حيث تشكّلت ملامح عقلٍ دينيٍّ منفتح، يقرأ التراث بعيون المقاصد، ويصغي للعصر دون أن يذوب فيه. هناك تَربّى على فقهٍ يعرف ميزان النص والواقع، وعلى أخلاق دعوية ترى الإنسان قبل الشعار.

ثم جاءت المحنة، فصار المنفى مدرسة أخرى. سنواتٌ طويلة خارج الوطن لم تكن هروبا من قدر، بل جهادا بالفكرة من أجل تحرير تونس من الاستبداد، وبناء أفقٍ يلتقي فيه الإسلام مع الحرية، والهوية مع التعدد. في المنفى نضج المشروع، وتبلورت الرؤية، وتحوّلت التجربة من ردّ فعل إلى منهج.

عاد إلى تونس لا منتقما ولا مُزايدا، بل حاملا مشروع حركةٍ إسلاميةٍ وطنية رفعت رايتها من قلب المجتمع، لا من فوقه؛ حركة راهنت على العمل السلمي، وعلى التداول، وعلى قبول المختلف، ودفعت ثمن هذا الرهان مرتين: مرة حين قاومت الاستبداد، ومرة حين صادقت على قواعد اللعبة.

لم يكن الغنوشي معصوما، ولا تجربته بلا أخطاء؛ لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنه مفكّرٌ قبل أن يكون سياسيّا، وبأن سجنه اليوم ليس محاكمة لوقائع بقدر ما هو خصومة مع فكرة. فالسلطة التي تضيق بالكلمة، تُحاكم الرمز حين تعجز عن محاججة المعنى.

اليوم، يقبع خلف القضبان رجلٌ قضى عمره بين الكتب والمنابر، وبين السعي لوطنٍ حرٍّ يتسع لأبنائه. لكن المفارقة أن السجن لم يُطفئ الفكرة، بل أعاد طرح السؤال الكبير: هل يُسجَن من اجتهد أن يصالح بين الإسلام والدولة الحديثة، أم يُسجَن خوفُ الاستبداد من أي مشروعٍ يُذكّر الناس بأن الحرية حقٌّ أصيل؟.. سيخرج الجسد يوما، أو تبقى الذكرى شاهدا، أما الفكرة فستظل تمشي على قدمين في الشارع التونسي، لأن الأفكار التي تُولد من العلم، وتُربّى في المحنة، لا تموت في الزنازين.

إن التجربة لم تُحاكَم بوصفها اجتهادا بشريا قابلا للنقد، بل وُضِعت في قفص الاتهام، لا لشخص الغنوشي وحده، بل للفكرة التي يمثلها.

وهنا يتجاوز المعنى حدود تونس، فالغنوشي، في رمزيته، لا يمثّل حالة فردية، بل يختصر تجربة تيارٍ واسع من الدعاة، والسياسيين، والمفكرين، والعلماء، في مختلف الدول الإسلامية، ممن اختاروا طريق الإصلاح العلني والمؤسسي، فكان نصيبهم الإقصاء أو السجن.

في مصر، تجارب كاملة لبرلمانيين ودعاة ومفكرين قضى بعضهم أكثر من 4500 يوما خلف القضبان، (رئيس مجلس الشعب المصري د. محمد سعد الكتاتني نموذجا)، لا لأنهم حملوا سلاحا، بل لأنهم حملوا فكرة، ودخلوا المجال العام بوسائل مشروعة.

وفي السعودية، وغيرِها، نماذج لعلماء وأصحاب رأي حُوسِبوا على مواقف فكرية أو اجتهادات شرعية، لا على جرائم، في مشهدٍ يتكرر بأشكال مختلفة، لكن بمنطق واحد: الخوف من الفكرة حين تتحول إلى وعي عام.

بهذا المعنى، يصبح السجن مرحلة من مراحل تجربة الأفكار، لا نهايتها. فالفكرة التي تبدأ في حلقات العلم، وتُختبَر في المنفى، وتُجرَّب في السياسة، قد تنتهي -مؤقتا- في الزنزانة، لكنها لا تموت هناك. السجن هنا ليس ردّا علميا على اجتهاد، ولا تقييما موضوعيا لتجربة، بل إعلان عجزٍ عن إدارة الخلاف.

بدون شك ليس المقصود تمجيد الأشخاص، ولا تحويل التجارب إلى أيقونات معصومة، فكل تجربة بشرية قابلة للمراجعة والنقد والتطوير، لكن ما يجري في الإقليم منذ سنوات طويلة هو محاكمة للأفكار لا للأخطاء، وتجريم لمسارٍ اختار السلم والمؤسسات بدل الفوضى والصدام، فمن الزيتونة إلى السجن، تتلخّص الحكاية: فكرةٌ خرجت من العلم، ودخلت معترك الواقع، فدُفِعت ثمن جرأتها. وهكذا يصبح الغنوشي رمزا لا لشخصه، بل لمسارٍ فكريٍّ وسياسيٍّ كامل، لا يزال مفتوحا على السؤال الأكبر: هل تُدار خلافات الأمة بالعقل والاجتهاد، أم بالقيد والإقصاء؟.. سؤالٌ لم يُجِب عنه السجن يوما، ولن يُجيب.

الخلاصة:

الدين رسالةُ تحريرٍ لا أداة قهر، والإصلاح يبدأ من الإنسان قبل أن يصل إلى الدولة. هنا تَربّى المشروع: علمٌ، وهوية، ومسؤولية تجاه المجتمع. الصدام مع الواقع السياسي ليس مغامرة، بل اختبارا عمليا للفكرة.

المنفى لم يكن قطيعة، بل مرحلة نُضج، وفيه تحوّلت الرؤية من خطابٍ دعويٍّ عام إلى تصوّرٍ سياسيٍّ إصلاحي يحاول أن يُنزل القيم الإسلامية في ساحة الدولة الحديثة، عبر المؤسسات، والدساتير، والبرلمانات.

إن اعتقال الغنوشي الرجل -الهادئ الوديع.. العملاق الودود- بعد مسيرته الطويلة في الكفاح يطرح على شعوبنا وعلى نخبنا السياسية في عالمنا العربي السؤال الكبير: ألا يوجد طريق للخلاص من الاستبداد والفساد في بلادنا عبر حوار ديمقراطي مجتمعي ونضال سياسي رشيد؟
التعليقات (0)