كثيرا
ما اتُهم النظام
التونسي الحالي بـ"الشَّعبوية" وبغيرها من الصفات التي
تراوحت بين الانحراف السلطوي أو الاستبدادي، خلال حالة الاستثناء التي حولها
الرئيس إلى مرحلة انتقالية لتأسيس جمهورية جديدة، وبين تغول السلطة التنفيذية -بعد
إرساء دستور 2022- وتحويل باقي السلطتين التشريعية والقضائية
إلى "وظيفتين" في خدمتها، فضلا عن نقض مُخرجات عشرية الانتقال
الديمقراطي، أي ما يسميه أنصار "تصحيح المسار" بـ"العشرية
السوداء"، فيما يتعلق بالهيئات الدستورية وغيرها.
وفي
مقابل سردية المعارضة الجذرية القائلة بلا دستورية إجراءات 25 تموز/ يوليو 2021 وما انبنى عليها من مسار سياسي، نجد سرديتين
متقاربتين دون تماه، إحداهما سردية الموالاة النقدية الداعمة لتصحيح المسار مع
اتخاذ مسافة نقدية منه، خاصة من جهة استبعاده لمنطق التشاركية في إدارة الدولة
ورفضه لأي حوار معها، كما نجد الموالاة الصريحة التي يحكمها عقل سياسي هو أقرب إلى
العقل الايماني بـ"المنقذ" أو "المخلّص"، وهو عقل قادر على
الدفاع عن الشيء وضدّه، ويتعامل مع المعارضين باعتبارهم "أعداء وجوديين"
لا مجرد خصوم سياسيين لا تخرجهم المعارضة من حد المواطنة ولا تسلبهم حقوقهم
الفردية والجماعية، ولا يجعل منهم انتقادهم للسلطة أعداءَ للشعب بالضرورة أو
"متآمرين" و"خونة".
النهضة التي وضعت كل بيضها في سلّة المنظومة القديمة لم تفكر في أنها ليست -في التحليل الأخير كما يقول الماركسيون- إلا جسما طارئا على الدولة-الأمة وعلى نخبها اللائكية. كما لم تفكر النهضة في الأسباب العميقة التي جعلت قاعدتها الانتخابية تنحسر تدريجيا مع كل استحقاق انتخابي
ليس
يعنينا في هذا المقال تفكيك سردية ما يمكن تسميته بـ"الموالاة الصلبة"،
أي تلك الموالاة التي تعتبر "تصحيح المسار" سبت التاريخ السياسي لتونس -أي
منتهاه وخاتمته- وتخلط عن عمد بين الانتخاب المؤقت والتفويض النهائي. فهؤلاء لم
يفعلوا غير إعادة تشغيل سردية "التفويض الإلهي" والاستعارة الرعوية ما
قبل المواطنية لشرعنة نظام يعتبر نفسه فاتحةً لزمن سياسي كوني جديد؛ ستجبّ
ديمقراطيته المباشرة/المجالسية ما سبقها من
ديمقراطية تمثيلية في تونس وخارجها.
ورغم أننا لا نشك في طوباوية هذه الدعوى التي تبشّر بـ"تصدير" النموذج
الديمقراطي المجالسي وتصادر على انتفاء الحاجة للديمقراطية التمثيلية وأجسامها
الوسيطة، ورغم أن الوقائع أظهرت عدم صلاحيتها حتى للاستهلاك المحلي -من جهة
فقدانها للمشروعية المرتبطة بالإنجاز- فإننا لا نستطيع أن ننكر أن هذه السردية قد
طرحت على نفسها -على الأقل في المستوى الخطابي- ما خاف منه كل الفاعلين الأساسيين
في عشرية الانتقال الديمقراطي، بل تبرّأ منه المرحوم الباجي قائد السبسي؛ اعتبار
الثورة التونسية وآليات إدارتها خلال المرحلة التأسيسية نموذجا قابلا للتصدير.
