قضايا وآراء

القضايا الخارجية وأثرها في تشكيل المشهد التونسي

عادل بن عبد الله
- جيتي
- جيتي
شارك الخبر
للوقوف عند جوهر الانقسامات الكبرى التي تحكم أهم الفاعلين الجماعيين في تونس منذ "الثورة"، يميل أغلب المهتمين بالشأن الوطني إما إلى اعتماد معيار الموقف من "الإسلام السياسي" باعتباره الفاعل غير المرحب به من لدن الأغلب الأعم من النخب "الحداثية"، أي المرفوض بصورة مطلقة ونهائية من ورثة المنظومات القديمة وحلفائهم الوظيفيين في السرديتين اليسارية والقومية؛ أو اعتماد معيار الموقف من النظام الحالي ومن سردية "تصحيح المسار" باعتبارها المقابل الفكري والموضوعي للديمقراطية التمثيلية من جهة أولى، وباعتبارها التهديد الوجودي لكل الأجسام الوسيطة السياسية والمدنية وغيرها، من جهة ثانية. ولكننا نذهب إلى إمكانية الجمع بين المعيارين المذكورين أعلاه، وذلك باعتماد معيار المواقف "الصلبة" من القضايا الخارجية سواء في الفضاء العربي-الإسلامي أو خارجه. ونحن نصف تلك المواقف بـ"الصلبة" لأنها ثابتة ونسقية ويمكن التنبؤ بها، على عكس المواقف من الملفات الداخلية، خاصة فيما يتعلق بالمواقف "الرخوة" من الواجهات السياسية المختلفة لمنظومة الحكم قبل 25 تموز/ يوليو 2021 وبعده.

منذ بداية ما يُسمى بـ"الربيع العربي" كان الصراع السياسي في تونس لا يتغذى على القضايا المحلية بقدر ما كان يتغذى على الصراعات الإقليمية، وعلى أنماط من الذاكرة المؤدلجة التي تعاطت مع الأحداث من مواقع متباينة جذريا. كما كانت الاصطفافات الداخلية تعكس شبكة علاقات/تفضيلات خارجية يمكن ردها إلى سرديتين سياسيتين أساسيّتين: سردية أولى رأت في "الربيع العربي" مؤامرة كونية أو "ربيعا عبريا" هدفه ضرب محور "المقاومة والممانعة" وتسليط الرجعية الدينية "العميلة" على شعوب المنطقة، باعتماد ديمقراطية "فاسدة" أساسها التلاعب بالوعي الجمعي وحرفه عن قضاياه الحقيقية صوب قضايا هوياتية تزيد في "تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ". وفي هذه السردية نجد أغلب ما يُسمىّ بـ"القوى الديمقراطية" وورثة المنظومات الحاكمة قبل الثورات العربية.
منذ بداية ما يُسمى بـ"الربيع العربي" كان الصراع السياسي في تونس لا يتغذى على القضايا المحلية بقدر ما كان يتغذى على الصراعات الإقليمية، وعلى أنماط من الذاكرة المؤدلجة التي تعاطت مع الأحداث من مواقع متباينة جذريا
أما السردية الثانية فقد رأت في "الثورات العربية" وسقوط الأنظمة الاستبدادية فرصة لإعادة هندسة المجتمع بعيدا عن قبضة الأقليات الأيديولوجية والطائفية والعسكرية التي ورثت مرحلة الاستعمار المباشر وتحولت -رغم كل ادعاءتها- إلى منظومات استعمار داخلي تتحرك واقعيا ضد كل شعاراتها التحررية والتنموية. وفي هذه السردية نجد الإسلاميين -خاصة الحركات الإخوانية- مع بعض القوى "الحداثية" الهامشية وغير المؤثرة في التوجهات الكبرى لما يُسمّى في تونس بـ"العائلة الديمقراطية".

إذا كانت السردية الأولى قد أثبتت زيف مقالتها القائمة على معاداة الصهيونية والإمبريالية بالتحالف الاستراتيجي مع محور التطبيع والثورات المضادة ومع ورثة منظومات الاستعمار الداخلي، فإن حال أصحاب السردية الثانية لم يكن أفضل، خاصة بعد أن اختاروا التحول إلى جزء من منظومة الاستعمار الداخلي بعد شرعنتها صوريّا بإرادة الناخبين وتوسيع قاعدتها الاجتماعية لتشمل المهمشين والمقموعين جهويا وأيديولوجيا، لكن مع الحرص على عدم تهديد المصالح المادية والرمزية للنواة الصلبة لتلك المنظومة، وذلك باعتماد منطق "التوافق" مع وكلائها التقليديين والجدد. إننا أمام سرديتين تفصل بين ادعاءاتهما الذاتية وبين واقعهما هوة سحيقة تكاد تحولهما معا إلى "ظاهرة صوتية".