في
مقابل السردية السلطوية وأنصارها، نجد سرديتين أساسيتين للمعارضة التونسية. أما
السردية الأولى فهي تلك التي عارضت "تصحيح المسار" واعتبرته انقلابا على
الدستور وعلى الثورة وإغلاقا لفاصلة الانتقال الديمقراطي. وتحتل حركة
النهضة مركز
هذه السردية باعتبارها الخاسر الأكبر من ضرب الديمقراطية التمثيلية والنظام
البرلماني المعدّل، وباعتبارها المستهدف الأول من تضييقات السلطة ومن التتبعات
الأمنية-القضائية. وبالإضافة إلى حركة النهضة نجد حزب العمال التونسي الذي رفض
إجراءات 25 تموز/ يوليو 2021 واعتبرها انقلابا، لكنّ هذا الحزب اليساري أصرّ على عدم التقاطع مع حركة النهضة في
أي تحرك احتجاجي، فضلا عن رفضه المبدئي لدخول جبهة الخلاص أو التنسيق السياسي
معها. فحزب العمال لم ير فيما يسميه انقلابا ما يكفي للعودة إلى روح "هيئة 18 أكتوبر للحريات" التي تحالف فيها سنة 2005 مع حركة النهضة ضد نظام المخلوع، ولذلك رفض
أي تقارب مع الحركة وفعّل المعجم السياسي المؤدلج الذي يعتبر أن النهضة هي الوجه
الديني للرجعية الحاكمة قبل الثورة وبعدها، وهو ما يجعل من تحالف أي حزب تقدمي
معها مغامرة أيديولوجية ذات كلفة عالية داخل قواعد الحزب وحلفائه في "العائلة
الديمقراطية" بأحزابها ومجتمعها المدني والنقابي.
رغم
أنه لا يمكننا رد موقف حزب العمال من حركة النهضة إلى ثنائية التناقض الرئيس
والتناقض الثانوي، فإنه في بعض وجوهه مجرد امتداد لموقف الحزب من "حركات
الإسلام السياسي" ومن حركة النهضة تحديدا خلال "عشرية الانتقال
الديمقراطي"، وهو موقف يبدو أن "تصحيح المسار" باعتباره قتلا
للسياسة واستهدافا نسقيا للأجسام الوسيطة كلها؛ لم يستطع تغييره. ولعلّ اللا مفكر
فيه الأهم في هذا الخيار السياسي ليس هو مدى فاعلية أي معارضة "تقدمية"
تقصي الإسلاميين وحلفاءهم، بل هو كيفية بناء حقل سياسي "سوي" يشتغل
جوهريا ضد الإسلاميين وليس معهم. وإذا كان حزب العمّال يرفض ما يُسمّيه
"انقلاب" 25 تموز/ يوليو 2021،
فإنه موضوعيا يتقاطع معه في الموقف من حركة النهضة، بل إن مواقفه المعادية للحركة
أرسخ من فاصلة "هيئة 18 أكتوبر" وأبعد غورا في العقل/ المخيال
اليساري بمختلف أطيافه قبل الثورة وبعدها. وهو ما يجعل من تقدمية تلك المبادرة
مجرد فلتة توقّت منظومة الاستعمار الداخلي شرّها، منذ أن أعلن حزب العمال أنه جزء
من المعارضة في المرحلة التأسيسية وما تلاها. وإذا كان هذا هو اللا مفكر في طيّ
سردية حزب العمال، فما هي أبرز المسائل اللا مفكر فيها عند حركة النهضة؟
منذ
المرحلة التأسيسية اختارت النهضة التوافق مع ورثة المنظومة القديمة وارتضت أن تعمل
معهم وفق املاءاتهم وشروطهم التي تجعل من الحركة مجرد "وطد متدين"، أي
مجرد جسم وظيفي في خدمة المنظومة كما هو شأن أغلب مكونات ما يُسمى بـ"الوطنيين
الديمقراطيين". كان سعي النهضة إلى الحصول على "اعتراف" المجتمع
السياسي والمدني والنقابي يدفعها إلى القيام بما أسمته بـ"التنازلات
المؤلمة"، وهي تنازلات وضعت الحركة في موقع ابتزاز/ استضعاف نسقي من كل
خصومها، بل حتى من حلفائها في نداء تونس وشقوقه. لقد أضعفت تلك التنازلات الحركة
وأفقدتها جزءا هاما من قاعدتها الانتخابية المحافظة والمتدينة والمهمشة جهويا
وفئويا، وهو ما يعني خسارة الحركة لقوتها التفاوضية مع حلفائها قبل خصومها. ولم
يأت "تصحيح المسار" إلا بعد أن أصبحت النهضة فائضا سياسيا لا قيمة له
عند "منظومة الاستعمار الداخلي". لقد اختارت النهضة أن تتموضع في الدولة