ونحن نذهب إلى أن "عطالة" السرديتين تعود إلى سبب جوهري يرتبط بموقفهما الحقيقي -لا الخطابي- من "منظومات الاستعمار الجديد" أو "منظومات الاستعمار الداخلي". فـ"الحداثيون" يصادرون على أن الأنظمة "التقدمية" -سواء أكانت نواتها طائفية أم عسكرية- هي جزء من مشروع التحرر الوطني والقومي والأممي بصرف النظر عن شرعيتها ومشروعيتها. كما يصادرون على أن "الإسلاميين" لا يمكن أن يكونوا بديلا مستقلا ولا حتى بديلا تشاركيا في إدارة الشأن العام بحكم الجوهر "الرجعي" لمقالاتهم.

في هذه السردية لا نستغرب أن يتحوّل الانقلاب العسكري في مصر إلى "ثورة تصحيحية"، ويصبح " المشير حفتر" المسنود بالمَداخلة مدافعا عن مدنية الدولة الليبية ضد "الرجعية الإخوانية"، كما لا نستغرب أن يدافع "الحداثيون" عن النظام الطائفي السوري (السابق) باعتباره نظاما قوميا ممانعا، ولا نستغرب أيضا من صمت "الديمقراطيين" عن دور محور التطبيع في تدمير مسارات الانتقال الديمقراطي بدءا بمصر وانتهاء بتونس، بل صمتهم عن دور ذلك المحور في ضرب محور "الممانعة والمقاومة"، مقابل تضخيمهم المتعمد للدورين القطري والتركي.

المحدد الأساسي لمواقف "الأقليات الأيديولوجية" في تونس هو ميلها إلى الدفاع عن نظائرها من الأقليات سواء أكانت طائفية أم عسكرية، بشرط أن تكون مواقف تلك الأقليات معادية "للإسلام السياسي"، أو بالأحرى معادية "للأغلبية" التي قد تتحول إلى ظهير استراتيجي للحركات الإسلامية "السنية" في صورة اعتماد الديمقراطية التمثيلية

إن العقل المؤدلج لا يهتم كثيرا بالوقائع الموضوعية ولا يلزم نفسه بمعيار "الحقيقة". فالأهم عنده ليس بناء خطاب مطابق للواقع الإقليمي، بل بناء سردية تعيد هندسة ذلك الواقع -أي تزيفه قصديا- حتى يكون قابلا للتوظيف في الصراعات الداخلية ضد "الإسلاميين" وحلفائهم. وعلى خلاف ما يذهب إليه الرئيس التونسي الأسبق الدكتور منصف المرزوقي من أن المحدد الأساسي/الشرط الضروري لمواقف القوميين (مع إمكانية أن نضيف إليهم الماركسيين) من أي نظام هو موقفه من الصهيونية والإمبريالية، بصرف النظر عن طبيعته الاستبدادية وسجلاته البائسة في موضوعي الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإننا نرى أن المحدد الأساسي لمواقف "الأقليات الأيديولوجية" في تونس هو ميلها إلى الدفاع عن نظائرها من الأقليات سواء أكانت طائفية أم عسكرية، بشرط أن تكون مواقف تلك الأقليات معادية "للإسلام السياسي"، أو بالأحرى معادية "للأغلبية" التي قد تتحول إلى ظهير استراتيجي للحركات الإسلامية "السنية" في صورة اعتماد الديمقراطية التمثيلية.

إن هيمنة الأقليات بمختلف أشكالها لا يقع إلا بعيدا عن الإرادة الشعبية، وهي تعي جيدا أن أي تجربة ديمقراطية غير متلاعب بها من أجهزة الدولة ستدفع بالإسلاميين "السُّنة" إلى مركز الحقل السياسي. ولذلك فإن الأقليات الأيديولوجية لا مشكلة لها مع الإسلام السياسي الشيعي، وهي تتقاطع معه في أكثر من ملف داخليا وخارجيا. بل إن بعض رموز "العائلة الحداثية" -خاصة من القوميين وبعض اليساريين- لا يخفون ميلهم إلى سردية التشيع الديني فضلا عن التشيع السياسي.

وفي المقابل، فإن الأغلب الأعم من الحركات الإسلامية السنية -على عكس حركة حماس أو الجهاد الإسلامي- لم تستطع تجاوز التسييجات الطائفية التراثية، وما زالت بعيدة عن تقديم نموذج سياسي مطمئن للأقليات الأيديولوجية والدينية من جهة أولى، وقادر -من جهة ثانية- على هدم ميراث سايكس-بيكو وتجاوز واقع "الكيانات الوظيفية" من داخل التجربة الديمقراطية ذاتها، أي بعيدا عن السرديات "الجهادية" الطائفية ما قبل المواطنية، وبعيدا عن السرديات الوظيفية التي تلعن يزيدا جهرا وتعبده سرا، وتتغنى بالتحرر والتحديث والمقاومة وهي أعدى أعداء القضايا الكبرى فكريا وموضوعيا.

x.com/adel_arabi21
التعليقات (0)

خبر عاجل