لا خارجها أو ضدها، وهو خيار لا يمكن أن تلام الحركة فيه. ولكنّ النهضة التي وضعت
كل بيضها في سلّة المنظومة القديمة لم تفكر في أنها ليست -في التحليل الأخير كما
يقول الماركسيون- إلا جسما طارئا على الدولة-الأمة وعلى نخبها اللائكية. كما لم
تفكر النهضة في الأسباب العميقة التي جعلت قاعدتها الانتخابية تنحسر تدريجيا مع كل
استحقاق انتخابي، أي لم تفكر في الهوة بين انتظارات ناخبيها بعد الثورة وبين أدائها
الموجه ضد تلك الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
بعد
اتخاذ الرئيس
قيس سعيد لإجراءاته يوم 25 تموز/ يوليو 2021 كنّا من أوائل من أشرنا إلى عبثية التعويل على السيناريو التركي. فالأتراك الذين
خرجوا لوأد الانقلاب العسكري كانوا يتحركون -رغم اختلاف مرجعياتهم الأيديولوجية
ورغم مواقفهم المتباينة من النظام ومن الحزب الحاكم- دفاعا عن مصالحهم المادية
والرمزية المرتبطة بالديمقراطية. أما الديمقراطية الصورية في تونس فإنها لم تقدم
للمواطنين اقتصاديا واجتماعيا ما يحملهم على الدفاع عنها. كانت الديمقراطية أقرب
إلى الترف الفكري الذي لم يحقق الاحتياجات الأساسية للمواطنين، تلك الاحتياجات
التي لخصها القرآن قبل هرم ماسلو بأنها الإطعام من الجوع والأمن من الخوف.
كان
اللا مفكر فيه الأساسي عند حركة النهضة هو أن الديمقراطية المنفتحة على الإسلاميين
هي تجربة مقلقة لأكثر من فاعل إقليمي ودولي، وهو ما يجعلها أقرب إلى الفاصلة
المؤقتة التي لا يمكنها الثبات دون إنجاز حقيقي، أي دون تحقيق ما يجعلها تجربة
متماهية مع انتظارات عموم المواطنين ومعبّرة عن همومهم الحقيقية، لا مجرد إعادة
تدوير لسياسات المنظومة القديمة ودفاع عن مصالح نواتها الصلبة. وما دامت النهضة لم
تقدم نقدا ذاتيا لأدائها السياسي خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، فإن انتظار تغير
موقف الرأي العام منها هو أمر عبثي بالدرجة نفسها التي تنتظر بها باقي مكونات
الموالاة النقدية تغير موقف النظام منها.
إذا
كانت المعارضة الجذرية قد رفضت سردية تصحيح المسار برمتها، وإذا كانت كل مكوناتها تشترك
-بدوافع/ حسابات مختلفة- في تضخيم وزن الرئيس دون النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار
الداخلي باعتبارها المسؤولة عن الترتيبات الحالية -بحكم علاقة التعامد الوظيفي بين
الرئيس وتلك المنظومة- فإنّ ما يُسمى بـ"الموالاة النقدية" قد ساندت
الرئيس ومشروعه "التصحيحي" دون أن تتماهى معه. فمكونات هذه المعارضة، خاصة
المكونين القومي والوطدي بالإضافة إلى المكون التجمعي، كانت قد مهدت الشروط
الموضوعية لإجراءات 25 تموز/ يوليو، وحرصت في مراحلها الأولى على
شرعنتها باعتبارها تأويلا دستوريا صحيحا وباعتبارها ضرورة وطنية. ولكنّ رفض النظام
الانفتاح على هذه المعارضة بمحاورتها أو إشراكها في السلطة؛ جعلها تتخذ مسافة
نقدية منه دون التذكير المتواصل برفضها العودة إلى مربع 24 تموز/ يوليو 2021.
ورغم
أن أغلب مكونات هذه المعارضة كانت مكونا أساسيا فيما تسميه "العشرية
السوداء"، فإنها تبرأت من تلك المرحلة وأنكرت مسؤوليتها السياسية والأخلاقية
عنها. ولكنّ هذه البراءة لم تشفع لها عند النظام الجديد الذي أصرّ على توظيف
مكوناتها بصفة فردية -في غرفتي البرلمان- والاستفادة من رموزها في ترذيل
"عشرية الانتقال الديمقراطي"، دون أن يعترف بها شريكا في "تصحيح
المسار" ودون أن يتعرف بأي "دين معنى" لمكوناتها القومية
والشيو-تجمعية.
تصحيح المسار في جوهره هو مشروع لإنهاء الربيع العربي في بلد الثورة الأول، وهو لم ينجح بدعم "العائلة الديمقراطية" ولا يستمر برضاها، بل هو واقع سياسي فرضته استراتيجيات إقليمية ودولية تتجاوز إرادة الفاعلين المحليين، ومهدت له خيارات لا شعبية وضعها من يتموقعون الآن في المعارضة الجذرية وفي الموالاة النقدية على حد سواء
لقد
كان ما يُحرك هذه المعارضة المنتمية إلى سرديتي الاستئصال الصلب (مثل الحزب
الدستوري الحر والوطد وحركة الشعب) والاستئصال الناعم (مثل التيار الديمقراطي)؛ معاداةُ
حركة النهضة لأسباب كثيرة تجد جذرها الحقيقي في البعد الأيديولوجي، وهو ما جعلها
تتواطأ على إضعاف حركة النهضة برلمانيا وشعبيا تمهيدا لإخراجها من الحقل السياسي
القانوني وتحويلها إلى ملف أمني-قضائي. ولمّا جاء "تصحيح المسار" ظنّ
أغلب هؤلاء أن الرئيس مدين لهم بالنجاح، بل ظنوا أن بقاءه مرهون بدعمهم، وهو أمر
حرص النظام الجديد على تكذيبه. فالرئيس وحده هو صانع "تصحيح المسار"،
وهو لا يدين إلا للشعب ببقائه.
وبصرف
النظر عن زيف هذه الدعوى، فإنها قد نجحت في ضرب كل الحلفاء السابقين وتهميشهم.
فسردية تصحيح المسار لم تطرح نفسها يوما شريكا لمكونات ما تسميه "الخطر
الجاثم" (ومنه الأحزاب والجمعيات المدنية والنقابات)، ولمّا كانت الأجسام
الوسيطة هي المسؤولة عن الفساد داخل أجهزة الدولة وخارجها، فإن الرئيس لا يمكن أن
يحاور "الفاسدين" ولن يقبل بإشراكهم في الحكم. لقد ظنّت مكونات
"الموالاة النقدية" أن الرئيس يشتغل لحسابها، ولكنها وقفت على حقيقة
أنها هي من كانت تشتغل لحسابه. فإخراج النهضة من مركز الحقل السياسي، لم يكن يعني
في سردية تصحيح المسار إدماج خصومها في النظام الجديد، بل كان يعني فقط هندسة حقل
سياسي جديد لا مكان فيه للأجسام الوسيطة كلها.
كان
اللا مفكر فيه الأساسي عند الموالاة النقدية هو انتفاء الحاجة إليها في سردية
تصحيح المسار الذي يحكمه منطق البديل لا منطق الشريك، كما كان اللا مفكر فيه هو أن
النظام لم يستهدف النهضة لأسباب أيديولوجية، بل باعتبارها مركز الديمقراطية
التمثيلية والنظام البرلماني المعدّل. وهو ما يعني أنه لن يتوقف عند حدود استهداف
النهضة بل سيستهدف باقي مكونات "العشرية السوداء" بمن فيهم حلفاؤهم الموضوعيون قبل صدور إجراءات 25 تموز/ يوليو 2021.
فتصحيح المسار في جوهره هو مشروع لإنهاء الربيع العربي في بلد الثورة الأول، وهو
لم ينجح بدعم "العائلة الديمقراطية" ولا يستمر برضاها، بل هو واقع سياسي
فرضته استراتيجيات إقليمية ودولية تتجاوز إرادة الفاعلين المحليين، ومهدت له
خيارات لا شعبية وضعها من يتموقعون الآن في المعارضة الجذرية وفي الموالاة النقدية
على حد سواء. وبصرف النظر عن المعطيات الإقليمية والدولية الداعمة للنظام الحالي،
لا يبدو أن المعارضة بكل أطيافها قادرة على تقديم بديل سياسي يتجاوز استبدال واجهة
منظومة الاستعمار الداخلي بواجهة جديدة ثبت فشلها في تحقيق الانتظارات المشروع
لعموم التونسيين اقتصاديا واجتماعيا وقيميا.
x.com/adel_arabi21